كتب: د. أسامة عبد العزيز فكري " لم أذق اللحم منذ اكثر من ثمان اعوام ! " سمعت هذة الجملة فى عيادتى الخاصة .. من مريض فى اواسط العمر .. هزيل البنية و يعانى سوء تغذية بشكل ملحوظ جدا ..و هو مريض بالكبد أو تليف بالكبد لو شئنا الدقة .. قالها و هو فخور بنفسة ظنا منة انة بذلك ملتزم بالعلاج حتى و ان كلفة تنازلة عن أكل البروتينات الحيوانية و التى "قيل لة " انها تضر الكبد بشكل مباشر . و لكن حقا هل هناك علاقة مابين اكل البروتين و الكبد ؟ منذ 2500 عام عندما زار ابقراط مصر القديمة و لاحظ انتشار مرضى الكبد بالبلاد فقد وصف مرضى الفشل الكبدى وصفا دقيقا و اشار الى "مرضى الصفراء الصاخبين " وأوضح ان مريض الكبد قد يكون شبية بمريض السعار (Rabies) و اوصى بحجزة و مراقبتة حتى يعود لرشدة.. وهو بذلك كان يقصد مرضى "الغيبوبة الكبدية" و هو اضطراب فى وعى مريض الكبد ، مصحوبا بتغيرات بالشخصية عادة ما تكون ذات طابع حاد او مشين ثم تتطور لتصبح غياب تام عن الوعى . و فى عام 1893 اثبت الطبيبان الروسيان مارسيل نينكى و ايفان بافلوف – لأول مرة – العلاقة بين الامونيا و الغيبوبة الكبدية. لفترة طويلة جدا .. كان الظن ان البروتين هو احد مسببات ارتفاع نسبة المواد النيتروجينية و الامونيا )النشا) بالدم و عبورها حاجز المخ لتسبب الغيبوبة الكبدية .. و رغم ان اسباب الغيبوبة الكبدية غير معلومة بشكل واضح الا ان هناك بضع نظريات – اخرى - لتفسرها مثل نظرية الزنك و التغيرات التى تحدث فى مادة الجابا (GABA) احدى ناقلات الاشارات العصبية فى المخ و ايضا الاختلال بنسب المعادن و الاملاح بالدم و لا ننسي ابدا دور الالتهاب و العدوى و خصوصا مع نقص المناعة المصاحب لمرضى الكبد. و تعد نظرية ارتفاع نسبة الامونيا بالدم احد اشهر هذة النظريات .. و الاكثر قبولا رغم انها مجرد نظرية بين نظريات اخرى لتوضيح سبب الغيبوبة الكبدية أى ان لها ما يؤيدها و لها –ايضا – ما ينفيها و يشكك فيها بشدة ! و لعل احد اهم اسباب التشكيك فى هذة النظرية هو فشل الدراسات العملية فى تشخيص الغيبوبة الكبدية اعتمادا على نسبة الامونيا بالدم ، بمعنى اخر قد يكون هناك مريضا كبديا يعانى اشد درجات الغيبوبة الكبدية و مع ذلك تبقى نسبة الامونيا بالدم طبيعيه جدا و العكس صحيح ! فى عام 1948 نشر الطبيبان الامريكيان "ارثر باتيك" و "جوزيف بوست" أول دراسة علمية حقيقة عن تأثير الغذاء الفعلى على مرضى الكبد و تم ذلك عن طريق مراقبة 124 مريض كبد على مدار 10 سنوات .. و اثبتت الدراسة – بما لا يدع مجالا للشك – ان الغذاء الغنى بالبروتين هو غذاء مفيد جدا لمريض الكبد بل ان الغذاء الخالى من البروتين يؤدى الى تردى وضع الكبد و الاسراع فى فشلة. و منذ ذلك الحين و على مدار اكثر من ستون عاما .. بدأت تتوالى الابحاث و الدراسات التى اكدت نفس النتائج حتى بدأ العالم يدرك ان البروتين برئ من "تليف الكبد" او "الغيبوبة الكبدية" براءة الذئب من دم ابن يعقوب ، بل على العكس تماما .. هو لازم و ضرورى جدا من اجل صحة و سلامة وظائف الكبد . وعملا بمبدأ "الطب المبنى على الدليل" (Evidence based medicine) اصدرت الجمعيات العلمية التوصيات للأطباء من اجل ان يتوقفوا عن منع البروتين عن مرضى الكبد حتى اثناء الغيبوبة الكبدية حيث ان حالتهم الغذائية و المناعية تسوء جدا نتيجة لذلك الا فى حالات قليلة جدا يكون المريض لدية نوع من الحساسية تجاة البروتين و يؤدى الى الغيبوبة و تلك نسبة بسيطة جدا من مجمل عدد المرضى لذلك لا يصح التعميم . و لسبب ما اصر الاطباء على تجاهل مثل هذة التوصيات تماما و الاصرار على ما عاهدوة قديما من ان منع البروتين هو ركيزة اساسية لعلاج مريض الكبد بالرغم من ان الامر حسم تماما و اثبتتة الدراسات و الابحاث العلمية منذ اكثر من ستون عاما ! الا ان البعض مازال ينظر للامر بشك و ريبة .. اللهم الا قلة من الاطباء اخذوا على عاتقهم تطبيق ما يقول العلم مخالفين بذلك أساتذتهم و أقرانهم. و لكن العجيب حقا هو رد فعل المريض .. لو افترضنا جدلا ان هناك مريض بالكبد ذهب الى طبيبين فى نفس التخصص و احدهما طلب منة ان يتوقف عن اكل البروتين بينما اوصى الاخر بأكل البروتين .. فغالبا ما ينحاز المريض للتوقف عن اكل البروتين تماما ! و تصديق الطبيب الذى طلب منة ذلك .. و ذلك حتى لا يلام حينما يتردى وضع الكبد و يتهمة البعض بالاهمال فى حالتة الصحية .. لاسيما عندما يتطور الامر الى الغيبوبة الكبدية و تكون تصرفاتة فى غير الوعى حيث يكون المريض فى شدة الاحراج عندما يعلم ما بدر من - بعد الافاقة - . بل ان الامر يتطور الى ما هو اكثر من ذلك .. بداية يبدأ المريض من تلقاء نفسة فى الاقلال من البروتينات و تقنينها جدا .. و لكن عندما يصاب بأى وعكة صحية تتجهة اصابع الاتهام الى " وجبة البروتين الاخيرة" كيف و ماذا كانت ؟ " الا تستطيع ان تتحكم فى نفسك "؟! هكذا يقال لة ممن حولة .. تدريجيا بيدا المريض فى منع اللحم ثم جميع انواع البروتين ثم يلفظها لفظا .. و يتكون حاجز نفسي فى الاوعى ضد اللحوم بانوعها (فراخ و اسماك) حتى ان كثير من المرضى يخبرونى ان مجرد التفكير فى اللحم يجعلهم يتقيأون حتى يفرغوا ما فى بطونهم !!! فما بالك بالاكل ؟!! ثم تبدأ اعراض سوء التغذية الناتج عن نقص البروتين .. فللبروتين وظائف عدة للجسم .. فهو المكون الرئيس للعضلات و الدم و الخلايا و الانسجة و الاعصاب .. اما بالنسبة للكبد .. فالكبد يستخدم الاحماض الامينية الناتجة عن تكسير البروتينات لكى يقوم بوظائفة مثل اصدار بروتينات البلازما (Plasma proteins) المسئولة عن التجلط و السيولة و المناعة و الضغط الاوزوموزى بالجسم مما يتحكم فى نقل السوائل من الخلايا و خارجها ، كذلك تنقية الجسم من رواسب التمثيل الغذائي و اخراج السموم بشكل صحى . لتخرج الينا صورة الفشل الكبدى المعتادة .. تورم بالساقين و استسقاء بالبطن ، ارتفاع بالصفراء بالدم، نزيف متكرر من اللثة و الانف ، تكرار مرات العدوى المصاحبة بالحرارة ، فقدان شهية متواصل ، تعب عام و عدم قدرة على فعل اى مجهود ، فقدان وعى و دوخة متكررة ،و كثير من الاعراض الاخرى و لكنى اخترت اشهرها التى عادة ما تكون مرتبطة بسوء التغذية . يلجأ الجسم لتوفير البروتين ، حيث ان – كما ذكرنا- الحياة بدون بروتين مستحيلة ..فيلجا الجسم لتكسير عضلات الجسم لتتحول الى احماض امينية .. يحاول الكبد الاستفادة منها لتنفيذ بعض من وظائفة .. و مع استمرار منع البروتين يتكرر التكسير يوما بعد يوم فيما يعرف بال (Auto cannibalism) او " اكل لحم الجسم ذاتيا" و رغم انة التشبية مقزز .. الا انة –للأسف – حقيقى ، فالمريض يأكل من نفسة و ذلك يفسر حالة فقدان الوزن و الهزال لمثل هولاء المرضى البؤساء. الا ترى معى ان منع البروتين عن المريض يعد "خطأ" قد يصل الى مستوى وصف " الحدث الكارثى" بالنسبة لمريض الكبد ؟ الا ترى كيف ان جملة بسيطة تخرج من فم طبيب او ممرضة او احد ما بسبب جهل او عدم تقدير قد تودى بحياة مريض بعد ان يعيش حياة غاية فى البؤس و الشقاء ؟ أرجو من الجميع ان ينتبهوا لما يقولوا .. فمدعى العلم يجب ان يختار ما يقولة للناس بعيدا عن الطب و المرض ... ولا يكفى ابدا ان يكون دليلة انة "سمع فلانا " يقول ان كذا مفيد او كذا مضر .. فالامور ليست بهذة السطحية .. كذلك ارجو من الاطباء و التمريض تقدير توصياتهم للمرضى و اعتبار العامل النفسي لما يقولون .. و اخيرا انصح المرضى بان غالبا ما تكون " ايسر الامور هى اهونها" .. و لا شرط ابدا ان تكون اعقدها و اشقها على الانفس .. و لذلك الخير دائما فى الوسطية فلا افراط و لا تفريط . شفاكم اللة و عفاكم ،،