تاج الدين: الوضع الوبائي لكورونا في مصر آمن تماما بفضل دعم القيادة السياسية والحكومة    أول رد من الشيخ أحمد البصيلي على مزاعم سيدة ضد عبدالله رشدي    مقتل 26 جزائريًا في حرائق الغابات.. وعبدالمجيد تبون يعزي عائلات الضحايا    الرئيس التونسي يصادق على الدستور الجديد    الناتو يدعو الطاقة الذرية لتفتيش محطة زابوريجيا على نحو عاجل    بشفرة حلاقة.. أحمد السعدنى يعلق على تعادل الأهلى أمام إيسترن كومباني    كريم شحاتة يكشف تفاصيل العرض القطري لأحمد زيزو ..شبانة يكشف مفاجأة فى صفقة إيبوكا . والمزايدة على الأهلي في صفقة نجم فيوتشر .وفيريرا يرفض شلبي ..    تقرير: موسيماني يتولى تدريب منتخب جنوب أفريقيا    محافظ القليوبية يتفقد موقع العقار المنهار بقرية كفر الجزار ببنها    أجمل القطع الأثرية في متاحف الجمهورية خلال «أغسطس» .. «نافورة فسيفساء وإبريق برونز ومركب فرعونى»    فيديو.. المطربة الأردنية زين عوض: مهرجان القلعة يعمق التبادل الحضاري    انتخابات «نقيب المحامين» تنتظر الفصل فى الطعون    تحذير من الحقنة الثلاثية لعلاج نزلات البرد    بطريرك الروم الكاثوليك يُكرم مدير مكتب البوابة نيوز في الشرقية    بالصور.. العرض الخاص لفيلم الدعوة عامة    جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا تقيم حفلا أسطوريا لتخريج دفعة جديدة من كلية طب الأسنان بحضور كوكبة من ألمع النجوم.. صور    أوكرانيا تتوقع هجمات صاروخية على كييف في يوم استقلالها    حرائق إسبانيا.. لا أمل في إخماد الحريق إلا بهطول المطر    دعما للجيش الصومالى.. واشنطن تعلن تصفية 13 عنصرا من "الشباب"    إزالة 15حالة تعدٍ على الأرض الزراعية وأملاك الدولة بالوحدات المحلية بالمحلة    لوكاس براجا يرفض عرض الأهلي    حقيقة تدهور الحالة الصحية للفنان هشام سليم    محمود أبوالدهب: الاتحاد السكندري يدفع ثمن رحيل حسام حسن    نتائج التوجيهي الاردن 2022 بالاسم.. نتائج الثانوية العامة عبر موقع وزارة التعليم الاردنية    يا معافر.. شيرين عبد الوهاب تشعل حفل إحدى الجامعات الخاصة    مصرع طفل وإصابة 7 آخرين في تصادم «ميكروباص» و«نقل» على طريق الفيوم    خبير لوائح سعودي يكشف تفاصيل جديدة في قضية أبو جبل والنصر    سواريز: سأركز على الهجوم وحققت نقاطا أكثر مقارنة بآخر 12 مباراة قبلى    استقالة محافظ البنك المركزي وخفض إلزامي للجنيه المُقوّم بأكثر من قيمته ..اقتصاد مصر نحو المجهول    سقوط شهيد و31 مصابا خلال مواجهات بين فلسطينيين وقوات الاحتلال في نابلس    وزير الري يتابع مشروعات تأهيل المساقي.. وإزالة 62 ألف حالة تعد    القبض على 9 أشخاص لقيامهم بالتنقيب عن الآثار في الغربية    غلق وإنذار 84 منشأة صحية بالدقهلية    غلق وتشميع محلات بدون ترخيص وإيقاف أعمال مخالفه وإزالة تعديات وإعلانات بالهرم    وفد التنسيقية يلتقي السفيرة الإماراتية مريم الكعبي بالقاهرة ويهديها الدرع    تعويضات مادية وأماكن بديلة.. مدير مشروع تطوير مثلث ماسبيرو يكشف التفاصيل (فيديو)    عضو مجلس إدارة الشركة المشغلة ل"ممشى العلمين" السياحي: هدفنا الناس تنبسط    ابدأ مستقبلك.. محافظة الإسكندرية تحصل على أفضل مشروع حقق أهداف التنمية المستدامة    رئيس الأوبرا يكرم 10 شخصيات في مهرجان القلعة    نجوم مسرح مصر يدعمون محمد عبدالرحمن في عرض الدعوة عامة    تغريم أحمد سعد ومحمد فؤاد بسبب الفلاشة.. الموسيقيين: نهدف لمكافحة البطالة    «الإفتاء»: تداول الأخبار الكاذبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي «حرام شرعًا»    مسابقة لحفظة القرآن الكريم بمركز شباب العدوة    وزير الري يلتقي مدير «إيكاردا»: تعزيز التعاون لضمان الاستخدام الأمثل للموارد المائية    دوري WE المصري    9 إرشادات من «الصحة» حول ارتداء الكمامة بطريقة صحيحة    طبيب حالات حرجة: اللقاح المزدوج في بريطانيا ينجح في مقاومة «أوميكرون»    حظك اليوم برج الميزان الخميس 18-8-2022 عاطفيا ومهنيا    انتهاك العقوبات.. قلق أمريكي بسبب صفقة ضخمة بين تركيا وروسيا    نقابة الأطباء تطلب المتطوعين من أعضائها "الامتياز" لتنظيم مؤتمرهم    أحمد كريمة: تعرضت للتقصير من والدي.. إلا أنني لا أذكره إلا بالخير|فيديو    حكاية أول ساعة ذكية في القرن الماضي.. بتوقيع رولكس    سقوط عمود على 4 أشخاص في بولاق الدكرور.. والتحفظ على كاميرات المراقبة    مصرع مريض ألقى بنفسه من الدور الرابع بمستشفى بني سويف الجامعي    بأمر قانون العمل.. 45 يوما إجازات الموظفين سنويا    أستاذ أوبئة: كورونا قد يستبعد من قائمة الجوائح بنهاية العام    حكم إساءة معاملة الأولاد ومنع الزوجة من زيارة إحدى بناتها.. الإفتاء تجيب    عقد 4 ورش تدريبية على الأداء الصوتي للمؤذنين..صور    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



صالح سرية .. الفلسطيني المجنون الذي تحرك لإسقاط نظام الحكم في مصر ب 16 طالباً
المستشار ماهر الجندي يواصل حكايات الإرهاب :
نشر في صوت الأمة يوم 04 - 12 - 2009

قام بمحاولة فاشلة ضد حزب البعث العراقي هرب بعدها إلي ليبيا ومنها إلي مصر .. ليبدأ قصته الأخيرة لإسقاط نظام السادات من داخل جامعة الدول العربية ..
· وضع «سرية» نفسه في مقدمة التنظيمات الإسلامية المسلحة في عهد السادات حين بدأ عام 1973 وتفوق عليها بإختراق طلاب الكلية الفنية العسكرية وتشكيل خلية من 16 طالباً
· أسس إستراتيجيته علي تكفير الجميع بدءاً من الرئيس وحتي الأحزاب السياسية التي لم تكن موجودة أصلاً في مصر وقتها
· كان سرية مفتوناً بنموذج العقيد القذافي والديكتاتور موبوتو في الكونغو
· خطط لبدء الانقلاب باقتحام الفنية العسكرية وكاد ينجح لولاخيانة أحد رفاقه
في الحلقة السابقة، انتهيت من الحديث عن حكاية «تنظيم التكفير والهجرة» الإرهابي الذي شكله شكري أحمد مصطفي، وصاغ منهجه الفكري علي أساس تكفير الحاكم ووصف المجتمع بالجاهلية الأولي، وانتهي به الأمر إلي غرفة الإعدام.
والآن أتناول بالحديث، حكاية تنظيم إرهابي آخر، هو «تنظيم الكلية الفنية العسكرية» الذي يعتبر من أخطر تنظيمات الإرهاب الدموي والعنف المنظم التي ظهرت في مصر في غضون العقدين السابع والثامن من القرن الماضي، وكان أول تنظيم يخرج فجأة من تحت الأرض ويدخل في منطقة الصدام المسلح مع السلطة مباشرة تحقيقاً لحلمه في القفز علي نظام الحكم بالقوة، وإعلان قيام ما يسمي «بالدولة الإسلامية»، وتنصيب زعيمه الإرهابي.. صالح سرية الفلسطيني الجنسية «أميرا علي البلاد».

صالح سرية.. الفلسطيني المغمور الذي كان يحلم بحكم مصر
يهوي حبك المؤامرات.. وتدبير الانقلابات.. والتخطيط للاغتيالات السياسية
نشأ صالح عبدالله سرية.. مؤسس وزعيم تنظيم «الكلية الفنية العسكرية» في مدينة حيفا بفلسطين، وانضم في مطلع شبابه إلي حزب التحرير الإسلامي الذي أنشأه «تقي الدين النبهاني» بالضفة الغربية للأردن عام 1950، كرد فعل - في رأي البعض - لاغتيال الشيخ حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين في مصر، وقيل أن ثمة علاقات وثيقة كانت تربط بين هذا الحزب وبين فكرة الجهاد التي كانت تتبناها جماعة الإخوان المسلمين في مرحلة زمنية من مراحلها التاريخية.
خرج صالح سرية من حيفا في ظروف غامضة وعاش في المملكة الأردنية لسنوات قصيرة، عاصر خلالها أحداث أيلول الأسود الدامية - في سبتمبر عام 1970.
وفي عام 1971 جاء إلي القاهرة قادماً من الأردن حيث حصل علي الدكتوراة في التربية وعلم النفس من جامعة عين شمس، ثم مالبث أن غادرها إلي بغداد، وكان علي ما يبدو، يعمل في احدي جامعاتها، لكنه لم يلبث أن خرج منها ها رباً بعد أن حكم عليه غيابياً بالسجن، وكانت تهمته تكوين خلية لحزب التحرير الإسلامي ومناهضة نظام الحكم القائم في العراق في هذا الوقت، ثم توجه صالح سرية بعد ذلك إلي ليبيا، ثم ما لبث أن عاد منها مرة أخري إلي مصر - بجواز سفر ليبي - ليلتحق بجامعة الدول العربية موظفاً بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.
يقول صالح سرية في اعترافاته بتحقيقات النيابة العامة أنه تعاون مع عبدالكريم قاسم - الذي قاد انقلاب الجيش العراقي ضد الملك فيصل ورئيس وزرائه نور السعيد في يوليو 1958 - حتي أصبح - كما يقرر - الضابط الأقدم في جيش التحرير الفلسطيني الذي أنشأه، ثم انقلب علي عبدالكريم قاسم وحاول اغتياله، وتعاون مع حزب البعث العراقي ثم انقلب عليه وتعاون مع عبدالرحمن عارف - الذي تولي السلطة في العراق بعد شقيقه عبدالسلام عارف - ضد حزب البعث، ثم اشترك في مؤامرة ضد عبدالرحمن عارف نفسه، كما أنه اشترك في محاولة لاغتيال الرئيس العراقي أحمد حسن البكر، وخلال ذلك شارك في مؤامرة لاغتيال الملك حسين ملك الأردن، ثم طلب من الملك حسين بعد ذلك - في خطاب ضبطت مسودته - أن يمنحه حق اللجوء السياسي والغريب في الأمر، أنه يعرض في هذا الخطاب ثمناً لمنحه اللجوء السياسي، وهو أن يبيعه أسرار العمل الفدائي الفلسطيني، فلم يسلم حتي أبناء جلدته من شره الوبيل ومن خيانته العظمي لهم، فهذا هو تاريخه الأسود يرويه بنفسه.
وقد زعم صالح سرية الذي زين له خياله المريض تنصيب نفسه «أميرا للبلاد» بعد نجاح انقلابه في الاستيلاء علي السلطة في مصر، أنه عالم من علماء الحديث، وكشفت تحقيقات النيابة العامة عن جهله بأحكام الشريعة الإسلامية الغراء، وعن افلاسه في حفظ آيات القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة. فقد سئل: هل تحفظ القرآن الكريم، بأجاب بالنفي، كما سئل: ما الذي تحفظه من الأحاديث النبوية فكانت اجابته «بعض أحاديث الأحاد ولكن ليس في ذهني شئ».
ومن ثم، كانت ثقافة زعيم التنظيم المغمور صحلة للغاية، فلم يكن رجل دين وعقيدة، بل أسير دنيا وسياسة في المقام الأول. كانت ثقافته نسج الدسائس وحبك المؤامرات، وتخطيط الانقلابات، وتنفيذ الاغتيالات، فقد خطط وشارك في تنفيذ أكثر من انقلاب علي ما سلف بيانه ولا يعرف من المبادئ إلا مبدأ واحداً فقط، كرس له نفسه كلها وهو أن يصبح بين عشية وضحاها «رئيساً لمصر»، لكن سرعان ما خاب ظنه وذهبت أحلامه سدي، وعصفت به رياح غدره وفكره الآثم إلي غرفة الاعدام التي كانت وبحق هي خاتمة المطاف له ولأمثاله من الخونة والعملاء.
صالح سرية أقام منهجه العقائدي المتطرف علي تكفير النظام الحاكم في مصر
في عام 1973 أصدر صالح سرية وثيقة خطيرة إلي أعضاء تنظيمه الإرهابي، تحمل عنوان «رسالة الإيمان» عبر فيها عن مبادئ التنظيم وأهدافه ووسائله لبلوغها، واشتملت هذه الوثيقة علي عدة أحكام أصدرها، وصم فيها نظام حكم الرئيس السادات بالكفر، وما شابهه من أنظمة أخري عربية كانت أو إسلامية، ودعا في وثيقته تلك إلي الجهاد المسلح للاطاحة بهذه الأنظمة الكافرة، وفي مقدمتها مصر، التي يتعين أن تكون هي الموقع الاستراتيجي المتميز، والكفاءة الاقتصادية العالية، وتمتلك جيشاً وموروثاً ثقافياً وحضارياً وتاريخياً عظيماً.
وكان من أهم الركائز التي أقام عليها صالح سرية تنظيمه الإرهابي، أن هذا التنظيم لم يكن من نوعية تلك التنظيمات التي آمنت بفكرة تكفير المجتمع ووصفه بالجاهلية، سواء في مصر أو في البلدان العربية أو الإسلامية، بل كل ما يحركه هي فكرة واحدة، وهي تكفير الحاكم فقط وليس المجتمع، فإذا ما تم القضاء علي الحاكم، فإن انتشار الإسلام وفرض أحكام الشريعة يصبح أمراً واقعياً، ولذلك - كان هدف التنظيم المحدد والواضح هو الاسراع بالاستيلاء علي السلطة في مصر وتنصيب نفسه «أميرا عليها».

يقول صالح سرية في رسالته - التي احتوتها وثيقته السرية الخطيرة - إن الجهاد هو الطريق الوحيد لاقامة الدولة الإسلامية، وأنه لا يجوز موالاة الأنظمة الكافرة، ومن يفعل ذلك فهو كافر، فقد حكم علي الحكام بالكفر وعلي المجتمع بالجاهلية واعتبر أن مصر دار حرب، كما حكم بالكفر علي كل من ينفذ أوامر الدولة الكافرة.
فبعد أن وصف الحكومات بأنها كافرة، قال إن «الجهاد لتغيير هذه الحكومات وإقامة الدولة الإسلامية فرض عين علي كل مسلم ومسلمة» ويقول «لقد أصبح واضحاً الآن أن هناك حكومات وأحزابا وجماعات كافرة تقابلها جماعات تعمل لاقامة الدولة الإسلامية، هناك حزب الشيطان وحزب الله، فكل من والي أو آزر أو عاون الحكومات الكافرة ضد الجماعات الإسلامية فهو كافر، إن الحكومات التي تحارب وتتعقب وتسجن وتعدم أعضاء الجماعات الإسلامية لا شك كافرة، وكل من ينفذ أوامرها فهو كافر، سواء كان مخبراً أو شرطياً، أو ضابطاً، أو محققاً أو قاضياً، أو صحفياً» وقال: «إن كل القوانين المخالفة للإسلام في الدولة هي قوانين كفر، وكل من أعدها أو ساهم في إعدادها أو جعلها تشريعات ملزمة، وكل من طبقها دون اعتراض عليها فهو كافر، وعلي هذا، فكل أعضاء اللجنة من المستشارين الذين وضعوا هذه التشريعات، وكل أعضاء البرلمان الذين صدقوا وكل مجلس الوزراء الذي قدمها، والرئيس الذي وقع عليها، والقضاء والنيابة ومحققو الشرطة والمباحث الذين حققوا بموجبها فهم كفار، وكل فرد من أفراد الشعب رضي بها ووقف موقف اللامبالاة منها فهو كافر، لأن كل هؤلاء قد فضلوا شريعة البشر علي شريعة الله، وهذا كفر لأنهم اتخذوا آلهة غير الله وحكموا بغير ما أنزل الله».

وهكذا - انصب هدف التنظيم الذي شكله صالح سرية علي إحداث تغيير في النظام السياسي المصري واحلال نظام آخر بديل يتفق مع مبادئه المتطرفة وفكره المنحرف، وفي سبيل تحقيق هذا الهدف اتخذ من السرية والثورية المسلحة طابعاً له، وهو طابع متفرد يستند إلي استراتيجية مؤداها هدم البناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي القائم، واستبدالها باستراتيجية أخري جديدة، ولا يتأتي ذلك إلا بأحداث التغيير الشامل والجذري الذي يستلزم عنفاً فجائياً وعملاً ثورياً.
أعد صالح سرية استراتيجية التغيير في مصر علي هذا الأساس وبدأ تنفيذ المرحلة الأولي منها بسرعة بناء القواعد الأساسية والهيكل العام لتنظيمه وذلك بتشكيله من العناصر الشابة المثقفة التي تؤمن بأفكاره وأهدافه وبوسيلة العنف الفجائي لتحقيق تلك الأهداف، وراح يختار تلك العناصر في معظمها من طلبة الجامعات والكليات العسكرية باعتبارهم الأكثر قدرة علي الانضباط والتلاحم عند حدوث الصدام المباشر والمفاجئ مع السلطة، والأقوي ثباتاً علي مبادئ التنظيم.
وفي غفلة تامة من أجهزة الأمن في مصر، ووسط سلبية دور الأزهر وعلمائه في توعية الشباب بالمفاهيم الدينية الصحيحة، استطاع صالح سرية، وفي أقل من عامين علي استقراره بالقاهرة، أن يشكل تنظيمه من عدد يربو علي المائة فرد بقليل، أغلبهم من طلبة جامعات القاهرة والإسكندرية والأزهر والفنية العسكرية والطيران ببلبيس، واختار عدداً من المواقع البعيدة عن عيون أجهزة الأمن - كبائن الشاطئ بالإسكندرية والزوايا بالأحياء الشعبية - لعقد لقاءاته مع عناصر التنظيم وكوادره، كما اختار حديقة الأورمان بالجيزة معسكراً للتدريبات العسكرية العنيفة بما في ذلك كيفية الاشتباك مع الأعداء واستخدام الأسلحة البيضاء في قتل النفوس التي حرم الله قتلها.

صالح سرية.. حاول توريط الإخوان معه
لم يسلم الإخوان المسلمين من شرور الإرهابي صالح سرية، حيث تضمنت اعترافاته التفصيلية أمام النيابة العامة جانباً من حديثه المثير عن جماعة الإخوان المسلمين.
قال إنه بعد أن تم اكتشاف مؤامراته ضد حزب البعث العراقي هرب إلي ليبيا، حيث التقي ببعض القيادات هناك، وسرعان ما عاد إلي مصر ليلتحق موظفاً بجامعة الدول العربية، وبعد أن استقر له المقام، وراودته أفكاره الشيطانية في الاطاحة بنظام حكم الرئيس السادات، لأنه كافر، وبدأ في تشكيل تنظيمه، سعي للالتقاء ببعض قيادات الإخوان المسلمين، كان في مقدمتهم زينب الغزالي التي تتوثقت علاقته الروحية بها، ثم التقي - من خلالها - بكل من الشيخ محمد الغزالي والشيخ سيد سابق والشيخ عبدالرحمن البنا، وأخيراً بالأستاذ حسن الهضيبي المرشد العام للجماعة - في ذلك الوقت - وذكر أنه ناقش معهم فكرة تكفير الرئيس السادات ووجوب الاطاحة بنظام حكمه، واقامة حكم إسلامي بدلاً منه، وقال إن قيادات الإخوان قد أيدوا دعوته وباركوا خطوته نحو تحقيق هذا الهدف.
استدعت النيابة العامة علي الفور كلاً من السيدة زينب الغزالي والشيخ محمد الغزالي وسيد سابق وعبدالرحمن البنا، فمثلوا للتحقيق أمامها حيث أجرت مواجهة لكل منهم علي انفراد بأقوال صالح سرية، فكذبوه جميعاً فيما قاله عنهم واتهموه بالزيف والضلال وبأنه قد أراد الوقيعة بين الإخوان المسلمين والرئيس السادات لمآرب خبيثة في نفسه، وقال بعضهم إن الموقف التاريخي الذي اتخذه الرئيس السادات بالنسبة للإخوان، بقراره بالافراج عنهم واخراجهم من المعتقلات، يفرض عليهم أن يحفظوا لرئيس مصر هذا الجميل ولا يتنكروا له.
وأذكر، أن زينب الغزالي - عندما التقت بصالح سرية وجهاً لوجه أثناء التحقيق - وجهت إليه بعض عبارات وصفته فيها بالحقارة والكذب.
وفي نهاية التحقيق مع هؤلاء، أصدرت النيابة العامة قرارها بالافراج فوراً عن قيادات الإخوان من مقر التحقيق، وطوت النيابة الصفحة التي أراد صالح سرية فتحها لهم كذباً وزوراً.

خطة الانقلاب الفاشل التي وضعها صالح سرية للاستيلاء علي السلطة في مصر اعتمدت علي تطويق اجتماع الرئيس بكبار المسئولين واغتياله ثم تنصيب نفسه «أميرا للبلاد»
يقول صالح إن قيادات التنظيم كانت تتعجله في وضع خطة استراتيجية للاستيلاء علي زمام الحكم في مصر، فأعد هذه الخطة علي أساس ما أسماه «بالمغامرة المحسوبة» التي تأخذ في اعتبارها بعنصر المفاجأة أو المباغتة، وذكر أنه ناقش خطته مع قادة التنظيم علي مدار عدة اجتماعات حدثهم خلالها عن أن عوامل نجاحها ترجح بكثير عوامل فشلها، وأنه من غير المهم في احداث الثورات بالكثرة العددية وإنما بدقة الانضباط العسكري وسرعة الانقضاض المفاجئ علي المواقع المرشحة للاشتباك، ثم المبادرة بتنفيذ المهام والتكليفات التنظيمية والقبض علي أعنة السلطة بعد اغتيال الرئيس والقبض علي كبار المسئولين في الدولة.
وراح صالح سرية يبعث في نفوس أعضاء التنظيم الاصرار والعزيمة علي تنفيذ خطته، مستنفراً إياهم بالحديث عن الثورات السياسية التي نجحت رغم قلة امكانياتها وضآلة عدد القائمين بها، وضرب بذلك مثلاً بثورة «العقيد معمر القذافي» وكيف أنها قامت بأحد عشر شخصاً وسبعة وعشرين طلقة رصاص، كما تحدث معهم عن استيلاء الرئيس «موبوتو» علي الحكم في الكونغو، وعن ثورة 23 يوليو 1952 في مصر.
كما اعتمد صالح سرية في خطته الاستراتيجية علي اختيار مقر الكلية الفنية العسكرية، موقعاً عسكرياً أساسياً لانطلاقته السريعة نحو تنفيذ خطة الاطاحة بنظام حكم الرئيس السادات، لما تحفل به هذه الكلية من العتاد العسكري من آليات ومركبات ودبابات وأسلحة وذخائر، وبما تضمه من دارسين لفنون الهندسة والتكنولوجيا المتطورة في العلوم العسكرية النظرية والتطبيقية، وتحقيقاً لهذا الهدف الاستراتيجي تمكن من تجنيد «كارم عزت حسن عبدالمجيد الأناضولي» الطالب النموذجي بالسنة الخامسة بالكلية، وضمه إلي تنظيمه وتنصيبه أميرا علي خلية التنظيم من طلبة الكلية التي شكلها من 16 طالباً.
يقول كارم الأناضولي في اعترافاته أمام النيابة العامة، أنه أثناء دراسته بالكلية الفنية العسكرية، ارتبط مع بعض زملائه المدنيين وألف منهم جماعة دينية، كان منها عضو التنظيم محمود خلاف الذي قدمه لصالح سرية حيث تعددت بينهما اللقاءات التي أقنعه من خلالها بوجوب العمل بالقوة لاقامة ما وصفه بالنظام الإسلامي في البلاد بعد ما عرف منه أنه شكل تنظيماً من آخرين يسعي لتحقيق هذا الهدف، وبالفعل فقد تمكن من اقناع 16 من زملائه طلبة الكلية بالانضمام إلي التنظيم وكون منهم خلية سرية تولي هو قيادتها واتخذت من مسجد الكلية مكاناً لعقد اللقاءات التي كان يدعو إليها لمناقشة خطة الانقلاب وتوزيع المهام والتكليفات التنظيمية علي أفرادها، والتي تعتمد أساساً عليهم في تنفيذها، وقال إن اتصالاته استمرت مع زعيم التنظيم، الذي تعددت لقاءاته بأمراء التنظيم الأربعة - كارم الأناضولي أمير مجموعة الكلية الفنية العسكرية وطلال الأنصاري وكامل عبدالقادر أميري مجموعة الإسكندرية وحسن هلاوي أمير مجموعة القاهرة، حيث خططوا جميعاً وبكليف من صالح سرية لعملية خطف أحد المسئولين في الدولة كتأمين للتنظيم، كما قام وبتكليف من صالح سرية باعداد رسم تخطيطي للكلية الفنية العسكرية وسلمه له وعرف منه أنه يخطط لاستيلاء التنظيم علي مباني الكلية لاستغلال أسلحتها ومعداتها في محاولة الاستيلاء علي الحكم في البلاد، وحدد له دور مجموعة الكلية عند البدء في تنفيذ خطة اقتحام الكلية، وقد ناقش صالح سرية تفصيلات هذه الخطة مع أمراء التنظيم الأربعة.
وتتمثل في قيام مجموعة من أعضائه، وعند إعلان ساعة الصفر، باقتحام الباب الخلفي للكلية من ناحية شارع «إسماعيل الفنجري» باستخدام القوة من الخارج، في الوقت الذي تنضم إليها فيه مجموعة التنظيم من الداخل للمعاونة، بعد الافصاح عن «كلمة السر» وبعد تخدير حراس الباب الرئيسي وإطفاء أنوار الكلية وقطع اتصالها بالخارج واحتجاز طلابها وحراسها وضباطها في أماكن تواجدهم وإغلاق هذه الأماكن عليهم - بالأقفال كبيرة الحجم التي أحضروها معهم - واعتبارهم أسري واتخاذهم - في حالة فشل مؤامرتهم - رهائن يساومون بهم الدولة لتمكينهم من الخروج من مصر بطائرة خاصة تكون في انتظارهم داخل الكلية، والاستيلاء علي دبابات الكلية ومخازن الأسلحة والذخائر الموجودة بداخلها لاستخدامها في الاستيلاء علي السلطة في البلاد بالقوة.
كما ناقش زعيم التنظيم مع أمرائه الأربعة الجزء الثاني من خطته الاستراتيجية العامة للاطاحة بنظام حكم الرئيس السادات، ويبدأ تنفيذ هذا الجزء بمجرد نجاح التنظيم في إتمام سيطرته الفعلية علي الكلية الفنية العسكرية، حيث يتوجه أعضاء التنظيم صباحاً، وهم يرتدون الملابس العسكرية لضباط الجيش التي أعدوها، ويستقلون دبابات ومركبات الكلية إلي مبني اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي بكورنيش النيل، حاملين الرشاشات والبنادق وسط جماهير الشعب، معلنين أن القائم بالثورة هو «الجيش» كوسيلة للخداع والتمويه، حيث أنه كان مقرراً أن رئيس الجمهورية سوف يلتقي صباح يوم الخميس الموافق 18 أبريل 1974 بأعضاء هذه اللجنة وأعضاء مجلس الشعب، وبمجرد وصول ركب الثورة المزيف إلي مبني اللجنة المركزية تبادر عناصر التنظيم المسلحة بتطويق الاجتماع واغتيال الرئيس واحتجاز المجتمعين بأماكنهم بقوة السلاح، ثم يتقدم زعيم التنظيم ويلقي بياناً علي الشعب المصري من خلال اجهزة الإعلام الموجودة بمقر الاجتماع، يعلن فيه نبأ اندلاع الثورة الإسلامية بمصر وإقامة ما يسمي بالدولة الإسلامية، وتنصيب نفسه «أميرا علي البلاد».

وكان صالح سرية قد بحث مع أمراء التنظيم الأربعة أسماء المرشحين الذين سيعلن عنهم التنظيم بعد نجاح الانقلاب لتولي المناصب الوزارية في الحكومة الإسلامية الجديدة، وأخطر زعيم التنظيم هؤلاء الأمراء بأنه سوف يتولي «إمارة البلاد» وإلي جانبها وزارتي الحربية والداخلية، كما اتفقوا علي تشكيل «ميليشيات عسكرية» تكون مهمتها حماية الثورة والتصدي لأي محاولة تستهدف النيل منها، كذلك استعرض صالح معهم وقائع البيان الذي أعده بنفسه لاذاعته علي الشعب عبر أجهزة الإعلام عقب نجاح الانقلاب والاستيلاء علي السلطة.

ساعة الصفر
حدد زعيم التنظيم مع أمرائه الأربعة الساعة الواحدة من صباح يوم الخميس الموافق 18/4/1974 بساعة الصفر التي ستكون إشارة البدء في اقتحام مبني الكلية الفنية العسكرية، وتم إخطار جميع أعضاء التنظيم بهذا الموعد، وبمراعاة الالتزام بتجمعهم بحديقة ميدان العباسية قبل ذلك بثلاث ساعات علي الأقل لتلقي التعليمات الأخيرة، وتدافق الأعضاء علي هذا المكان وهم يحملون حقائبهم المحتوية علي الملابس والرتب العسكرية التي سيرتدونها أثناء تنفيذ خطة الانقلاب، وكذلك أسلحتهم البيضاء التي سيستخدمونها عند الاشتباك والالتحام بحراس الكلية والمكونة من السيوف والخناجر والمطاوي المسممة والملاكم الحديدية.

وكانت المفاجأة..!!
عضو بالتنظيم.. تيقظ ضميره.. فغافل صالح سرية وانطلق إلي منزل رئيس الجمهورية بالجيزة للإبلاغ
.. لكن الحرس الجمهوري.. اعتبره مجنوناً..
والرئيس يأمر بإجراء التحقيق في الأمر.
وإبان تجمع أعضاء التنظيم بميدان العباسية، غادر عضو التنظيم «أحمد الرحال» المكان في غفلة تامة من صالح سرية، قبل الساعة العاشرة مساءً، وتوجه مسرعاً إلي منزل الرئيس السادات بالجيزة حيث أبلغ بعض ضباط الحرس الجمهوري بأن كارثة سوف تحل بمصر بعد ساعتين إن لم يبادروا فوراً بإنقاذ الموقف والقبض علي أعضاء التنظيم المتجمعين بميدان العباسية، إلا أن ضباط الحراسة استهانوا به ولم يكترثوا باستغاثته بل واعتبروه مجنوناً يهذي بكلام غير مسئول، فاحتجزوه عندهم ثم أرسلوه بصحبة مرافق إلي مقر إدارة مباحث أمن الدولة ب«ميدان لاظوغلي» لكي تتخذ شئونها معه.. كانت الساعة عندما وصل هذا المقر قد قاربت السادسة صباحاً.. لكن بعد فوات الأوان.. فقد كانت الكارثة قد وقعت قبل ذلك بأربع ساعات.. وراح ضحيتها 17 قتيلاً و65 جريحاً بريئاً من جنود الكلية الفنية العسكرية القائمين علي حراسة أبوابها.
وقد أمر الرئيس السادات باحالة ضباط الحرس الجمهوري إلي النيابة العامة للتحقيق معهم في تلك الواقعة الخطيرة، وبعد اجراء هذا التحقيق، تم تقديم بعضهم إلي محاكمة عسكرية عاجلة حيث نالوا عقابهم جزاء علي إهمالهم الشديد في أداء واجباتهم العسكرية في تأمين سلامة مصر وقائدها.

وللحديث بقية في العدد القادم


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.