علي طريقة "سيد قراره" فاجأنا المجلس العسكري بالمادة 28 من قانون انتخابات الرئاسة التي تجعل من قرارات اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية تنزيلات سماوية غير قابلة للطعن أو النقض، أثارت نصوص هذه المادة بمجرد صدورها غضب كثير من الساسة والبرلمانيين ومرشحي الرئاسة للتشابه الكبير مع المادة 76 التي عدلها مبارك في دستور 71 من أجل عملية التوريث، إلا أن المجلس العسكري أخرس الألسنة في صفقة مشبوهة مع جماعة الإخوان والمجلس الاستشاري الذي تمت ترضية «رئيسه منصور حسن» باختياره الرئيس التوافقي. «صوت الأمة» استطلعت آراء نخبة من رجال القانون وبعض مرشحي الرئاسة الذين أعلنوا سخطهم وغضبهم علي هذه المادة. قال المستشار محمد حامد الجمل رئيس مجلس الدولة الأسبق: من المبادئ الأساسية في الدول الديمقراطية أن الشعب هو مصدر السلطات وسيادة القانون أساس من اسس الحكم المدني السليم ، بالاضافة إلي أن السلطة القضائية في هذه النظم تمر عليها كل القرارات الادارية ، هذا ما نصت عليه الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية التي تعد مصر إحدي الدول الموقعة عليها ، وكان قد ورد في دستور 71 النص علي عدم تحصين أي قرار أو اجراء إداري ومع بداية التفكير في عملية توريث الحكم وضع الرئيس المخلوع المادة 76 وتنص علي عدم الطعن علي قرارات اللجنة العليا لانتخابات الرئاسة وهذا ما أعاده علينا المجلس العسكري في المادة 28 التي تخالف كل المبادئ الدستورية وتصادر مبدأ السيادة للشعب ومبدأ سيادة القانون وتهدر سلطة القضاء واستقلاله ، فاللجنة التي تشرف علي الانتخابات الادارية وظيفتها الاشراف علي الانتخابات الرئاسية من الألف إلي الياء ولكن كل قراراتها في النهاية قرارات ادارية قابلة للطعن فهي لا تقوم بعمل قضائي حتي ولو كان رجالها من قامات العمل القضائي ، هذه المادة وضعتنا في مأزق دستوري حيث أصبح من الصعب الغائها وهذا ما قد يدفعنا إلي اللجوء للرقابة الخارجية علي انتخابات الرئاسة حتي نضمن نزاهتها. قال المستشار زكريا عبدالعزيز رئيس نادي القضاة الأسبق: اقل ما توصف به هذه المادة أنها مادة «إلهية» ، فلا يحتوي أي دستور في العالم سواء المتقدم أو المتأخر علي مثل هذه المادة ، وفرض مثل هذه المادة «الإلهية» علينا سببه تجاهل وضع الدستورقبل اجراء الانتخابات والتحايل علي الشعب في الاستفتاء الدستوري. وأضاف زكريا: هذه المادة تخالف المادة 21 من ذات الاعلان التي تؤكد عدم حصانة أي قرار إداري من الطعن عليه أمام القضاء بالاضافة إلي انه ليس من المعقول أن يتم سلب المرشحين حقهم الطبيعي والقانوني في مقاضاة اعضاء اللجنة والطعن علي قراراتهم ولكن في النهاية أصبحنا الآن أمام مادة إلهية مرت علينا مرور الكرام ولا يجوز الغاؤها الا باستفتاء شعبي لأنها جاءت باستفتاء شعبي ولذلك أقترح وضع بعض المواد الإضافية علي قانون الانتخابات تخص التظلمات المقدمة من قبل بعض المرشحين حتي يتسني لنا تفادي هذ العوار الدستوري.. أما الفقيه الدستوري محمد فؤاد جاد الله فقال: السبب في كل المأزق الدستورية التي تقابلنا خلال هذه الفترة من ضمنها مأزق المادة 28 الذي يعود إلي تعنت المجلس العسكري في وضع دستور للبلاد ينظم كيفية التحول الديمقراطي من خلال الانتخابات الشعبية والرئاسية ، فهل من المعقول ألا يتم الطعن علي قرارات لجنة هي في الأساس حولها كثير من الشبهات والتساؤلات لما لها من سوابق في قضية مشابهة؟. فهذه المادة أسوأ من النص الموجود في المادة 76 التي كانت تنص علي "أن تكون قراراتها نهائية ونافذة لذاتها وغير قابلة للطعن عليها بأي طريقة وأمام أي جهة كما لا يجوز التعرض لقراراتها بالتأويل أو بوقف التنفيذ " أما المادة 28 فشملت هذا النص بالاضافة إلي تعديل الفقرة الأخيرة التي جاء بها "لا يجوز التعرض لقراراتها بوقف التنفيذ أو إلغائه"، وهذا يعد فارقاً جوهرياً يجعل من المادة 28 أكثر حصانة من المادة 76.. وأضاف جاد الله: تجارب الانتخابات بعد الثورة أثبتت أن العملية الانتخابية مازال ينتابها كثير من القصور نظراً لقلة تجاربنا في الانتخابات النزيهة ، وهذا ما أثبته عدد الطعون علي نتائج بعض الدوائر بانتخابات الشعب والشوري والتي تم الغاء أكثر من دائرة في هذه الانتخابات بسبب هذه الطعون.. أما د. باسم خفاجي المرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية فأبدي رفضه التام للمادة 28 الخاصة بانتخابات رئاسة الجمهورية مؤكداً أنها تخالف المبادئ الدستورية المتعارف عليها في الدول المتقدمة.. وحذر من امكانية الطعن علي دستوريتها وبالتالي تهدد سير العملية الانتخابية كلها ، مما يعوق عملية التحول الديمقراطي وهذا هو الهدف المنشود من بعض القوي الموجودة علي الساحة منذ لحظة اندلاع ثورة 25 يناير بالاضافة إلي أن هذه العملية ستعمل علي اطالة الفترة الانتقالية التي من المحدد أن تنتهي في يونيو القادم. وأضاف خفاجي إن هذه المادة ترسخ لفكرة الرأي الواحد التي قامت ضدها ثورة 25يناير فليس من المعقول السكوت بعد الثورة علي مثل هذه المادة التي تمثل فرضاً صارخاً علي الإرادة الشعبية. بينما قال النائب ابوالعز الحريري وثاني المرشحين الرئاسيين الرسميين إن المادة 28 جزء من مؤامرة التحايل علي ارادة الشعب ، فالإسراع إلي اصدار قانون انتخابات الرئاسة قبل انعقاد مجلس الشعب بثلاثة أيام يكشف عن المؤامرة التي تمت علي انتخاب رئيس الجمهورية في ظل تواجد مادة مشبوهة دستورياً مثل المادة 28 التي تحصن قرارات اللجنة العليا للانتخابات وتجعل انتخابات الرئاسة حقلاً للتزوير عن طريق القانون فعندما يتم اللعب في نتائج الانتخابات نستطيع الطعن إذن نحن أمام عملية تزوير بالقانون!! وربما يكون الحل للمشكلة أن يتم الفرز في اللجان الفرعية ولكن مؤشرات هذه العملية في انتخابات الشعب والشوري تنبئ برفض اللجنة العليا للانتخابات قد يتسبب في ثورة جديدة خاصة إذا جاء عبر هذه العملية المشوهة ما يسمونه بالرئيس التوافقي . بينما قال د. عبد المنعم أبوالفتوح المرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية إن المادة 28 أصبحت أمراً واقعاً مفروضاً علينا فوفقاً للأعراف القانونية ما أتي باستفتاء لا يلغي إلا بإحدي اثنتين إما استفتاء مماثل للذي أتي بها أو باقتراع من رئيس الجمهورية علي مجلس الشعب وفي ظل الظروف التي نمر بها والتي يتولي المجلس العسكري فيها مهام رئيس الجمهورية وهو من وضع هذه المادة بالاضافة إلي البرلمان الذي رفض أغلبيته تعديلها تصبح عملية التعديل صعبة بل مستحيلة . ولهذا فليس لنا مخرج سوي نزول جميع طوائف الشعب ممن لهم حق التصويت إلي اللجان الانتخابية لنضمن نزاهة العملية الانتخابية بالاضافة إلي فرز الصناديق داخل اللجان الفرعية وليست اللجان المركزية مع وجود وكلاء عن كل مرشح ومراقبين حقوقيان وهذا سيغنينا عن عملية اللجوء إلي الرقابة الخارجية لأنها أيضا لن تجدي اذا اراد القائمون علي السلطة تزوير ارادة الشعب وفرض المرشح التوافقي علينا. نشر بتاريخ 19 /3/2012