هذه المرة فعلها نجم بجد ورحل، حرمنا رفاهة تكذيب الإشاعة التي أكسبها التكرار طرافة، ولا معقولية، تممت أسطورته الخارجة من دفاتر صعاليك شعراء العرب، وشخوص كتاب أمريكا اللاتينية، المتجاوزين لفواصل الغرائبي والواقع. نجم المطرود أبدا من بلاطات السلاطين لزخم وفوضوية الشارع، ظل طوال حياته، غير المعروف مداها على وجه التحديد، متنا اتسع حضوره بتهميش الرسميين له، واكتسب من الأوصاف والألقاب ما يشبهه فعلا، كالفاجومى، والشاعر البندقية بوصف د. على الراعى، وأخيرا سفير الفقراء بعدما اختارته عام 2007، المجموعة العربية فى صندوق مكافحة الفقر التابع للأمم المتحدة لذلك، وكان موضوعيا عندما يفكر حاكم أو رئيس جمهورية كالسادات فى توصيف نجم أن يكون ذلك بالشاعر البذىء. ربما كانت الصعلكة اختيارا نسبيا، لكن لم يكن الفقر كذلك بالنسبة للشاعر، فعندما توفت أمه هانم نجم وهو فى السادسة، وطوحته الظروف إلى ملجأ أيتام التقى خلاله بعبد الحليم حافظ، وخرج منه برصيد 17 عاما، امتهن نجم عشرات الأعمال بدءا من راعٍ للبهائم، مرورا ب«كواء»، لاعب كرة، ترزى، بائع، عامل إنشاءات، وأغلبها امتهنها داخل معسكرات الجيش الإنجليزى، ضمن آلاف من العمال المصريين، وضمنهم خرج نجم بعد إلغاء الانجليز لمعاهدة 1936 واشترك فى المظاهرات التى اجتاحت مصر عام 1946 وتشكلت أثناءها اللجنة الوطنية العليا للطلبة والعمال، تاركا بضاعته، وقابضا على رصيد من التعليم الذاتى، وقراءات أدبية كان أبرزها رواية الأم لمكسيم جوركى التى تقاطعت مرارتها مع حصته الشخصية من الألم. وطوال هذه المدة لم يكن الشعر لديه سوى بعض الأغانى العاطفية المستهلكة، إذ ظهرت موهبته الحقيقية بعدها بسنوات من داخل السجن، وفاز ديوانه «صور من الحياة والسجن» فى مسابقة مجلس الآداب والفنون، وبمقدمة كتبتها د. سهير القلماوى، قبل أن يصبح أحد شعراء الإذاعة المصرية، لكن مركز الدائرة كان هناك فى حوش آدم برفقة الموسيقى الأهم الشيخ إمام عيسى. تم ذلك عام 1962 م، وعبر صديقٍ مشترك، كان جارا للشيخ إمام، قال لى انه ملحن فقير وضرير وفنان عظيم تربطه وشائج روحية وفنية عميقة بالشيخ سيد درويش ولذلك يقول عنه الكثيرون انه دقة قديمة، وعندما التقاه نجم وامتلأ وجدانه برنات صوته، كان قد عثر على النسخة الأصلية لعبد الوهاب الذى أصبح منذ تلك اللحظة تقليدا، وأن الشيخ عابر للموسيقى بل هو مصر بكل جمالها الكامن فى مصر مظاهرات 46 ، مصر العمال المقاومين والفلاحين المعدمين، النكتة، والدين، أذان الفجر يتردد من فوق مآذن الأزهر الشريف، القرآن الذى حفظته، و التعاطف الانسانى الذى لا مثيل لعمقه. وأصبح هذا الثنائى الذى سحر المثقفين والشوارعية سواء، قبلة لمحبى الفن والسياسة والثوار على الفقر والديكتاتورية خاصة بعد أغانٍ: ك«أنا أتوب عن حبك أنا؟»، ثم عشق الصبايا، وساعة العصارى، وغيرها، ولم يكن فى بال أحدٍ أن ينفصل هذا الثنائى المزيج: لكن هذا ما حدث، واتهم الشيخ إمام قرينه أحمد فؤاد بأنه كان يحب الزعامة وفرض الرأى وأنه حصد الشهرة بفضله ولولاه ما كان نجم!. لكن ما قال نجم إنه حصده من علاقته بالشيخ إمام كان أعمق بكثير..، فمن ناحية الشعر انتابت تجربته التى تبلورت منذ خروجه من السجن، تغييرا ظهرت فيه زيادة مساحة الغنائية بعد لقاء مولانا، وتبلورت أكثر النكتة والكاريكاتور اللذان أصبحا عنصرا أساسيا فى القصائد التى كتبها بعد ذلك. وزاد مع ألحان إمام احساس الشاعر بالمسئولية، وبحسبه باتت مواقفه أكثر تشددا ورفضا للتنازل إذ أحاط بنا عدد كبير من المثقفين والشرفاء الذين لم يسقطوا فى الشباك المنصوبة من التبرير والتزوير فكانا معا مدركين الدور الذى يمكن أن يلعبه، كل فن يصنع لنفسه مهمة أساسية هى التغيير لهذا العالم.