الخارجية القطرية تبلغ الملحقين العسكري والأمني الإيرانيين بأنهما شخصان غير مرغوب فيهما    أول تعليق من موتسيبي بعد قرار كاف بسحب لقب أمم أفريقيا 2025 من السنغال    الحلقة 29 «رأس الأفعى».. سقوط خلية "بولاق الدكرور"يربك حسابات الجماعة الإرهابية    نائب رئيس إيجاس: جارى الإسراع بتنفيذ برنامج مسح سيزمى متقدم بالمتوسط    محافظ الدقهلية يتابع حملات إزالة التعديات ومخالفات البناء في مراكز المحافظة    صور وفيديو | فرحة ولمة حلوة.. قنا تشارك في إفطار مصر على سفرة واحدة    الوفود الكنسية بالأقصر تتوافد على الديوان العام لتهنئة المحافظ بحلول عيد الفطر.. صور    مسئول بخارجية البحرين ل«اليوم السابع»: مصر السند ونثمن موقف الرئيس السيسى    نائب وزير الخارجية يلتقي السفراء الأفارقة المعتمدين بمصر    البابا ثيودورس ينعى بطريرك جورجيا البطريرك إلياس    فليك: لامين ورافينيا يقررون فيما بينهم من يسدد ركلات الجزاء    شوط أول سلبي بين زد وطلائع الجيش بنصف نهائي كأس مصر    دفاع البحرين: اعتراض وتدمير 132 صاروخا و 234 طائرة مسيرة منذ بدء الاعتداءات الإيرانية    مياه كفر الشيخ: رفع درجة الاستعداد القصوى لاستقبال عيد الفطر    المترو: توزيع 150 ألف وجبة خفيفة لإفطار صائم في المحطات    الاستماع لأقوال شهود عيان لكشف ملابسات مصرع طفل فى العياط    الفريق أشرف زاهر: تطوير القوات الجوية لتنفيذ كافة المهام    الثقافة تواصل تدريبات "كورال وأوركسترا مصر الوطني" للأسبوع الثاني بقصر الأنفوشي    خاص| أحمد العوضي: لما تبقى "الأعلى مشاهدة" ابقى تعالى كلمني    "إفراج" الحلقة 29.. عمرو سعد ينقذ آسر وتارا عماد من القتل    تصريحات نارية بعد الجدل.. مؤلف «الكينج» يدافع عن محمد إمام: الأزمة في فهم الجمهور    برشلونة يكتسح نيوكاسل بسباعية ويتأهل لربع نهائي دوري أبطال أوروبا    طوارئ في مستشفيات دمياط استعدادًا لعيد الفطر    محافظ مطروح: إعداد حصر دقيق باحتياجات القرى.. وسرعة الاستجابة لمطالب المواطنين بالضبعة    انطلاق فعاليات مسابقة الأصوات المتميزة في تلاوة القرآن الكريم بجنوب سيناء    مسلسل "على كلاي" يسلط الضوء على المراكز العلاجية لصندوق مكافحة الإدمان    إصابة 4 أشخاص إثر تصادم دراجة نارية وسيارة بطريق قطور في الغربية    على جمعة ل فتاة: حب الناس والشفقة سر التعبير عن الرأى دون تجريح أو تنمر    "مدبولي": ندرس العمل عن بعد يومين في الأسبوع    ألقى كلمة الافتتاح.. الزمالك يطلق اسم الراحل فهمي عمر على استوديو الراديو    مجموعة إي اف چي القابضة تحقق نتائج قوية لعام 2025، حيث بلغ صافي الربح 4.1 مليار جنيه مع ارتفاع الإيرادات التشغيلية إلى 26.0 مليار جنيه    تحذير إعلامى مصرى: المساس بعلاقتنا مع أشقائنا خط أحمر    شرق أوسط بالقوة... وقراءة مصرية مبكرة للمشهد    مجلس الدولة: أندية القضاة غير خاضعة لإشراف وزارة التضامن الاجتماعي    محافظ أسوان: توزيع بعض أعمال السمبوزيوم ضمن منظومة التطوير والتجميل    بث مباشر للمؤتمر الصحفى للدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء    إسرائيل تعلن استهداف أكبر منشأة غاز فى إيران بمدينة بوشهر جنوب البلاد    نصائح "الصحة" للوقاية من تداعيات التقلبات الجوية    محافظ الدقهلية 1331 شخصا استفادوا من القافلة الطبية المجانية بقرية ميت يعيش    عبد الرحيم علي: مصر فعلت غرفة عمليات لصد العرب عن الجر إلى حرب مع إيران    مراكز شباب القليوبية تستعد ب126 ساحة لاستقبال المصلين لأداء صلاة عيد الفطر    إهانة راكب رفض دفع أجرة زيادة.. الداخلية تكشف تفاصيل الواقعة| فيديو    ريهام عبد الغفور تتألق على ريد كاربت فيلم "برشامة".. واحتفال النجوم بفرحة العرض الخاص    نجوم مصر يوقعون عقود رعاية استعدادًا لأولمبياد لوس أنجلوس 2028    خلال 24 ساعة.. تحرير 1225 مخالفة لعدم ارتداء الخوذة    وزير الداخلية يتابع خطط تأمين احتفالات الأعياد ويوجه برفع درجات الاستعداد القصوى على مستوى الجمهورية    ضبط شخصين بتهمة غسل 250 مليون جنيه من تجارة المخدرات    المعهد القومي للأورام: 55 ألف متردد و3 آلاف حالة جديدة خلال يناير وفبراير 2026    وزير التعليم العالي ومجدي يعقوب يناقشان تعزيز التعاون المشترك لدعم الرعاية الصحية    الزائدة الدودية تبعد جناح أهلي جدة عن مواجهة الهلال    دليل شامل لاستخراج بطاقة تموين جديدة في مصر 2026.. الخطوات والأوراق المطلوبة بالتفصيل    هيئة المساحة تعلن مواقيت صلاة عيد الفطر المبارك 2026 بالمحافظات    شؤون الحرمين: خدمات دينية وتوعوية متكاملة لتهيئة الأجواء لقاصدي بيت الله الحرام    العراق يبدأ ضخ شحنات من النفط الخام إلى الأسواق العالمية عبر ميناء جيهان التركي    محافظ الوادي الجديد تكرم حفظة القرآن الكريم في احتفالية ليلة القدر ب20 رحلة عمرة    ملتقى الأزهر يناقش دور زكاة الفطر في تحقيق التكافل الاجتماعي    محافظ الغربية يكرّم 79 حافظًا للقرآن في ختام مسابقة أهل القرآن    تكريم صُنّاع «صحاب الأرض» في الهلال الأحمر.. دراما توثق دعم مصر لغزة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



موازنة منزوعة الدسم الثورى
نشر في الشروق الجديد يوم 03 - 07 - 2011

إن السؤال الذى يتبادر إلى الذهن عند قراءة المشروع المعدل لأول موازنة عامة للدولة تصدر بعد قيام ثورة يناير هو: هل استجابت هذه الموازنة للأهداف ذات الطبيعة الاقتصادية والاجتماعية التى صاغها الثوار فى كلمات موجزة: عيش عدالة اجتماعية كرامة إنسانية؟
وبتحليل أرقام الموازنة بحثا عن إجابة عن هذا السؤال سرعان ما يتبين أن هذه الموازنة لم تتأثر برياح التغيير التى أطلقتها الثورة، وأنها إلى حد كبير موازنة «محلك سر»، بمعنى أن هيكلها العام هو إلى حد بعيد تكرار لهيكل آخر موازنة أنتجها نظام الرئيس المخلوع. زد على ذلك أنها تكاد تكون موازنة انكماشية، بينما كان إنعاش الاقتصاد بعدما عاناه من تراجع (وإن كان من المؤكد أنه لم يصل إلى حد الانهيار كما يروج البعض) يستوجب العمل وفق موازنة توسعية. وهذه الأوصاف لا تعنى خلو الموازنة الجديدة من بعض الإيجابيات التى نذكر منها رفع الحد الأدنى للأجور إلى 700 جنيه، ورفع حد الإعفاء الضريبى من 9 إلى 12 ألف جنيه، وإضافة شريحة جديدة للضريبة التصاعدية بسعر 25% للدخل الذى يزيد على 10 ملايين جنيه، وزيادة المخصص للإسكان الاجتماعى. ولكن الوزن النسبى لهذه الإجراءات ضئيل جدا، وذلك إذا أخذنا فى الاعتبار ضعف استجابة الموازنة فى مجملها للاحتياجات الاجتماعية من جهة أولى، وإذا أضيفت إلى الصورة التطورات السلبية فى عدد من بنود الموازنة من جهة ثانية، وإذا وضعنا فى الاعتبار ما كان يمكن إنجازه بإتباع أخرى كتلك التى سنذكرها فيما بعد لزيادة الإيرادات وخفض النفقات غير الضرورية أو التى يمكن تأجيلها من جهة ثالثة.
ويمكن التعرف على خصائص الموازنة الجديدة من خلال بعض الأمثلة. إن الأنصبة النسبية لعدد من القطاعات ذات الأهمية من منظور العناية بالبشر تكاد تكون ثابتة، بل إن بعضها قد تراجع. فنصيب قطاع الصحة من الإنفاق العام ينخفض قليلا من 4.9% فى 2010/2011 إلى 4.8% فى موازنة 2011/2012. وكذلك الحال مع قطاع التعليم الذى انخفض نصيبه من 11.4% إلى 10.6%. ونصيب قطاع حماية البيئة يبقى ثابتا عند نسبة هزيلة لا تزيد على 0.3% من الإنفاق العام. وبالرغم من أن الأرقام المطلقة للإنفاق على هذه القطاعات سوف تزداد بالأسعار الجارية بنسبة 17% للصحة و10% للتعليم، و6% لحماية البيئة، فإن أخذ معدل التضخم المتوقع رسميا فى الحسبان وهو 13% 14% (بمتوسط 13.5%) يعنى أن الإنفاق الحقيقى لن يزيد بأكثر من 3.5% بالنسبة للصحة، وأنه ينخفض بنسبة 3.5% بالنسبة للتعليم، وينخفض أيضا بنسبة 7.5% فى قطاع حماية البيئة.
وفيما يخص إجمالى الأجور، فإنه بالرغم من أنه سيزيد على العام الماضى بنسبة 22.6% بالأسعار الجارية، إلا أن الزيادة الحقيقية فى حدود 9%. كما أن نصيب الأجور فى الإنفاق العام لن يزيد بأكثر من 1.6 نقطة مئوية (من 22.4% إلى 24%). أما فيما يتعلق بالاستثمارات الحكومية التى يمكن أن يكون لها صلة بتحسين الخدمات وزيادة فرص العمل، يلاحظ زيادة نصيبها فى الإنفاق العام زيادة ضئيلة للغاية من 9.4% إلى 9.6%. وبالرغم من أن المبلغ المخصص لها فى الموازنة يزيد بنسبة 16.3% بالأسعار الجارية، فإن استبعاد التضخم المتوقع يجعل نسبة الزيادة الحقيقية 2.8% فقط.
وبالنظر فى رقم الإنفاق الكلى نجد أنه سيرتفع من 427 إلى 490 مليار جنيه، أى أنه سيشهد زيادة بنسبة 14.7%. ولكن هذه هى الزيادة بالأسعار الجارية. وعندما يستبعد أثر التضخم وفق التوقعات الرسمية، يتبين أن الزيادة الحقيقية فى الإنفاق العام هى 1.2% فقط لا غير! وهذا ما دعانى لوصف الموازنة الجديدة بأنها موازنة انكماشية لا يتوقع معها تحسن يذكر فى مستوى معيشة المواطنين أو انخفاض يذكر فى مستويات الفقر والبطالة.
وبالطبع فإن هذا الطابع الانكماشى للموازنة يعود إلى عجز السياسات الحكومية عن زيادة الإيرادات العامة. فإجمالى الإيرادات وإن كان سيزداد بنسبة 18.7% بالأسعار الجارية، إلا أن الزيادة الحقيقية لا تتجاوز 5.2%. وبعض المكونات المهمة للإيرادات كالضرائب سوف تنخفض حصتها فى إجمالى الإيرادات. من 67.8% فى 2010/2011 إلى 66.4% فى موازنة 2011/2012، كما أن نسبة الزيادة الحقيقية فيها لا تزيد على 2.8%. وهذا التطور غريب بالنظر إلى أن خطة السنة الجديدة تستهدف رفع معدل نمو الناتج المحلى الإجمالى الحقيقى من 2.6% فى 2010/2011 إلى 3.2% فى 2011/2012. ولكنه يبين ضآلة التأثير المتوقع من الشريحة الجديدة للضريبة التصاعدية، حيث ستظل الدخول من 40 ألفا إلى 10 ملايين جنيه تخضع لسعر 20%. كما أنه يظهر أثر التراجع السريع عن فرض ضريبة الأرباح الرأسمالية تحت ضغوط رجال الأعمال الذين لا يريدون المشاركة فى تحمل جانب من الأعباء التى تقتضيها الاستجابة للمطالب الاقتصادية والاجتماعية للثورة.
وعلى ذلك، ستعانى الموازنة عجزا مقداره 134.3 مليار جنيه. وهنا تتضح مرة أخرى السمة الانكماشية للموازنة. إذ إن نسبة العجز إلى الناتج المحلى ستنخفض من 9.5% فى 2010/2011 إلى 8.6% فى الموازنة الجديدة. وعلى خلاف مشروع سابق للموازنة قدر فيه العجز بمبلغ 171 مليار جنيه، وكان من المقترح تمويله بنسبة 80% قروضا داخلية و20% قروضا ومنحا وهبات خارجية، فإن الموازنة التى رأى المجلس العسكرى تعديلها بالابتعاد عن القروض الخارجية لاسيما قروض البنك الدولى سيتم تمويل عجزها باللجوء للقروض الداخلية بنسبة 96.3%. وعلى ذلك سيزيد الدين الحكومى المحلى من 979 مليار جنيه إلى 1109 مليار جنيه، بنسبة زيادة 13.2%، وهو ما يمثل 70.6% من الناتج المحلى الإجمالى. وبإضافة الدين الخارجى الذى سيزيد بنحو 4.5 مليار جنيه (ولن يبقى ثابتا تماما كما قد يفهم من تصريحات بعض الرسميين)، فإن نسبة إجمالى الدين الحكومى تصل إلى 83% من الناتج المحلى الإجمالى.
ولكن هل يحق لنا أن نبتهج بقرار المجلس العسكرى عدم اللجوء للقروض الخارجية لسد جانب من عجز الموازنة؟ ليس بالضرورة. فإذا كان رفض الاقتراض الخارجى المقترن باشتراطات تمس السيادة الوطنية يدعو للسرور، إلا أن البديل الذى تم اللجوء إليه ينتقص من هذا السرور كثيرا. فقد تم تفادى الاعتماد الكبير على الاقتراض الخارجى بعدة وسائل تدعو إلى الابتئاس.
فقد تم خفض العجز فى الموازنة عن طريق خفض إجمالى الإنفاق العام بنحو 26 مليار جنيه عما كان مقررا فى مشروع سابق للموازنة وهو ما عزز الطابع الانكماشى للموازنة. وقد تركز الانخفاض فى الإنفاق العام فى عدد من البنود الرئيسية. منها بند الاستثمارات الحكومية (أصبحت 47.2 بدلا من 55.9 مليار جنيه)، وهو ما يؤثر بالسلب على فرص العمل وعلى نمو الإنتاج فى كثير من القطاعات. ومنها مخصص إعانة البطالة من خلال التدريب التحويلى الذى انخفض إلى النصف (من مليارى جنيه إلى مليار واحد) أى أنه جاء على حساب الحد من فرص التخفيف من وطأة البطالة وهموم المتعطلين. ومنها خفض دعم الطاقة بمبلغ 7.5 مليار جنيه وخفض مخصصات قطاع الدفاع والأمن القومى بنحو 2.6 مليار جنيه؛ وهذا توجه جيد، وكان من الممكن التوسع فيه. كما أصاب النقص بالقياس إلى المشروع السابق للموازنة مخصصات قطاعات حيوية مثل قطاع التعليم (نقص 2.6 مليار جنيه)، وقطاع الإسكان (نقص 4.2 مليار جنيه)، وقطاع الصحة (نقص نصف مليار جنيه). وهذه توجهات سيئة بالنظر إلى الأوضاع المتردية لهذه القطاعات.
ومقابل خفض الاقتراض الخارجى سيزداد الاعتماد على المنح والهبات وعلى الاستدانة من الداخل. ولا يخفى أن المنح والهبات الخارجية ليست بلا ثمن، حتى إن لم ترتبط بشروط اقتصادية مباشرة. ويميل البعض إلى الاعتقاد بأن المنح الخليجية ليست منقطعة الصلة بالمعاملة الخاصة التى يلقاها الرئيس المخلوع وبالتلكؤ فى محاكمته. كما أنه إذا كان من أسباب رفض الاقتراض الخارجى الرغبة فى عدم تحميل الأجيال القادمة بأعباء سداد فوائد وأصل الدين، فإن هذا السبب وارد أيضا بالنسبة للديون الداخلية التى تثقل كاهل الأجيال الحالية والأجيال القادمة وتنتقص من احتمالات استدامة التنمية.
والسؤال الذى يجب طرحه الآن، هو: هل كان من الممكن التوصل إلى موازنة أفضل، بمعنى أنها موازنة تساعد فى إنعاش الاقتصاد وفى تحسين أحوال الطبقات الشعبية وتلك الشرائح من الطبقة الوسطى التى طالت معاناتها فى العهد البائد؟ فى تقديرى أن ذلك ممكن، ولكن له شرط لا بد من توافره. وهذا كلام مجمل يحتاج إلى الكثير من التفكيك والتفصيل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.