خاطبت الكاتبة والروائية المصرية أهداف سويف المجتمعين فى مهرجان إدنبره العالمي للأدب الذي بدأ فعالياته اليوم الجمعة، عبر نص تحاول فيه أن ترصد ما بين الأدب والسياسة من خلال تجربتها كأديبة وروائية وكناشطة وعضو في أسرة تمثل السياسة بمعناها الديمقراطي والحقوقي القاسم الأكبر من اهتماماتها. بوابة الشروق تنشر النص الكامل لكلمة سويف، الذي تنشر صحيفة الجارديان البريطانية النسخة الانجليزية منه غداً السبت.
وقالت أهداف سويف "في المؤتمر الذي عقد في مهرجان ادنبرة عام 1962 تناقش الأدباء حول الطرح الآتي: "هناك من يعتقد بأن من واجب الروائي أن يستعمل الرواية لدعم القضايا التي يؤمن بها. وهناك، بالمقابل، من يؤمن بأن الأدب عليه أن يسمو فوق المشكلات والاهتمامات الآنية."
"ويفترض هذا الطرح أن الأمر بيد الكاتب، وأنه يستطيع أن يختار هذا التوجه أو ذاك. لست متأكدة من هذا. هل يمكن للأديب فعلا أن يشرع في كتابة رواية بغرض دعم قضية؟ إن فَعَل - ومهما كانت قضيته عادلة وخيرة - أتصور أن الناتج لن يكون رواية، وإنما نصا سياسيا/دعائيا، ذو قشرة روائية. ففي خبرتي: نحن لا ننتقي ما نحكي، وإنما الحكاية هي التي تنتقينا".
وأضافت سويف في كلمتها، "كتبت جورج إليوت: (لو رأينا بوضوح كل الحياة العادية التي يحياها الناس، ولو أحسسنا بها فعلا، لكان هذا مثل سماع الحشائش تنمو، وقلوب الحيوانات الصغيرة تنبض، ولقتَلَنا ذلك الهدير الذي يقع على الجانب الآخر من الصمت). اليوم، لا يوجد جانب آخر، ولا يوجد صمت. قضى عليهما الإنترنت وتويتر ويوتيوب. نعم، ربما بَعُد الهدير عن محيطنا المباشر، لكننا نعرف أنه موجود؛ نعرف أن ضربتين خفيفتين على الكيبورد تبعثان في الشاشة حياة زاخرة بنساء تباع وتشترى، بأطفال تُروَّع، برجال ضاقت بهم الحياة. نعرف أن الرجال والنساء يجوبون البحار والصحراوات بحثا عن العيش وأن نصف العالم في حالة جوع وأن الكوكب يكاد ينشطر من تطاول الإنسان، وأن هناك رغبة عارمة وعاجلة، وبالذات وسط الشباب، في تغيير النظام برمته.
وتابعت "والسؤال هو: هل تريد التعامل مع كل هذا؟ أم تريد الهروب منه؟ هل تريد أن تعيش حياتك في فقاعة منعزلا؟ أم تريد أن تكُون جزءا من هذه الرواية الكبرى، رواية العالم؟" ، مضيفة "هل الروائي ناشط أدبي؟ الناشط تحركه قضية فيتبناها. صحيح أن أغلب الناس تقنع بالحياة في نطاق شؤونهم الخاصة، ولكن، أليست قيمة الفنان - أو جزء من قيمته - أن مشاعره لا تتوقف عند حدوده؟ أنه يعيش خارج جلده؟ أنه متصل؟ أنه يتألم بألم رفاقه في الإنسانية؟ كيف إذن يرفض التعامل؟ كيف يمكنك - والسرد مهمتك وموهبتك - أن تُغَيَّب نفسك عن رواية العالم الكبرى؟".
وقالت "هل يجب على الأدب أن يتعامل مع السياسة؟ لا أحب "يجب" على مقربة من أي فن. في كل لحظة هناك آلاف القصص تنتظر الرواية. هل ننتقي - نحن الحكاؤون - أيها نحكيه؟ أم هل تنتقينا القصة؟ تضغط علينا وتحاصرنا إلى أن نجلس إليها ونحققها ونأتي بها إلى الدنيا؟ هل تأتينا القصة حين نكون مستعدين لها؟ وأليس علينا إذاً - ال"يجب" الوحيدة التي علينا الاعتراف بها - أن نعطي القصة حقها؟ الواجب الذي علينا هو نحو القارئ ونحو الحكاية التي وافقنا أن نحكيها. واجبنا أن نعمل ما في وسعنا ليستمر القارئ في القراءة، أن نتيح له الدخول إلى عالم يتملكه، يجد فيه تعبيرا عن تساؤلاته وأشواقه، يتعرف فيه إلى شخصيات يصادقها، يشعر بها ويتماهى معها حتى ليود لو اخترق الصفحة المطبوعة ليساعدها أو يواسيها. هذا هو العقد: يشغل الكاتب عواطف القارئ ويحفزها، فيعيش الحكاية والتجربة، ويتفاعل القارئ مع دنيا الرواية، وبتفاعله هذا يكرسها ويدرجها في التجربة الإنسانية".
وأكدت سويف قائلة "واجبنا أن نعمل على أن تخرج الحكاية التي اختارتنا إلى الدنيا على أكمل صورة وأكثرها تأثيرا. لكننا لا نختار الحكاية أصلا، بل يسحبنا تيار السرد إلى حيث تكون المشاعر الأكثر عمقا".
وتابعت "يحيا العمل الروائي على التماهي - أن أشعر بالآخر فتختلط ذاتي بذاته، أن أدخل راضيا في تجربة وَضْع نفسي مكانه؛ هذا في حد ذاته فعل سياسي، فالتماهي هو في صميم الكثير من النشاط الثوري". مضيفة "لكن الروائي، كالناشط، هو أيضا مواطن، ويحمل مسؤوليات هذه المواطنة. السؤال إذاً هو: كيف توفي بمسؤولياتك كمواطن وفي نفس الوقت تظل أمينا على فَنِّك؟ والسؤال يصبح مُلِحّا في زمن الأزمة".
وقالت سويف "ومحمود درويش، الراحل الكبير، في خطابه للحدث الافتتاحي لإحتفالية فلسطين للأدب عام 2008، كتب عن الشاعر الفلسطيني الذي عليه أن "يقاوم الاحتلال بالكلمة، وأن يقاوم ما يصيب الكلمة من خطر العادي والتكرار. فكيف يحقق حريته الأدبية في ظروف عبودية؟ وكيف يحافظ على أدبية الأدب في زمن الوحشية؟" مضيفة "نظل ننبش عن حلول. ربما كان الحل الذي وجده شاعرنا هو أن يبتعد جسديا عن بؤرة الأزمة - عن مدينته، حيفا. فعاش بين رام الله وعمان، ومن هذه المسافة أخرج لنا قصائده المنصفة للشعر والمواجهة للواقع".
وأضافت "ماذا لو كنت لا تستطيع أو لا ترضى أن تبتعد؟ في مصر، في عقود السخط والحيرة قبل الثورة كتب الأدباء روايات تحليلية وناقدة وكابوسية. اليوم نبدو وكأننا وضعنا الرواية جانبا - لفترة. سنعود إليها يوما. وربما وقتها سأحكي - روائيا - عن رملة بولاق، حيث قُتِلَ عمرو البني، وحيث يروَّع السكان ليخرجوا مفسحين المكان لتجمع جديد مُرَفَّه، أو ربما أحكي عن سميرة إبراهيم التي أوقفت ممارسات القوات المسلحة في كشوف العذرية، أو عن أحمد حرارة الذي أطلقوا الرصاص على إحدى عينيه في يناير والثانية في نوفمبر، أو عن السيدة ليلى، أم خالد سعيد، التي تبنت شباب الثورة جميعا لما قتل النظام ابنها".
وتابعت سويف"أتصور أن الرواية، إن حاولنا كتابتها الآن، يمكن أن تتسم بالبساطة الزائدة، بالرؤية بالغة التحديد في تمثيلها للخير والشر. الحقيقة التي نعيشها اليوم أكثر وضوحا، أكثر سطوعا، من أن تسمح بتكون رؤية ذات أبعاد وظلال. ف"الواقع" يأخذ وقتا ليمر بالعمليات التي تُحَوِّله إلي سرد روائي. ولذا، فلا فائدة من أن تتقدم حكاية من الكاتب الآن، تغريه، تطلب منه أن يكتبها، لأن - وخلال دقائق - ستأتيه غيرها، وغيرها، وبنفس المطالبة. ولن يستطيع، هو الروائي، أن يمسك بواحدة من القصص ويهرب معها، يخلو بها، ويستسلم لها، ويعمل عليها، وينتظر لحظات التحول، فهو المواطن بحاجة لأن يكون موجودا، هنا، على الأرض، يسير، ويستطلع، ويدعم، ويتكلم، ويبلور، ويحرض. فموهبته، وظيفته في وقت الأزمة، هي أن يحكي القصص كما هي، أن يعينها على أن تتحقق ليكون لها الوقع الأكبر، كحكايات حقيقية، ليس كروايات مؤلفة".