عاجل زيادة أسعار تذاكر القطارات ومترو الأنفاق بدءًا من 27 مارس 2026.. وزارة النقل تكشف التفاصيل والأسباب    من قلب مصر.. كيف وصل أحمد دياب لعرش رابطة الأندية الإفريقية؟    البابا تواضروس الثاني يستقبل السفير الهولندي    إزالة 2316 حالة تعد على أملاك الدولة والأراضي الزراعية بسوهاج    توتال تشتري النفط من الشرق الأوسط بكثافة    "ترامب " يعترف أن بلاده كانت مضطرة لقتل المرشد الإيرانى علي خامنئي لهذا السبب ؟!!    الأمم المتحدة تدعو الاحتلال لوقف الإخلاء القسري في القدس الشرقية    كلوب: محمد صلاح أحد أعظم لاعبي العالم وأرقامه مع ليفربول لن تتكرر    الأردن يعترض صواريخ إيرانية ويُفعّل نظام إنذار مبكر تجريبي    البرازيل ضد فرنسا.. مبابي وفينيسيوس في التشكيل الرسمي للمواجهة الودية    وزارة الأوقاف تفتتح 6 مساجد الجمعة ضمن برنامج تطوير بيوت الله    تعديل جدول مباريات نصف نهائي دوري كرة السلة    محمد منصور: أفتخر بصلاح كمصري.. وانتقاله إلى الدوري الأمريكي سيكون إضافة    بسبب فالفيردي.. أتلتيكو مدريد يهاجم اللجنة التأديبية بالاتحاد الإسباني    بسبب خلافات على الميراث.. ضبط ربة منزل متهمة بإتلاف كاميرات مراقبة بالشومة في سوهاج    اشتهر بأغانيه لفلسطين.. رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور    محلل سعودي ل"حديث القاهرة": صبر الخليج أمام استهدافات إيران له حدود    «صدر العباسية» في صدارة جهود مكافحة الدرن وتكريم مستحق في اليوم العالمي    محافظ بورسعيد يتابع تطوير 24 فصلا لاستيعاب 580 طالبا بمدرسة عقبة بن نافع    جامعة المنصورة تكتشف مصريبثيكس، حفرية عمرها 18 مليون سنة    الأسهم الأوروبية تتراجع نتيجة حالة عدم اليقين بشأن محادثات السلام مع ايران    سر الهوية المصرية| الإمبراطور الرومانى يأمر بمنع التعليم باللغة المصرية ويغلق المعابد والمدارس!    لاعب السعودية: استعدينا جيدا لمواجهة مصر.. ونعيش مرحلة هامة    لجنة لمتابعة إجراءات ترشيد استهلاك الكهرباء داخل شركات الإنتاج الحربي    إصابة شاب ببتر في ساقه اليسرى إثر اصطدام قطار بقنا    عبدالرحيم علي: خطورة الحوثيون تتركز في مضيق باب المندب والبحر الأحمر بشكل عام    9 مشروبات طبيعية لتنشيط الكبد وتحسين الهضم    الحضارة المصرية عنوان بطولة كأس العالم للجمباز الفني القاهرة 2026    طرح 180 فرصة استثمارية عبر منصة الكوميسا الرقمية تغطي 7 قطاعات استراتيجية    غدا .. تكريم المخرج الكبير خالد جلال في الاحتفاء ب"اليوم العالمي للمسرح"    تطورات الحالة الصحية ل"حكيم اللوكيشن وصمام أمان الدراما"الفنان سامى عبد الحليم    مستقبل وطن ينظم لقاء مع رؤساء اللجان النوعية بمجلس النواب    منتخب الناشئين يختتم استعداداته لمواجهة تونس    حبس المتهم بمحاولة تهربب 400 ألف بذرة مخدر الميرجوانا بالمطار    هيجسيث: الحرب الأمريكية على إيران ليست بلا نهاية    نصائح لتخطى الاكتئاب الموسمى    «الصحة» توجه نصائح طبية للوقاية من نزلات البرد في الشتاء    موعد ومكان عزاء الملحن الراحل وفا حسين    بسبب سوء الأحوال الجوية.. إصابة 3 أشخاص إثر انهيار جزئي لمنزل بالبحيرة    حكم الحجاب فى الإسلام.. دار الافتاء تجيب بالأدلة الشرعية    محاضر للباعة الجائلين لبيعهم اسطوانات بوتاجاز فى السوق السوداء    جامعة سوهاج تطلق منظومة الرعاية الصحية الشاملة للعاملين بها    بعد موجة الأمطار الغزيرة.. أوقاف كفر الشيخ تواصل تطهير أسطح المساجد ونزح مياه الأمطار    الداخلية تكشف ملابسات قيام قائد دراجة نارية بأداء حركات استعراضية| فيديو    الإسماعيلي يعلن رحيل أبو طالب وقناوي.. وتعيين القماش رئيسا لقطاع الناشئين    وصول جثمان والدة وزير الزراعة لمثواه الأخير بمقابر العائلة ببرج العرب.. فيديو    قرار جمهوري بضم الكلية العسكرية التكنولوجية إلى الأكاديمية العسكرية المصرية    بالمرصاد للمتلاعبين.. تموين القاهرة تضبط مخابز ومستودعات مخالفة    البابا لاون الرابع عشر يهنئ رئيسة أساقفة كانتربري ويدعو لمواصلة الحوار "في الحق والمحبة"    العالم هذا الصباح.. ترامب يفضل استخدام مصطلح "عملية عسكرية" لوصف ما يجرى ضد إيران.. انفجارات ضخمة تهز تل أبيب وسط دوي صفارات الإنذار.. البنتاجون يعلن صفقات ضخمة مع كبرى شركات الدفاع    نجاة أحمد بعد لقاء الرئيس السيسى: حسيت بالأمان أول ما قابلته وربنا يحفظه لمصر    محافظ القاهرة يشدد بالاستمرار في تكثيف أعمال الرقابة على كافة السلع    أوقاف شمال سيناء في استنفار ميداني لمتابعة جاهزية المساجد وتكثيف أعمال نزح مياه الأمطار    مياه الأمطار تغرق محال تجارية في الشيخ زويد بشمال سيناء    «الرعاية الصحية» تُصدر لائحة التحقيق والجزاءات لتعزيز الشفافية والانضباط    ماذا بعد رمضان؟.. الأوقاف توجه رسالة مهمة للمواطنين بعد انتهاء الشهر الكريم    جرائم التحرش الإلكتروني.. الأوقاف تنشر خطبة الجمعة المقبلة    البابا تواضروس خلال تكريم المتبرعين لحالات زرع الكبد: "التبرع بالكبد نوع من العطاء والبذل والتضحية به يتم إعطاء حياة جديدة لإنسان"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



البحث عن حيوان قومى جديد للبلاد ( 2 )
نشر في الشروق الجديد يوم 22 - 10 - 2010

ملخص ما نُشر: يطوف الراوى مع صديقه فى عالَم الحيوانات بحثا عن حيوانٍ قومى رمزىٍّ للأمة، شأن سائر الأمم، ويتعجب أن يكون «نسر السهوب» هو الحيوان الرمز المعتمد دوليا لبلاده، بينما لا علاقة بيئية ولا تاريخية لهذا النسر بهذه البلاد، فيتجاوزانه ويفتشان عمن يصلح لشغل مكانه، وبعد أن يستعرضا طائفة واسعة من الكائنات، يوشكان على اليأس من العثور على حيوان تنطبق عليه شروط الملاءمة البيئية والتاريخية والسوسيو بوليتيكية للبلاد، وبينما هما فى عتمة الإحباط، يحدث أن ينبلج الأمل!!!!!!
غُلُب حمارك؟
سألت صاحبى وبدلا من أن يجيبنى سأل: وانت حمارك ماغلبش؟
فلم أرد عليه. وامتد بيننا صمت حانق لعجزنا عن الوصول إلى حيوان قومى جدير بتمثيلنا، وفى سماء هذا الصمت تعلّق حمارانا العقليان المغلوبان جامدين فى أفق خيالنا، وفجأة، وكأنما بالتخاطر، لمعت الفكرة فى رأسينا معا، من ناحيتى لمعت الفكرة عندما ومض حمارى المعلق فى سماء الصمت، ولابد أن حمار صاحبى لمع فى اللحظة ذاتها، لأننا على نفَس رجُلٍ واحد، وفى لحظة واحدة صحنا:
ال حُمااااااااااااااااااااار
فحمارنا المصرى مميز جدا وله وجود راسخ فى بيئتنا، من بحرى للصعيد، وهو ليس وقفا على استحماره فى القرى، بل هو يُستحمَر أيضا فى المدن، فيمكن ان تراه يجوب شوارع العاصمة، حتى الراقية منها، مثل المهندسين والزمالك ومعادى السرايات وروكسى والكوربة، يجر عربات الزبالة التى تنهض بالمهمة الحقيقية وإن كانت شركات النظافة ذات الأسماء الشيك تستحمرها وتستحمرنا، وتشاركها فى هذا الاستحمار فواتير المياه الحكومية التى أضافوا إليها رسوم نظافة ندفعها مكرهين، برغم أن الزبالين هم الذين يقومون واقعيا بأمر زبالتنا، وأسطول نقلهم فى هذه المهمة الوطنية الكبرى قوامه الحمار. وليس هذا هو ملمح الظهور الوحيد للحمار فى المدن المصرية ومنها العاصمة، فالحمار له دور مشهود وقضايا رنانة فى المحاكم تحوم حول النوايا العجيبة لتقديم بروتين رخيص من لحمه المكدود للأمة المكلومة، وساندوتشات كفتة وحواوشى تنافس ساندوتشات الفول والفلافل فى أسعارها التى كانت زهيدة، وفى تحبيشتها المشطشطة.
وهو لاعب معروف فى التاريخ المصرى الحديث، ففى الملمات العالمية الكُبرى كانت سلطات الاحتلال البريطانى تصادره مع سائر أفراد عشيرته من العائلة الخيلية، وتجنده، فِردة، ضمن الخدمات اللوجستية خلف خطوط القتال، لجنود الإمبراطورية التى لم تغب عنها أبدا شمس الافترا والغلاسة. حدث هذا فى الحرب العالمية الأولى، والثانية. وطبقا لقوانين الإزاحة والإسقاط النفسيين، والكيد الفولكلورى المصرى الحراق، واليقين فى صبر الحمار المصرى وجَلَده، أسس الفنان المسرحى الكبير زكى طليمات سنة 1930 «جمعية الحمير» فى تحدٍ جرىء وساخر للقصر الملكى وسلطات الاحتلال، لأن سلطات الاحتلال ضغطت على الملك فؤاد لإلغاء معهد المسرح الذى أنشأه زكى طليمات بهدف تأصيل مسرح مصرى لا يعتمد على ترجمة المسرحيات الأجنبية، بل ينهض على نصوص وطنية تعالج الواقع المصرى، وقد أزعج سلطات الاحتلال أن يكون هناك مسرح وطنى لإدراكهم ان المسرح بؤرة تنوير وتثوير للأمة، وهذا مما لا تريده أبدا أى سلطات احتلال أجنبى أو وطنى، كما لا يريده أى قصر ملكى، سواء ملكية دستورية، أو جمهورية ملوكية، وملوكية كلمة تشير إلى الملوخية على سبيل تعظيم هذه الأكله المصرية الأرارية بعد قدحها بالتوم المقلى وتحبيشها بالكسبرة، كما تشير إلى العز الذى لا يرتبط حتما بالعزة، وقد نهضت «جمعية الحمير» بمهمة حماية معهد المسرح، ورعاية مشروع ميلاد المسرح المصرى الوطنى، وانضم إليها مفكرون وكتاب كبار منهم الدكتور طه حسين وعباس محمود العقاد وتوفيق الحكيم. وبعد نجاح جمعية الحمير فى حماية المسرح المصرى، استمر أعضاؤها فى العمل الخيرى، خاصة علاج المرضى غير القادرين، ووصلت الفنانة الكبيرة نادية لطفى إلى مرتبة «الحمار الأكبر» عندما رأست هذه الجمعية التى لا تزال وزارة الشئون الاجتماعية ترفض إشهارها، بزعم عدم لياقة اسمها والألقاب التى تمنحها الجمعية لأعضائها تبعا لمراتبهم فى خدمتها، وهذه الألقاب تبدأ من مرتبة «جحش»، ثم «حمار صغير»، ف«فحمار كبير»، ف«كبير الحمير» وهو لقب رؤساء الجمعيات الفرعية، وفى القمة يكون «الحمار الأكبر» أو الرئيس العام للجمعية، وقد حصل على هذا اللقب الأعلى، غير الجميلة الجريئة نادية لطفى، كل من: زكى طليمات، طبعا، والدكتور محمود محفوظ، وزير الصحة الأسبق، ولا أعرف إن كان للجمعية رئيس حمار أكبر الآن أم لا، لأننى لم أستطع التيقن مما آلت إليه الجمعية فى هذا الزمان الذى تكاثرت فيه الحمير المغشوشة وابتُذلت الحمرنة.
وينبغى أن نذكر لجمعية الحمير الأصلية أنه كانت لها هياكل تنظيمية دقيقة ذات تراتبية هيراركية منضبطة، وتتضمن ألقابا ثانوية داخل المراتب الأساسية، ويحصل عليها كل من يستحق اللقب بجهده وتفانيه لا بقربه من أذنى وفم الحمار الأكبر، هيراركية ليست كحلقة جماعات المنتفعين الفاسدين المستفيدين من فساد السلطة والمحيطين بها والمسبحين طبعا باسمها، بل هيراركية حميرية شفافة، فهناك: «حمار لجام»، يترقى بحسن عمله فيصير «حمار بردعة»، ويُحسن أكثر فيصير «حمار حدوة»!
إذن، الحمار موجود حتى فى حياتنا الثقافية، وهذا يطمئننى إلى وجود مكانة خاصة له فى مكتبتى، فهو بلاتيرو الذى من فضة وشعاع فى كتاب الشاعر الإسبانى الحائز على جائزة نوبل بجدارة عام 1956، خوان رامون خمينيث، «أنا وحمارى»، والذى أمتلك منه نسخا عديدة تذهب معى أو تكون فى انتظارى حيث أكون، ويضم 138 قصيدة يبث فيها الشاعر نجواه لحماره، ساردا عليه شجون وفتون قرية «مَاغير الأندلسية» التى ينتمى إليها كل من الشاعر والحمار، وفى نهاية الكتاب يقدم الشاعر لحماره العزيز الراحل مرثية شعرية من أعذب وأبدع وأعمق وأبسط ما يكون الشعر. والحمار هو ركوبة «سنشو بانثا» الإنسان البسيط تابع فارس طواحين الهواء «دون كيخوته» فى رواية الإسبانى العالمى سرفانتس، والذى أغراه فارس النوايا الطيبة والبصيرة الحمقاء الدون كيخوت بأن يتبعه فى فروسياته الوهمية مقابل أن يمنحه حكم جزيرة ينوى أن يحررها، فى خياله البائس طبعا! كما أن الحمار هو قلب أسطورة «ميداس» عابد الذهب فى الميثولوجيا الإغريقية الذى أنبت له طمعه وعشقه للشيطان الأصفر البراق أذنى حمار وحوّل زوجته وابنته وبساتينه كلها إلى ذهب بلا حياة، فعدم عابد الذهب المستحمر شربة الماء ومذاق الفاكهة ولطافة البنت وبوسة الزوجة. والحمار عند توفيق الحكيم هو الذى قال: «أيها الزمان متى تُنصف لأركب، فأنا جاهل بسيط، وصاحبى جاهل مُركَّب». كما أنه ركوبة السعدنى عمدة الساخرين فى كتابه «حمار من الشرق» الذى منعته بعض أحمرة الرقابات العربية فى أكثر من بلد منكوب بحمير البشر. وهو بطل قصة يوسف إدريس العبقرية «العتب على النظر»، التى يحيلنا بها من ضعف بصر الحمار إلى عمى بصيرة بنى الإنسان.
أما عزيز نيسين الكاتب التركى الساخر فقد فسر نهيق الحمار تفسيرا يدعو للتأمل والتساؤل: إن كنا وصلنا إلى مرحلة النهيق أم أننا على حافتها، فيحكى نيسين أن الحمار عندما كان حرا كانت له لغة بها مفردات وجمل ومعانى، وكان يرعى فى البرية فشم رائحة الذئب، لكنه حتى لا ينقطع عن الأكل ظل يكذب على نفسه «لا، هذا ليس ذئبا» وكان الذئب يقترب أكثر، وصاحبنا يكرر «لا، هذا ليس ذئبا»، وعندما وثب عليه الذئب ناهشا لحمه، أضاع الذعر لغة الحمار كلها، فلم يخرج من فمه الكبير ومن بين أسنانه الضخمة غيرالنهيق. نهيق. نهيق. نهيق. هل أسمع أصداء نهيق حمار الكاتب التركى الساخر؟ أم تراه إرهاص نهيقنا، بينما ذئاب كثيرة تقترب منا ونحن منكفئون على قشر الفول وتبن الحياة، نواصل خداع أنفسنا بأنفسنا وبمعيَّة خادعينا، وهل هناك أوضح من ذئب المخاطر النووية المتلفع بستار الحلم النووى للسائرين نياما والمحترقين فى القطارات البائسة والمسارح المقفولة بالبلاهة، والذى لن يكون إلا كابوسا تحت ناموسية عشوائيتنا وغوغائيتنا الكحلية، والذى يتحمس للمشاركة فى تمويله بنك فرنسى شهير لايخفى عشقه لمدام «أريفا»، إمبراطورة الصناعات النووية الفرنسية، الأم الأصلية لمفاعل ديمونة الصهيونى، والتى تسوِّق لعنة بضائعها بإغراء فحول العالم الثالث عشر المستفحلين على شعوبهم المُستعمَرة، استعمارا جديدا، أو المُستحمَرة، استحمارا قديما.. يتجدد!
وتظل إساءة الحمار لنفسه أهون كثيرا من إساءتنا لأنفسنا وأساءتنا له، فهو كائن عظيم لم نعرفه حسن المعرفة، أقول هذا لأنه أتيح لى مبكرا جدا جدا أن أتعرف على بعض من عظمته الممهورة وإن تكن منكورة، والتى أضاءت لى جانبا أساسيا من عظمة حيوية الحياة وإن كره المتنطعون، والمستعمون، والمدعون، والذين يخبئون عيونهم بأيديهم ويتلصصون على هذه العظمة خلال فُرج أصابعهم، أو يعربد داخلهم ما يصطنعون التعامى عنه بعد أن يكون تشوه فى لخبطات نفوسهم العسرة، وها هى الحكاية أحكيها برغم توقعى لتربصات النطاعة التى تكاثرت هذه الأيام والتى هى وجه التسلط الشعبى المناظر لاستبداد السلطة، والنطاعة من الفعل تنطَّع أى غالى فى الشىء وتكلَّف فيه، ومنها النطع الذى هو رقعة من الجلد كثيرا ما كان يُقتل عليها المحكوم بالإعدام، وهو قرين سيف السياف فى الممالك العربية ومقصلة قطع الرءوس فى هوجة الثورة الفرنسية.. الهمجية!.
كنت صبيا صغيرا فى أول سنوات المدرسة، فى السادسة، بل السادسة وبضعة أشهر، ولم أفهم تماما ما كان يقال عن وظيفة هذه الحفرة فى الوسعاية أمام بيتنا وورشة أبى والتى كانوا يسمونها «مَنزَل الفَرَس». لم تكن حفرة عميقة، بل مجرد وهدة من الأرض مستديرة، قطرها نحو مترين ونصف وعمقها أكثر قليلا من نصف المتر، والهبوط إليها ليس بحواف حادة بل بتدرج ناعم. تقع فى أقصى الجزء الشمالى من الأرض الخلاء أمام شارعنا والتى كانت معروفة فى المدينة بين أفراد ومُشجعى فرق الكرة الشراب فى الأحياء الشعبية باسم «ملعب المخزنجى»، وهى لم تكن ملك أبى ولم تكن ملعبا رسميا، بل مجرد أرض خلاء منبسطة بمساحة ملعب أوليمبى من التراب! وتتسع لأربع أو خمس مباريات كبرى للكرة الشراب تقام فى وقت واحد، ويشارك فيها نجوم الأحياء المجاورة وحتى البعيدة فى مباريات حامية وحاشدة الجماهير، على مراهنات لا تتعدى الخمسة جنيهات او تقف عند حدود أكلة ساندوتشات يحظى بها الفريق الفائز والحَكَم على حساب الخاسر، ويتراوح مستوى السندوتشات بين الفول والفلافل ويرتفع حتى يصل إلى ساندوتشات الكفتة من كبابجى المحمدى أو كبابجى الكسبانى الذى كان صاحبه جزارا وفتوة وبطل كمال أجسام عملاقا بقلب طفل.
اكتسبت الأرض الخلاء اسمها الشعبى من وجود ورشة أبى عند حدها الجنوبى كأوضح مَعْلم موجود فى المكان حينها، ولعل أبى اختار أن يبنى ورشته، وفوقها بيتنا فى هذا المكان، ليتسنى له استقبال عدد أكبر من السيارات يشتغل بتجديدها أسطوات الورشة والصبيان الذين كان يبلغ عددهم فى بعض الأحيان خمسة عشر نفرا، وكانت السيارات تصل إلى مثل هذا العدد أحيانا، وبعضها «ترلات نقل» عملاقة بمقطورات ضخمة كانت الواحدة منها تشغل مساحة خمس او ست سيارات من سيارات الركوب. كانت ورشة أبى وفوقها بيتنا فى هذا المكان بطرف المنصورة الجنوبى قرب المقابر، والتى كانت بدورها ملمحا يؤكد انفتاح وكوزموبوليتانية وتسامح المدينة الصغيرة التى كانت جميلة ويزيدها تسامحها جمالا، فهناك مقابر للروم الكاثوليك، وأخرى للأرثوذوكس، وثالثة لليهود، إضافة لمقابر المسلمين والأقباط. مصريون ويونان وإيطاليون وأرمن كانوا يأتون لهذا المكان ليرقدوا فى سلام رقدتهم الأخيرة، أو يأتى الأحياء منهم لتشييع الراحلين أو للزيارة.
كان اللعب يجرى بينما مواكب تشييع الموتى تشق طريقها نحو المقابر، وبعيدا عن أوقات التشييع وأخمسة الزيارة، ثمة حياة حراقة كانت تشب نيرانها فى أكناف المقابر المهجورة، بل فى ظلال أضرحة لأولياء مجهولين وأحواش مدافن باذخة قديمة يتم فتحها مقابل رشوات زهيدة لحراس المقابر. كان سكون الموت يجاور همسات وشهقات العشاق. وكنا نتسلى بترويع هؤلاء العشاق حتى نخرجهم من ذُرى نشواتهم مفزوعين، عندما ننطلق بإنشاد جماعى مفاجئ يقبض على العاشقين فى عز العناق: «سيب النعجه ياخاروف/ سيبها واطلع ع السطوح». ثم نجرى ضاحكين خائفين بينما يطاردنا العاشق الذى جُن جنونه وتحول إلى شيطان أحمر، أو بُنى محمر. هكذا كنا نراه!
وكان حضورى لزلزال مركزه «منزل الفرس» سببا لمغادرتى النهائية لجوقة العيال منشدى لحن الخروف والسطوح...
صباح شتوى بارد.. جمع غفير من رجال غرباء فى ملابس بلدية وأسطوات ورشتنا والصبيان وعيال الحتة، أحاطوا الحفرة بزحمة صاخبة، وفى الحفرة أنزلوا فرسا عالية جميلة فتية يمسك بخطمها شخص هبط معها إلى الحفرة، وعلى الحافة المرتفعة خارج الحفرة أوقفوا حمارا كبيرا متوترا يردف الفرس المتململة، وكان هناك شخص يحرك الحمار ليكون محوره مضبوطا على محور يمر بنقطة تنصيف كفل الفرس، والفرس كانت تزحزح نفسها بخفر متجاوبة مع دفعات يدى مشرف الحفرة، والذى كان يتجاوب مع توجيهات مهندس ضبط المحاور فى الأعالى ومع صيحات الخبراء بين المشاهدين: «يمين شوية. حبة شمال. لقدام لقدام. لأ ارجع تانى. كده تمام». تمام تمام تمام، وشب الحمار المتوهج معتليا الصهوة اللهفى شاهرا سلاحه العظيم، فصدرت عن جمهرة الحضور صيحة تعظيم «هاااااه». كان شيئا مهولا، هول خروج كل هذه الأداة العظيمة من الغمد المتواضع المضياف. وهوب هوب هوب، كانت الصيحات تتسارع تسارع إيقاع الاشتباك النارى، ثم حدث الانفجار العظيم مصحوبا بالتصفيق وتهليل الحضور. وكان الطوفان يفيض. وثمة بخار يتصاعد من جسم الحمار والفرس ويحيط بهما، فكأنهما فى هالة من حكاية مسحورة.
علت الوجوه ملامح نشوة ومرح. وكثرت الغمزات والكنايات التى لم أكن أفهمها لهذا نسيتها.
أما الذى لم أنسه أبدا، فكان رد فعل الفرس بعد هذه الزلزلة، وما كان من الحمار...
( فاصل، وفى الجمعة القادمة، أيضا، نواصل )


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.