ينطلق اليوم عرض الفيلم الوثائقي الطويل «الحياة بعد سهام» للمخرج نمير عبدالمسيح، في 4 محافظات، هي: القاهرة والقليوبية والإسكندرية، بعد عروضه السابقة فى سينما زاوية بوسط البلد. ومن المنتظر أن يواصل الفيلم رحلته الدولية بالمشاركة فى عدد من المهرجانات، من بينها مهرجان مالمو للسينما العربية، ومهرجان إسطنبول السينمائى، ومهرجان ترافرسيه السينمائى، إضافة إلى مهرجان هوليوود للفيلم العربى. يمتد الفيلم إلى 76 دقيقة، ويُعد ثانى أفلام عبدالمسيح الوثائقية الطويلة، حيث يواصل من خلاله استكشاف أسئلة الهوية والانتماء والذاكرة، عبر معالجة إنسانية حميمة. ويغوص المخرج فى تاريخ عائلته الممتد بين مصر وفرنسا، مستعينًا بمرجعيات سينمائية من أعمال يوسف شاهين، التى ترافق رحلته الشخصية، ليقدم حكاية عن الاغتراب والحب قبل أى شىء آخر. ويكشف عبدالمسيح أن الفيلم كان دافعًا أساسيًا لعودته إلى مصر، قائلًا: «قدّمت أفلامًا من قبل لم تكن مرتبطة بمصر، وصنعت فيلمًا عن والدى لم تظهر فيه والدتى، وبعد مشاهدتها له سألتنى: وأنا فين؟ وقتها أدركت رغبتها فى أن أحكى قصتها. شعرت بحاجة للعودة إلى مصر، وزيارة عائلتى، وكان الفيلم هو الوسيلة لذلك، فالسينما دائمًا كانت طريقتى للتواصل مع الناس، ومع أبى وأمى أيضًا». ويؤكد أن تقديم «الحياة بعد سهام» جاء بدافع إنسانى عميق: «نحن فى حاجة إلى الحكايات، وإلى معرفة من أين جئنا. ربما لا يطرح من يعيش فى بلده هذه الأسئلة كثيرًا، لكن من يعيش تجربة الهجرة يشعر بحاجة مُلحّة لطرحها». وعن تجربته الفنية، يضيف: «كنت سعيدًا بأفلامى السابقة، لكن شعرت أننى أفتقد شيئًا مهمًا، وأن ما أقدمه بعيد عنى. هذه المرة قررت أن أسأل نفسى: من أريد أن أصوّر؟ وكانت الإجابة: أمى وأبى، واللحظات العائلية البسيطة، لأن السينما بالنسبة لى أصبحت وسيلة للاحتفاظ بمن نحب». واستغرق العمل على الفيلم نحو 10 سنوات، وهى رحلة يصفها عبدالمسيح بالطويلة والمعقدة، إذ بدأ المشروع فى الأصل كسيناريو روائى طويل، وكان من المخطط أن تشارك فيه المنتجة والممثلة ماريان خورى، قبل أن يتغير المسار لاحقًا. وخلال هذه السنوات، قام المخرج بتصوير ساعات طويلة من اللقطات دون تخطيط مسبق، ليأتى المعنى لاحقًا فى مرحلة المونتاج، التى استغرقت عامًا كاملًا بالتعاون مع اثنين من المونتيرين، حيث ظل السؤال الأساسى حاضرًا: ما حكاية الفيلم؟ ويشير إلى أن التحول من الشكل الروائى إلى الوثائقى جاء نتيجة صعوبات إنتاجية وشعورية، موضحًا: «فى البداية لجأت إلى الشكل الروائى لأننى لم أكن قادرًا على مواجهة القصة بشكل وثائقى، لكن مع تعثر التمويل، كان علىّ الاختيار بين التوقف أو العودة إلى جوهر الفكرة. بدأت التصوير مع والدى فى المستشفى، ثم اكتشفت فى المونتاج أن ما صورته كافٍ لصناعة الفيلم». ويختتم عبدالمسيح حديثه بالإشارة إلى استخدامه لقطات من أفلام يوسف شاهين، قائلًا: «بالصدفة، حين كان والدى يحكى عن لقائه الأول بوالدتى عند برج القاهرة، تذكرت مشهدًا مشابهًا فى أحد أفلام شاهين، ومن هنا جاءت فكرة توظيف هذه المقاطع، لما تحمله من تقاطع إنسانى وبصرى مع حكاية عائلتى». بهذا العمل، يقدم نمير عبدالمسيح تجربة سينمائية شديدة الخصوصية، تمزج بين السيرة الذاتية والذاكرة الجمعية، فى رحلة بحث صادقة عن الجذور والمعنى.