«الشرق الأوسط» مصطلح جديد نسبيًا، صكّه المفكرون والساسة الغربيون، كزاوية للنظر إلى منطقتنا (المنطقة العربية الإسلامية، المركزية)، وإن كان قد بدأ يضيف على لسان «حكماء» البنك الدولى، المنطقة الفرعية للمغرب العربى أو «الغرب الإسلامى» ليقول «الشرق الأوسط وشمال إفريقيا»، وخاصة منذ أوائل سبعينيات القرن العشرين. وإن كان «الشرق الأوسط» قد تمّ صكّه فى خضمّ احتدام التنافس والصراع الدولى بين القوى الأوروبية الاستعمارية الكبرى فى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فهو إذن، بمعنى ما، (قديم). لا نقصد بالقديم هنا، العصور القديمة، فتلك لها مداها الزمنى الخاص (قبل الميلاد) حين سادت دول وإمبراطوريات، ثم بادت غالبًا، لأسباب مختلفة، مثل «قدماء المصريين»، وقدماء العراقيين وقدماء «سوريا الطبيعية»، وقل مثل ذلك عن الصين شرقًا، والرومان غربًا. والشىء بالشىء يذكر، فإن «العصور الوسطى» قد بدأت فيما يسمى الآن الشرق الأوسط بمعناه الواسع، أو «المنطقة العربية الإسلامية، المركزية» بتعبيرنا، باستبعاد التحوم والمناطق الفرعية من «عالم الإسلام» فى آسيا الشرقية ووسط إفريقيا بالذات. ونقصد بعالم الإسلام هنا «العالم الإسلامى» حضاريًا، ومثل ذلك ديموجرافيًا، حسب الخطوط الأفقية والرأسية قبل اكتشاف الأمريكتين مع مطالع القرن السادس عشر الميلادى. كانت ولم تزل نواة العالم الإسلامى، بالمدلولين الديموجرافى والحضارى هى منطقتنا المتمركزة حول عوالم وأمم العرب والفرس والترك، بوجه عام. • • • وكما أشرنا، فقد كانت بدايات العصر الوسيط، إبان ظهور الدين الإسلامى فى القرن السادس، قائمة على نوع من «القطبية الثنائية» إن صح التعبير، للفرس والروم. وكان عرب (شبه الجزيرة العربية) وامتدادها شرقًا وغربًا، يحاصرهم ضغط من الجهتين، وكانوا أكثر ميلاً للروم دون الفرس لخشيتهم من عواقب القرب الجغرافى الشديد. وقد عبرّ القرآن الكريم عن ذلك فى مطلع سورة «الروم» بالذكْر: (غُلبت الروم، فى أدْنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغْلبُون، فى بضْع سنين، لله الأمر من قبلُ ومن بعدُ، ويؤمئذ يفرحُ المُؤمنُون)، وسرعان ما تم استيعاب الفرس فى عالم الإسلام بعد فتح العراق، بينما انتظر بعض الروم زمنًا، ليتغلغل الترك بعد ذلك فى نسيج الدولة الإسلامية، خلال العصر العباسى الثانى بالذات، وظل الأمر سجالاً حتى حين. وجاء هذا الحين لما تغلغل «السلاجقة» فى العالم المحيط بشبه الجزيرة شمالاً، وأخذ الترك بأسباب القوة، وخاصة من (آل عثمان) حتى تم فتح القسطنطينية عام 1453 وهى عاصمة الدولة الرومانية الشرقية، أو «البيزنطية»، فبدأت حقبة السيطرة، بل الهيمنة التركية العثمانية، حتى دقت أبواب «فيينا» عاصمة دولة النمسا المجر أو إمبراطوريتها، كما كان يقال. وأخذ عالم الإسلام المتمركز تركيّا بالتعمق وبالتوسع، حتى هضم تقريبًا منطقة البلقان وبعض أوروبا الشرقية، وكامل «البر العربى» مشرقًا ومغربًا، عدا المغرب الأقصى الحالى. ما زالت الدولة العثمانية تتوسّع، ولكن فى ظل خشية متنامية من جانب العالم الأوروبى الذى استيقظ قويًا، مع النهضة الاقتصاية، من بعد الكشوف الجغرافية، فظهور «الرأسمالية» الزراعية ثم التجارية، وبعدها الصناعية. ومنذئذ بدأ ظل الأتراك فى الأفول، حتى لقبت خلال القرن التاسع عشر بالرجل المريض لأوروبا. مع نهوض حركة القوميات فى البلقان، ثم بلاد العرب المشرقية، بدأ تقلص عالم الترك فى عمقه الثقافى والحضارى، مقابل التوسع العملاق لأوروبا الغربية (بريطانيا، فرنسا خاصة) بعد انحسار ظل الأسبان والبرتغاليين والإيطاليين. وكان ما كان بعد ذلك، من تقدم أوروبا، وتقلص دولة آل عثمان فى عاصمتهم (الآستانة) حتى بلغ التنافس والتطاحن الدولى مداه، إثر توحيد ألمانيا عام 1871، فتكونت كتلتان تصادعتا دمويًا خلال الحرب العالمية الأولى: أولاهما تمركزت حول روسيا وتركيا، والثانية من خلال بريطانياوفرنسا، وانتهت بسقوط الإمبراطوريين الروسية والعثمانية. وكان لابد من توزيع الغنائم والأسلاب، فى مؤتمر فرساى عام 1919، وكان أن أُعيد رسم خريطة العالم، غير «الشرق الأوسط» بمدلوله المعاصر، مقسمًا بين الدول الاستعمارية المنتصرة بريطانياوفرنسا باسم «الانتداب» خاصة، على حساب الدول المنهزمة ألمانياوإيطاليا وتركيا. بينما أفلتت روسيا وأقامت من رحم الثورة البلشفية، الاتحاد السوفيتى، مكونًا من المركز الروسى وما حوله فى كامل أوروبا الشرقية بالذات. • • • تحت ظلال «الانتداب البريطانى»، المشرعن من «عصبة الأمم» تسللت الحركة الصهيونية الناشئة عقب المؤتمر اليهودى الأول عام 1897، وبعد أن كانت حصلت على ما يسمى «وعد بلفور» عام 1917، ثم ليولد «ملاذ يهودى» برعاية الدولة المنتدبة على فلسطين وهى بريطانيا، خلال فترة 1919-47، على امتداد ربع قرن تقريبًا، وهو ما يسمى تقليديًا بالوطن (القومى..!) لليهود National Homeland وما هو بوطن بل ملاذ، وما هو بقومى حقيقة، بل عنصرى أكيد. ذلك إذن هو عالم ما بعد الحرب العالمية الأولى، ثم ما بين الحربين، حتى 1945، ليتلوه الزحف الصهيونى لإقامة الملاذ خلال حرب ثم نكبة 1948. إنه إذن «الشرق الأوسط» كما رسمته بريطانيا عقب الحرب العالمية الأولى، بالتعاون مع فرنسا فيما يسمى (اتفاق سايكس بيكو) لتوزيع بلدان المشرق العربى المجزّأ بالذات، فيما بينهما، مع تكريس احتلال تونس لعام 1881، والجزائر قبل ذلك عام 1830، وليبيا من قبل إيطاليا منذ 1911 وبين الحربين. كانت نكبة 1948 علامة على بدء تمركز الحركة الصهيونية إزريل وسط شرق أوسط، مقسّم استعماريًا ومسيطر عليه كليًا تقريبًا، من العراق إلى المغرب. • • • ذلكم هو إذن «الشرق الأوسط» القديم، الذى قامت فى مواجهته ثورة 23 يوليه العربية، من مصر القاهرة، عام 1952 فأوقفت نموّه وحولت وجهته تمامًا، حتى حين، وكان هذا الحين بعد عدوان ونكسة الخامس من يونيو 1967 ثم وفاة عبدالناصر فى 28 سبتمبر 1970. وأخذ تكرّ حبْات المسبحة غير المقدسة عبر تطورات متلاحقة ومتغيرات لولبية لاهثة، وكان ما كان بعد سيطرة أزريل، بالحركة الصهيونية، على الضفة الغربية لنهر الأردن، وشبه جزيرة سيناء التى استردت على مراحل بعد حرب أكتوبر 1973. ولكن أكتوبر 2023 طوفان الأقصى قلب الموازين جزئيًا ومؤقتًا، حتى عادت الحركة الصهوينية العنصرية من خلال «إزريل» فأخذت تحاول إعادة رسم خريطة المنطقة بكاملها، حتى رفع دعاتها شعار «الشرق الأوسط الجديد»، ويقصدون به «الشرق الأوسط صهيونى التمركز» Zionism-centered.. ولكن هذا حلم غير قابل للتحقق بحكم طبائع الأمور. إنها محاولة لاستعادة «الشرق الأوسط القديم» كما أشرنا، فى ثوب جديد، من حول إزريل الحركة الصهيونية العنصرية النهمة للتوسيع الاستعمارى بغير انقطاع. لن يكون هناك مكان لشرق أوسط صهيونى التمركز أى جديد حتى لو امتدت يد الإمبراطورية الأمريكية إليها بالمال والسلاح وغيرهما. هذا حكم التاريخ، وحتميته الواعية، ليعود عالم «المنطقة العربية الإسلامية المركزية قويًا لامعًا، ولن يعود الشرق الأوسط القديم ولو فى ثوب جديد، مهمًا كان..!». أستاذ باحث فى اقتصاديات التنمية والعلاقات الدولية