يُعدّ الصيام فرصة حقيقية لإعادة ضبط إيقاع الجسم وتحسين وظائفه الحيوية، لما يحمله من فوائد صحية مؤكدة. وإذا أُحسن استثماره، يمكن أن يتحول إلى نقطة انطلاق نحو نمط حياة أفضل، روحيًا وبدنيًا. في هذا التقرير، نقدم روشتة متكاملة لأبرز الأخطاء الغذائية في رمضان وطرق تصحيحها، للعبور بالشهر الكريم بصورة صحية وآمنة، من خلال تصريحات خاصة ل"الشروق" للدكتورة هبة عبد اللطيف زين، استشاري التغذية العلاجية بالمعهد القومي للأورام، ومدرس بالجمعية الأوروبية للتغذية الأنبوبية والوريدية. فوائد الصيام للجسم تؤكد الدكتورة هبة أن الدراسات الحديثة أثبتت أن الصيام يحسن الوظائف الخلوية، ويقلل الالتهابات، ويساعد على تعزيز حساسية الأنسولين، وقد يدعم بعض الحالات مثل السكري من النوع الثاني والكبد الدهني. وفي المقابل، تشدد على ضرورة استشارة الطبيب قبل الصيام لبعض الفئات، مثل مرضى السكري من النوع الأول، وأمراض القلب والكلى، وحالات تليف أو فيروس الكبد، ومرضى السرطان، إضافة إلى الحوامل والمرضعات، لتحديد مدى أمان الصيام لكل حالة. أخطر عادة غذائية في رمضان توضح أن أخطر عادة شائعة هي الإفراط في السكريات والمشروبات المحلاة عند الإفطار. فكسر الصيام بالعصائر المُحلاة يؤدي إلى ارتفاع سريع في مستوى السكر والأنسولين بعد ساعات طويلة من الانخفاض، ما يسبب شعورًا بالجوع السريع أو الدوخة، ويزيد احتمالات اكتساب الوزن وارتفاع مقاومة الأنسولين على المدى الطويل. وتنصح بأن يبدأ الإفطار بتمرتين أو ثلاث في صورتها الطبيعية، ويفضل تناولها مع كوب من الحليب، لأن الجمع بين ألياف التمر والبروتين والدهون الطبيعية في الحليب يساعد على خفض المؤشر الجلايسيمي (وهو مقياس رقمي يصنف الأطعمة الكربوهيدراتية وفق سرعة رفعها لمستوى السكر في الدم خلال ساعتين)، ما يمنح الجسم طاقة تدريجية دون ارتفاع حاد في الأنسولين. كما توصي بالتوقف بعد ذلك لأداء الصلاة، لإتاحة الفرصة للجهاز الهضمي لبدء إفراز العصارات والإنزيمات تدريجيًا، تجنبًا لحالات التخمة والانتفاخ والمغص الناتجة عن تناول وجبة كبيرة دفعة واحدة. ترتيب الطبق وطريقة الطهي تشير استشاري التغذية إلى أن الترتيب الأمثل يبدأ بشوربة خفيفة، ثم السلطة، ثم مصدر البروتين، على أن تأتي النشويات في نهاية الوجبة وبكميات معتدلة، لأن هذا التسلسل يعزز الإحساس بالشبع ويحد من الإفراط في تناول الكربوهيدرات. كما تؤكد أن طريقة الطهي تُحدث فارقًا واضحًا بين وجبة مطهوة في الفرن بقليل من الدهون، وأخرى مقلية أو غنية بالسمن والزيوت. وتحذر من الإفراط في الأطعمة الحارة أو شديدة التوابل، لما قد تسببه من إجهاد لمعدة ظلت صائمة لساعات طويلة. أما المخللات، ففائدتها في محتواها من الخمائر، غير أن الإكثار من الملح يشكل خطورة خاصة لمرضى ضغط الدم. كما تنبه إلى أن الإفراط في العرقسوس قد يؤدي إلى احتباس السوائل. وتوصي بتناول المشروبات الرمضانية دون سكر أو باستخدام بدائل صحية للتحلية. الحلويات ليست يومية ترى زين أن تناول الحلويات يوميًا من أبرز الأخطاء الغذائية في رمضان. والأفضل الاكتفاء بها مرتين إلى ثلاث أسبوعيًا، وبكمية صغيرة تعادل قطعة أو قطعتين بحجم علبة الكبريت. وتوضح أن تناول الحلويات بعد الإفطار مباشرة يُعد خيارًا أفضل من تأجيلها، لأن امتلاء المعدة بالبروتين والدهون يبطئ امتصاص السكر ويقلل الارتفاع المفاجئ في الأنسولين، ويساعد على ضبط الكميات. في المقابل، تشدد على أهمية الفاكهة، خاصة الغنية بالبوتاسيوم مثل الموز والطماطم والبرتقال، لما له من دور في تنظيم توازن السوائل داخل الخلايا وتقليل الإحساس بالعطش. المشروبات الغازية عادة يجب التوقف عنها تصف المياه الغازية بأنها عادة ضارة يجب التوقف عنها في رمضان وخارجه، وتقترح استبدالها بالليمون دون سكر أو بمشروبات منخفضة السعرات. وفي حال الرغبة في تناول مشروبات عالية السعرات مثل السوبيا، تنصح بالاكتفاء بنصف كوب وعلى فترات متباعدة، بينما يُعد الكركديه دون سكر خيارًا مناسبًا، خاصة لمرضى الضغط. تنظيم شرب المياه والكافيين تؤكد الدكتورة هبة أن شرب كميات كبيرة من المياه دفعة واحدة قبل الفجر سلوك غير فعال، والأفضل توزيع الشرب من الإفطار حتى السحور بمعدل كوب تقريبًا كل ساعة، ليصل المتوسط إلى 8 إلى 12 كوبًا بحسب طبيعة الجسم والمجهود المبذول. كما تنصح بتأجيل القهوة والشاي إلى ما بعد الإفطار بساعتين أو ثلاث، وتجنب تناولهما في السحور، لأنهما مدران للبول وقد يزيدان الشعور بالعطش ويؤثران على جودة النوم. سحور متوازن سر يوم مريح تؤكد أن إهمال السحور من أكثر العادات السلبية شيوعًا، وتوصي بأن يتضمن بروتينًا عالي الجودة مثل الجبن القريش أو الزبادي أو البيض، مع نشويات معقدة كخبز القمح الكامل أو البطاطا أو البطاطس المهروسة، إضافة إلى قدر مناسب من الدهون الصحية مثل زيت الزيتون. كما تنصح بالابتعاد عن الجبن شديدة الملوحة والأطعمة الحارة أو المقلية في السحور، لأنها تزيد الإحساس بالعطش وثقل المعدة. وتلفت إلى أهمية الخضروات والفواكه في هذه الوجبة، إذ تساعد الألياف الذائبة على الاحتفاظ بالماء داخل الجهاز الهضمي، بينما تقلل الألياف غير الذائبة من فرص الإمساك خلال الصيام. وتختتم حديثها بالتأكيد على أهمية المشي بعد الإفطار بساعتين، لما له من دور في تنشيط الحرق وتحسين الهضم، مشيرة إلى أن رمضان يمكن أن يكون فرصة ذهبية لتحسين الصحة وخسارة الوزن بشكل آمن، عند الالتزام بالاعتدال في الكميات وحسن اختيار نوعية الطعام وتنظيم مواعيد الأكل والشرب.