الضربة العسكرية الأمريكية ضد إيران باتت أقرب من أى وقت مضى، نظرا لارتفاع منسوب تهديدات الرئيس دونالد ترامب وتزايد الحشد العسكرى الأمريكى فى المنطقة، ورفض طهران - حتى اللحظة الأخيرة - شروط «الإذعان» الأمريكية لتفادى المواجهة العسكرية. إدارة ترامب طرحت على إيران، وفقا لوسائل الإعلام الأمريكية، ثلاثة شروط رئيسية صارمة لا تفاوض عليها أو تراجع عنها حتى يتم إلغاء الهجوم المحتمل، وتشمل وقفا دائما لجميع عمليات تخصيب اليورانيوم، وفرض قيود على مدى وعدد الصواريخ الباليستية التى تملكها بحيث لا تصل إلى الكيان الصهيونى، وإنهاء دعم الجماعات المسلحة الحليفة لها فى الشرق الأوسط. ترامب نفسه كتب على صفحته بمنصة «تروث سوشيال» الأربعاء الماضى: «كما قلت لإيران من قبل، أبرموا اتفاقا.. لكنهم لم يفعلوا، فكانت النتيجة عملية مطرقة منتصف الليل (فى يونيو الماضى)، والتى ألحقت دمارا هائلا بإيران.. الهجوم القادم سيكون أسوأ بكثير.. لا تسمحوا بتكرار ذلك»، مشيرا إلى أن «أسطولا ضخمًا» يتجه نحو إيران، بكامل الجهوزية لإتمام مهمته ب«سرعة وعنف»! تهديدات ترامب العنيفة لإيران ترافقت مع تكثيف الحشد العسكرى الأمريكى بالمنطقة، حيث قال مسئول أمريكى لوكالة الأنباء الفرنسية، إن «العدد الإجمالى للسفن الأمريكية المنتشرة فى الشرق الأوسط بلغ 10 قطع، ويشمل ذلك مجموعة حاملة الطائرات أبراهام لينكولن التى تضم ثلاث مدمّرات ومقاتلات شبح من نوع إف-35 سى، وهناك أيضا ست قطع حربية أمريكية تنشط فى المنطقة هى ثلاث مدمّرات وثلاث سفن للقتال الساحلى». فى مقابل هذا التصعيد، تبدو الخيارات المتاحة أمام إيران قليلة للغاية، خصوصا بعد خسائرها جراء الحرب التى استمرت 12 يوما مع إسرائيل فى يونيو 2025، والتى انتهت بهجوم جوى أمريكى كاسح على 3 مواقع نووية إيرانية رئيسية فى نطنز وفوردو وأصفهان. طهران فى الوقت الحالى غير راغبة بل وغير قادرة على تحمل تكلفة وتداعيات أى هجوم أمريكى جديد، نظرا لأنها لم تتعاف بعد من آثار حرب العام الماضى، خصوصا من الناحية العسكرية التى تضررت بشدة، إضافة إلى وضعها الاقتصادى الصعب، الذى دفع مواطنيها إلى الخروج للشوارع والميادين احتجاجا على تردى أحوالهم المعيشية، ما دفع السلطات الأمنية إلى مواجهتها بعنف. الرسائل الرسمية التى تصدر من طهران تركز على أن إيران ستواجه أى هجوم أمريكى بقوة كبيرة، لكنها فى الوقت ذاته منفتحة على تسوية تسمح بتجنب الحرب ولا تخرجها من معادلات القوة فى الإقليم، وبدا ذلك واضحا فى حديث وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى، الذى كتب الأربعاء الماضى على منصة إكس: «قواتنا المسلحة الباسلة مستعدة - وأصابعها على الزناد - للرد فورًا وبقوة على أى عدوان من البر والبحر والجو»، لكنه أشار أيضا إلى أن بلاده «لطالما رحّبت باتفاق نووى متبادل المنفعة وعادل ومنصف - على قدم المساواة، ومن دون إكراه أو تهديد أو ترهيب - يضمن حقوق إيران فى التكنولوجيا النووية السلمية، ويكفل عدم وجود أسلحة نووية». هذه المعادلة التى تطرحها إيران لن تكون مقبولة من جانب ترامب، الذى لا يزال يتباهى بنتائج هجومه الخاطف ضد فنزويلا، وتمكنه خلال ساعات قليلة من اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته، إضافة إلى فرض السيطرة على نفط فنزويلا، ومن ثمّ فإنه يحاول تكرار التجربة مرة أخرى ضد إيران عبر فرص الإذعان الكامل عليها بالقوة العسكرية، وبالتالى تحجيم دورها فى المنطقة، وضمان عدم تهديدها لإسرائيل، إضافة إلى قطع حبل النفط السرى عن منافسه الاقتصادى الأكبر على الساحة الدولية، ونعنى بذلك الصين التى تشترى نحو 80% من النفط الإيرانى المنقول من خلال الشحن. بكين تدرك الهدف الأمريكى الواضح جراء تصاعد التهديدات بمهاجمة إيران، حيث حذرت على لسان سفيرها فى الأممالمتحدة فو تسونج من أن «استخدام القوة لا يحل المشكلات، وأى مغامرة عسكرية لن تفعل سوى أن تدفع المنطقة نحو هاوية المجهول». التحذير الصينى لن يدفع ترامب بالتأكيد للتراجع عن إجبار طهران على تنفيذ شروطه الصعبة والصارمة، والتى رأت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، أن «كل مطلب من المطالب الثلاثة التى وضعتها الإدارة الأمريكية من شأنه أن يضعف قوى إيران المتلاشية أصلا بعد حرب ال 12 يوما مع إسرائيل»، وبالتالى ليس أمام النظام فى إيران سوى انتظار مواجهة عسكرية تلوح فى الأفق بقوة، قد تختلف تداعياتها ونتائجها عما سبق من مواجهات بين الطرفين.