لا أدرى هل يوافقنى القارئ على أن الجدل الذى أحاط بقرار محمد جبران، وزير العمل، الخاص بتنظيم إجازات المسيحيين كان مفيدًا، رغم حدته وسخونته خاصة على وسائل التواصل الاجتماعى؟ بداية أعتقد أن القرار انطلق من نوايا طيبة، وأراد التأكيد على حصول المسيحيين على إجازات فى أعيادهم، وبالأخص عيد القيامة، إلا أنه تعرض إلى وابل من الانتقادات، لأسباب عديدة كان ينبغى أن تدرك الحكومة أبعادها، وقد ذكرت بكثافة الأيام الماضية، ولا داعى لتكرارها. ولكنى أظن أن الجدل فى مجمله كان مفيدًا، وكشف عن حيوية المجتمع فى إدراكه لمفهوم المواطنة بمختلف أبعادها. يعنى ذلك أن كل جدل فى الشأن الدينى ليس سلبيًا. هناك جدل يبعث على الشقاق، والطائفية، ويبث مشاعر النفور والكراهية، وهو ما نراه ممنهجًا من جانب بعض التيارات المتطرفة، وهناك جدل مفيد، لأن ينطلق من إدراك حقيقى لمفهوم المواطنة، والتأكيد على دولة القانون وقيم المساواة، والوطنية، واحترام التنوع. ومن أحاديث المعلقين على قرار وزير العمل بشأن إجازات المسيحيين نستخلص عددًا من الجوانب الإيجابية. أولًا: اتفق الجميع على أن المواطنة هى المرجعية التى يستند إليها المصريون، مسلمين ومسيحيين، ولم يكن رفضهم لمصطلح «الإخوة المسيحيين» الوارد فى القرار سوى انحياز لمفهوم المواطنة، رغم أن المصطلح فى ذاته يحمل دفئًا إنسانيًا. وانعكس ذلك سريعًا على خطابات، وتصريحات رئيس الوزراء والوزراء فى استخدام مصطلح المواطنين المسيحيين فى التهنئة بعيد الميلاد. ثانيًا: رفض أى اقتراب طائفى أو مذهبى فى النظر إلى المواطنين المسيحيين، انطلاقًا من رفض التقسيم والفرز على أسس تجافى مفهوم المواطنة، وهو فى رأيى إعلان مهم، لأن البعض قد يتصور أن المذهبية أو الطائفية تحمل له مزايا ومكاسب فى حين أنها تجذر انقسامات يعانى منها أصحابها قبل غيرهم، وتجلب للمجتمع المصرى ما ليس فيه، لا ماضيًا ولا حاضرًا. ولعل ما يحدث فى المنطقة من اشتعال طائفى رفع مؤشرات الحذر فى المجتمع المصرى بوعى أو دون وعى تجاه أى حديث عن المذهبية والطائفية. ومما لفت انتباهى أن كثيرين رأوا أن المجتمع الذى يسعى لتجاوز أى انقسام أو تفرقة بين المسلمين والمسيحيين، ينبغى ألا ينزلق فى التقسيم المذهبى للمسيحيين أنفسهم. ثالثًا: كشف الجدل عن أن مرجعية أى قرار يتناول الشأن الدينى فى الوقت الراهن يجب ألا تكون قرارًا قديمًا منذ عشرات السنين، بل الإنجاز الذى تحقق على الأرض فى العقد الأخير فيما يتصل بالعلاقات الإسلامية المسيحية، وتصدى مؤسسات الدولة للعديد من المشكلات الموروثة فيما يعرف بالملف القبطى، على نحو خفف كثيرًا من وطأتها، وفتح المجال أمام التمتع بحقوق المواطنة، حتى وإن ظلت بعض التحديات قائمة. رابعًا: أكد الجدل الذى أحاط بالقرار المشار إليه أن الشأن المسيحى لا يخص المسيحيين وحدهم بل عموم المصريين، وهى حالة وطنية غير طائفية، تستمر فى الحالة السياسية المصرية منذ عقود طويلة، حيث قدم كثير من المثقفين والمشتغلين بالشأن العام من المسلمين قراءة نقدية لقرار وزير العمل، ربما أكثر موضوعية وجرأة مما كتبته مسيحيون، ويعد ذلك امتدادًا لتراث نقدى مهم ظل حاضرًا فى كتابات تلك الشريحة من المثقفين حول أهمية إرساء حقوق المواطنة للمصريين جميعًا، وتجاوز أى مشكلات أو تحديات طائفية فى إطار الدولة الوطنية الحديثة. إجمالًا لم يكن الجدل الذى انتقل الأيام الماضية من وسائل التواصل الاجتماعى إلى الإعلام سوى نموذج حى على أن النقاش بمسئولية فى الشأن العام ضرورى، لترشيد الحديث فى القضايا الوطنية، وبناء التصورات الإيجابية، والخروج من أسر النظرات الضيقة إلى رحابة التفكير فى المستقبل.