(1) «كبار الحوادث فى وادى النيل» واحدة من مطولات أمير الشعراء أحمد شوقى (1869-1932)، ذلك الذى أحيا الشعر العربى وجَدَّده وربط موضوعاته بما يجرى من وقائع وأحداث على أرض مصر وفى عموم العالم العربى والإسلامى. ولا أبالغ لو قلت إن بعضًا من شعر شوقى قد واكب أحداثًا كبارًا فى العالم وشخصيات أدبية وفكرية وتاريخية.. إلخ. اكتشافى لأحمد شوقى لم يكن مبكرًا، ولم يكن من خلال قصائده الشهيرة المعروفة، إنما جاء من مسرحياته الشعرية التى أعتبرها – على المستوى الشخصى – من أمتع وأجمل ما قرأت من شعر مسرحى فى حياتى (إلى أن قرأت بعد ذلك مسرحيات صلاح عبد الصبور المذهلة). وقد كنت لفترة من الزمن أفضِّل حافظ إبراهيم على شوقى وأضعه فى مرتبة عالية لا ينافسه فيها منافس، ولا منازع! لكن مع الوقت، ومعاودة القراءة وإرهاف خلايا التذوق، وتنامى الوعى اللغوى والجمالى (إن جاز الادعاء بذلك)، تكشَّف لى أن أحمد شوقى ليس بالبساطة أبدًا التى قد يبدو عليها، وأن شعره وما تركه من إرث شعرى و«نثرى أيضًا» لا يُقدَّر بمال أو ذهب! كان شاعرًا موهوبًا ومطبوعًا، ثم زاد على ذلك ثقافة عربية أصيلة، واطلاعًا واسعًا وفذًا على عيون الشعر العربى فى عصور ازدهاره وألقه، وقراءة متصلة لا تفتر فى معاجم اللغة وقواميسها الكبرى (يحكى عنه ما يشبه الأساطير فى ذلك، وحفظه لأحد المعاجم بكامله!!)، ثم مزج ذلك كله برافد ثقافى فرنسى حديث، فقرأ روائع الآداب الفرنسية وعيون الشعر الرومانسى الأوروبى فى ذلك الوقت، وامتزج ذلك كله بحسه وذائقته ورهافة شعوره. فنشطت خلايا الإبداع التى أساغت كل ذلك فى قصائد وأشعار بديعة تحتفظ بمكانتها فى الذروة العليا من شعرنا العربى الحديث. (2) ما دعم ذلك الحضور بعد ذلك، وجعلنى أعيد قراءة أحمد شوقى (شعرًا ونثرًا) وأكتشف هذه العبقرية الشعرية واللغوية المذهلة، هو كتابٌ صغير جدًا صدر فى سلسلة (كتاب الهلال) عنوانه «الأدب والحياة المصرية»؛ للرائد النهضوى الكبير محمد حسين هيكل (1886-1956)، وكان يضم فصولًا رائعة عن شعر شوقى والبارودى وحافظ إبراهيم. فى الغالب كانت مقدمات مفصَّلة لطبعات حديثة من دواوينهم أو أعمالهم الكاملة على ما أذكر. وكان غلافه مزينًا بصورة (بورتريه) أحمد شوقى بوضعية يده أسفل ذقنه الشهيرة. جذبنى الكتاب لدرجة أننى قرأته كله فى ليلة واحدة. كان هذا الكتاب نافذتى الأولى على عالم أحمد شوقى، وكان من آثاره المباشرة تعلقى بشعر شوقى وافتتانى به. كذلك كان هذا الكتاب أول ما قرأت ويشير بإعجاب بالغ، وتقدير عميق، إلى وطنية أحمد شوقى وقصائده التى تفيض حبّا لوطنه وحرارة وعذوبة، خاصة «القصائد» التى كتبها وهو فى منفاه بإسبانيا. وقد توقف الدكتور هيكل مليًا أمام واحدة من مطولاته التى لم تحظ بالاهتمام ولا الشهرة التى حازت عليها غيرها من قصائده الجميلة والبديعة. القصيدة بالغة الطول اسمها (كبار الحوادث فى وادى النيل)، وهى استعراض بطولى «رومانسى» لتاريخ مصر العريق عبر العصور، منذ قدماء المصريين وحتى مشارف العصر الحديث. ومطلعها: همَّت الفُلك واحتواها الماءُ وحَداها بمن تُقِلُّ الرجاءُ وقد ألقاها أحمد شوقى فى المؤتمر الشرقى الدولى المنعقد فى مدينة جنيف فى سبتمبر من سنة 1894، وكان مندوبًا للحكومة المصرية فى هذا المؤتمر الحاشد. اللافت أن أحمد شوقى كان يلقب فى ذلك الوقت ب «شاعر الأمير»، أى شاعر الخديوى عباس حلمى الثانى، وكان يعتز بهذا اللقب ويفخر به أيما فخر واعتزاز، قبل أن يحدث التحول المفصلى فى حياته، ويقضى سنوات فى المنفى بعيدًا عن مصر، ليعود وهو متجه بوجدانه كله وشعوره كله وملكاته كلها إلى هذا الشعب؛ فيخرج أجمل وأروع قصائده الوطنية فى حب مصر وتاريخها، ويتغنى بجمالها وناسها ليصبح لقبه فى سنواته الأخيرة «شاعر الشعب». وقد كانت «كبار الحوادث فى وادى النيل» الإرهاص المبشر بهذا التحول وهذا الانتقال. (3) بلغ عدد أبيات هذه القصيدة ثلاثمائة بيت تقريبًا (290)، عرض فيها عرضًا أخَّاذًا بديعًا تاريخ مصر من أقدم العصور إلى عام نظمها، وقد حازت فى وقتها قبولًا واستجابة فائقة ترصدها كتب تاريخ الأدب التى اعتنت بها. وهكذا وقعت فى غرام «كبار الحوادث فى وادى النيل»، وتعلقت بها، بل افتتنت، وحفظت أبياتًا عديدة منها أرددها وأستعين بها فى موضوعات التعبير. وأتساءل بينى وبين نفسى: إذا لم تكن أبيات من هذه القصيدة فى حافظة طلاب التعليم الأساسى، فماذا يمكن أن يكون فى حافظتهم، مما يسهُل قراءته، ويُستحب معناه، ويثير العاطفة والحماسة الوطنية فى نفوس هؤلاء الطلاب والطالبات، بدلًا من النصوص الجافة العقيمة التى تُدرس منذ عقود ولم تمسسها يد التغيير لا بخير ولا بشر، وكأنها محفوظة ومصونة بطلسم مختوم! (وللحديث بقية)