المتحدث باسم «صحة غزة»: المجاعة تضرب كل مناطق الشمال مدير «كمال عدوان»: نفقد جرحى لغياب الخدمات الطبية استشارى عظام: نضطر لعمليات بتر ومعظم الحالات إصابات فى مقتل العسولى: وضع الحوامل خطير ومأساوى «الاضطرار للجوء إلى نظام يفاضل بين المرضى فى الطوارئ فيتم ترك البعض يموت، من أجل إنقاذ البعض الآخر»، و«إجراء عمليات جرحية بدون تخدير، أو تخدير موضعى»، و«الولادة على ضوء هواتف محمولة»، و«زيادة نسبة الوفيات بين الجرحى لصعوبة تقديم خدمات صحية»، «الموت جوعا بسبب سوء التغذية والجفاف فى ظل شح المساعدات»، مواقف صعبة وتحديات هائلة، تحدث عنها مسئولون بوزارة الصحة الفلسطينية ومديرو مستشفيات وأطباء فى غزة فى تصريحات ل«الشروق» توثق شهادات صادمة عما وصل إليه الوضع الصحى فى القطاع وتحديدا فى الشمال بعد دخول الحرب الإسرائيلية على القطاع شهرها السادس. ويقول الدكتور أشرف القدرة، المتحدث الرسمى باسم وزارة الصحة الفلسطينية فى غزة، فى تصريحات ل «الشروق»: إن الاحتلال الإسرائيلى يضع سكان شمال غزة فى مثلث الموت، وهو؛ فقدان الرعاية الصحية، وإحداث المجاعة، والاستهداف المباشر، «لذا فنحن نحمل الاحتلال الإسرائيلى المسئولية كاملة عن حياة آلاف المواطنين بشمال القطاع». ويؤكد القدرة أن «الاحتلال تعمد إنهاء المنظومة الصحية فى شمال غزة، وقام بتدمير ممنهج للبنى التحتية للمؤسسات الصحية». الدكتور أشرف القدرة المتحدث باسم وزارة الصحة في غزة وفى توصيفه للوضع الصحى الحالى فى الشمال، يقول القدرة إن: «كافة مستشفيات شمال قطاع غزة تعتبر نقاطا طبية، وليست مستشفيات، حيث ليس بمقدورها أن تقدم الخدمات الصحية المناسبة والملائمة لإنقاذ حياة الجرحى والمرضى الآن». كما ينوه أنه خلال الأسابيع الماضية قامت الطواقم الطبية بعملية إنعاش لبعض أجزاء من مستشفيات شمال قطاع غزة لا سيما فى مجمع الشفاء الطبى، حيث تم تشغيل جزء من الطوارئ، وكذلك خدمة غسيل الكلى، وعدد من غرف العمليات إضافة إلى المستشفى المعمدانى، وكذلك أيضا أجزاء من مستشفيات كمال عدوان، والعودة، والحلو الدولى، والصحابة. ويحذر المتحدث باسم وزارة الصحة بغزة بشدة من أنه «خلال الأسابيع الماضية، وحتى هذه اللحظة بدأت المجاعة تضرب كل مناطق الشمال، وبدأت ملامحها واضحة على أجساد الأطفال والنساء الحوامل، وكذلك المرضى المزمنين والشباب بشكل عام». أما الدكتور حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان فى شمال قطاع غزة، فقد قطع بالكاد دقائق من وقته وسط انهماكه فى العمل اليومى بين أسرة المرضى وغرف العمليات، للحديث عن ما آل إليه الوضع الصحى فى غزة. ووصف أبو صفية فى حديث ل«الشروق» الوضع الحالى فى الشمال ب «الكارثى»، لاسيما بعد خروج مستشفى «كمال عدوان» عن الخدمة، فى وقت يتوافد فيه عدد كبير من الجرحى للمستشفى، مع تواصل المجازر الإسرائيلية، وآخرها مجزرة شارع الرشيد. وبحسرة، أكد «أبو صفية» أن صعوبة تقديم خدمة صحية، أدى لفقد عدد من الجرحى. الدكتور حسام أبوصفية مدير مستشفى كمال عدوان وفى ملمح مأساوى آخر، حذر الطبيب الفلسطينى من ازدياد خطر الموت المحقق للأطفال الرضع شمالى قطاع غزة، بسبب سوء التغذية، بعد أن اشتدت وطأتها فى ظل عدم وصول أى أطعمة أو وقود لمستشفى كمال عدوان. وتطرق أبو صفية وهو استشارى طب الأطفال، عن أصعب المواقف التى مر بها، قائلا: «هناك مواقف صعبة جدا تتكرر، بينها الاضطرار لتطبيق نظام المفاضلة فى اختيار الحالات بالطوارئ، فيترك البعض يموتون، من أجل إنقاذ البعض الآخر، ولو كان الوضع طبيعيا ما تركنا أى جريح بدون إنقاذه». وبسؤاله عن أكثر العمليات الجراحية تكرارا، أجاب: هناك عمليات استكشاف وفتح بطن وصدر المصاب لإيقاف النزيف بفعل القصف والغارات الإسرائيلية، حيث يتدخل فيها طبيب الأوعية، والجراحة العامة، وجراحة المسالك بسبب الإصابات الحرجة. من جهته، يقول الطبيب محمد الآسى، استشارى جراحة العظام والمفاصل، إنه لم يكن يدور فى خلده يوما ما أن يكون من بين الحالات المصابة التى يستقبلها فى المستشفى، شقيقه «بلال»، الذى استشهد قبل وصوله المستشفى إثر القصف الإسرائيلى على منتظرى شاحنة مساعدات غذائية فى شارع الرشيد بمدينة غزة، والتى عرفت ب«مجزرة الطحين». وكشاهد وطبيب فى آن واحد على تداعيات العدوان الغاشم، يقول الآسى من داخل مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح وسط القطاع، إن معظم الحالات التى تصل إلى المستشفيات إما إصابات فى مقتل (أى فى الرأس أو الصدر)، أو إصابات كبيرة فى البطن والأطراف السفلية. وتابع قائلا: معظم إصابات البطن تحتاج إلى أكثر من عملية جراحية، وهذا مستحيل الالتزام به وذلك لكثرة الحالات المصابة، أما إصابات الأطراف السفلية فهى تحتاج إلى أجهزة تثبيت خارجية، وهذه باتت غير متوفرة فى العديد من المستشفيات. ومن واقع عمله كاستشارى عظام، فإن «أغلب الإصابات فى الأطراف السفلية يصاحبها قطع فى الشرايين، وهو ما يتطلب وجود طبيب متخصص فى الأوعية الدموية، وللأسف فهذا أيضا غير متوفر فى معظم المستشفيات؛ لأنه تخصص نادر ودقيق، لذا قد نضطر فى بعض الحالات لإجراء عمليات بتر. ومن التحديات التى تواجه الفريق الطبى، نفاد معظم مخزون أدوية التخدير، حيث يضطر الأطباء أحيانا إلى إجراء العمليات بالتخدير الموضعى، أو بدون تخدير، وفى أماكن غير مخصصة لإجراء العمليات، بحسب الأسى. ويتذكر استشارى جراحة العظام إحدى «التجارب القاسية» التى صادفها للمرة الأولى خلال العدوان الحالى، قائلا: «إحدى الإصابات كانت فى مستشفى الشفاء، لفتاة اضطررنا لبتر 3 أطراف لها من شدة الإصابة التى تعرضت لها، وفى نفس الوقت كان هناك طاقم جراحى آخر يعمل فى إصابة البطن». وفى القطاع المنكوب، تتضاعف أيضا متاعب ومخاوف السيدات الحوامل، ففى ظل النقص الشديد فى الماء النظيف والغذاء، والأدوية والمستلزمات الطبية، لا تقتصر المخاوف على وقت الولادة، بل تتمثل فى إبقاء الرضع على قيد الحياة. أميرة العسولى طبيبة النساء والتوليد، التى قررت العودة إلى غزة أثناء الحرب لتأدية واجبها الإنسانى، رغم أنها كانت موجودة فى مصر بداية الحرب، تروى جانبا من المعاناة اليومية للسيدات الحوامل. «خطير جدا ومأوساوى»، هذا ما تصف به العسولى التى تعمل بمجمع ناصر الطبى فى خانيونس، فى حديثها ل«الشروق» وضع النساء الحوامل. تقول العسولى بصوت ممزوج بالحسرة والألم: «وضع سكان غزة فى غاية الصعوبة، فلا ماء نظيف ولا كهرباء ولا دواء، بل يقترب القطاع من مجاعة حقيقية، إلى حد اضطرار بعض سكان شمال غزة لطحن علف الحيوانات من أجل إطعام أولادهم». الدكتورة أميرة العسولي طبيبة النساء والتوليد واجهت الطبيبة الفلسطينية ولا تزال مواقف عديدة صعبة، بينها ولادة سيدتين مؤخرا داخل مبنى قديم، يفتقر لأدنى احتياجات ومقومات الولادة، حيث عانت إحداهن من انفصام فى المشيمة ونزف شديد لكننا نجحنا فى إنقاذ الأم والرضيع، واضطررنا لوضع خيوط جراحية لربط الحبل السرى»، مشيرة إلى أن أكثر الولادات طبيعية وليس قيصرية بسبب عدم توافر الإمكانات. وفى ظل انقطاع الكهرباء والوقود عن المستشفيات، يلجأ الأطباء أيضا لإجراء عمليات ولادة على ضوء هواتف محمولة.