مروة طالبة دار العلوم، حزمت حقائبها وسافرت من الواحات البحرية للقاهرة، حتى تصل فى يوم التسكين الخاص بها، فعلى الرغم من قرار هانى هلال بمنع سكن المنقبات بالمدينة الجامعية، فإن عقلها لم يستوعب القرار ولم يصدقه. سوء التوقيت للقرار الفجائى الذى تزامن مع بداية العام الدراسى، وانعدام التخطيط بدليل قبول الأوراق الخاصة بهم فى شهر أغسطس الماضى، وتحديد إدارة المدينة مواعيد سكنهم قبل القرار بأيام، بالإضافة لظروف الطالبات المغتربات من المناطق النائية، هذه العوامل من وجهة نظر مروة تقلل من شرعية القرار حتى ولو لأسباب أمنية كما قال الوزير، «من حقه يأخذ قرارا، لكن بعد الدراسة، لو أعلن القرار من كام شهر على الأقل كنا شفنا سكن بره». تتذكر مروة أنه على باب المدينة الرئيسية بالجيزة كان الواقع، فعلى الرغم من تعاطف الأمن فإنها لم تستطع مجرد العبور من الباب إلا بعد خلع النقاب، لتجد اسمها ضمن ملف مكتوب عليه «منقبات مستبعدات» يحتوى على 126 اسما للمنقبات بالمدينة، والتى تتراوح تقديراتهن الدراسية من امتياز إلى جيد، مشيرة إلى أن التقدير كان وما زال هو الشرط الأساسى للسكن. لم تجد الطالبة وزميلاتها عند مديرة المدينة أو المشرفة تبريرا مقنعا أو حلا سوى عبارة «دى تعليمات وبنفذها»، هذه الجملة التى تتكرر فى كل مكان حتى بمكتب الإدارة بمدينة الطلبة، أو نائب رئيس الجامعة لشئون الطلبة، الذى قدمت إليه مروة مع عشرين من زميلاتها التماسا تتعهد فيه بخلع النقاب داخل وخارج المدينة، فى محاولة أخيرة منها للسكن فى ذلك اليوم، «ما عنديش مكان أبات فيه ليلة واحدة، على ما أحجز وأسافر تانى يوم بلدنا». فى هذه الليلة تسللت الطالبة بعد خلعها النقاب داخل المدينة، بصورة غير شرعية، لتخاطر الزميلات باستضافتها، ليعرضن أنفسهن للطرد إذا علمت الإدارة، هذه التجربة التى جعلت القرار بالنسبة لمروة ومعظم من مر بتلك التجربة هو طرد فتيات للشارع بدون سابق إنذار. تنقل مروة عن ماهر منصور مدير عام التسكين المدن الجامعية أنه وقف فى جمع من الطالبات، ليقول بلهجة حاسمة: فيه أماكن فى المدن، بس الوزير قال المنقبات ما يسكنوش، قلعتوا لبستوا، مش هتسكنوا إلا بأمر وزارى، روحوا اشتكوا للوزير. انتهت خطبة المسئول، وانتهت بذلك أى مناقشة خاصة بالموضوع الذى يعتبره خارج سلطاته. لم تعرف مروة سوى منقبة واحدة فقط سكنت، «لبست النقاب فى آخر شهر من السنة، فاسمها ما نزلش ضمن المستبعدات»، أما الباقى فما زال يأمل أن يتم قبوله. أكثر من شهر مضى ومروة تتابع مع زميلاتها خطوات الالتماس بلا رد واضح من أى طرف سوى احتمال نزول كشف بالأسماء، التى تم قبولها بعد أسبوع، وهو الموعد الذى تواظب عليه مروة بلا نتيجة، «مش عاوزين نقاب، قلعناه طب إيه المشكلة؟»، تساؤل يبقى حتى الآن بلا إجابة. المشكلة لا تختلف بالنسبة لغادة طالبة الصيدلة، وإن كانت أكثر تعقيدا لأنها طالبة فى كلية عملية تستوجب الحضور المنتظم، وحتى السكن خارج المدينة لم يعد ممكنا، «الناس بقت فاكرة إن أمن الدولة ها يأخدهم لما نسكن عندهم»، أما القليل ممن رضوا فكان الضغط المادى هو المقابل ليصل إيجار الشهر لحجرة من ستة أشخاص ل200 جنيه، مما اضطر الفتاة للسفر يوميا من التبين جنوب محافظة حلوان حيث يسكن ابن عم الوالد، وحتى الكلية لمدة لا تقل عن الساعتين يوميا. مروة، التى خلعت النقاب سافرت بلا ميعاد محدد للرجوع، بعد أن رفض الأهل السكن خارج المدينة، وليظل اقتراب موعد الامتحانات مع عدم وجود مكان لتقضى به تلك الأيام أزمة حقيقية، أما غادة فقد زادها الموقف تصميما على عدم خلع النقاب، والدعوة إليه فى كل مكان والبدء فى إعطاء الدروس الدينية التى تدعو إلى ارتدائه.