بضوء أخضر من ترامب، الشيوخ الأمريكي يتجه لتشديد العقوبات على روسيا    وزير خارجية البحرين يبحث مع نظيريه القبرصي والأوكراني مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية    ما نعرفهاش، أول رد من اتحاد التنس على فضيحة اللاعبة هاجر عبد القادر في مسابقة دولية    رئيس كولومبيا: أطلعت ترامب على جهود مصادرة المخدرات في البلاد    عنصر من إدارة الهجرة الأمريكية يقتل سائقة في مينيابوليس خلال حملة هجرة مثيرة للجدل    واشنطن تفرض إشرافًا صارمًا على إيرادات النفط الفنزويلي    ريهام سعيد تثير الجدل بمنشور عن أزمة لقاء الخميسي    "بروفة" الأوسكار، "وان باتل أفتر أناذر وسينرز" يتصدران ترشيحات جوائز ممثلي هوليوود    أمطار رعدية ورياح مثيرة للأتربة وشبورة، الأرصاد تحذر من طقس اليوم الخميس    بعد أزمة بغداد، وائل جسار يتألق في مهرجان الفسطاط الشتوي بحضور كامل العدد (فيديو)    السيطرة على حريق نشب في منطقة زراعية بمحيط معبد كوم أمبو    أستاذ علوم سياسية: التحركات الأمريكية مدفوعة بأسباب اقتصادية وداخلية وجيوسياسية    مؤتمر فليك: هذه الطريقة التي أريد أن نلعب بها.. وغياب لامال ليس للإصابة    مدرب بورنموث: لسوء الحظ سيمينيو خاض آخر مباراة معنا    مصطفى شكشك: أتمنى إتمام الانتقال إلى الأهلي فى يناير    عبر المكبرات.. المساجد تهنئ الكنائس والمسلمون حاضرون في أعياد الميلاد بقنا    رئيس الوزراء الأردني يؤكد تعزيز الشراكة مع البنك الأوروبي لدعم مشروعات التنمية    غيبوبة سكر.. أمن القاهرة يكشف ملابسات العثور على جثة مسن بمصر الجديدة    رئيس المجلس الأوروبي: الاتحاد يدعم جرينلاند والدنمارك ولن يقبل بانتهاك القانون الدولي    كيف تلاعب "عيدروس الزبيدي" بجميع الأطراف باليمن وصولاً إلى إعلان "هروبه"؟    اعمل حسابك في هذا الموعد، انقطاع المياه عن بعض المناطق بالجيزة لمدة 8 ساعات    محمد زهران بعد خسارته: الناس زعلانة فى المطرية لأنى كنت هخدمهم وأجيب حقهم    الطفل ريمون توفيق يوضح كواليس مشاركته فى the blind date show    محمد بركات: خبرة لاعبي منتخب مصر حسمت مواجهة بنين    عضو اتحاد الكرة: تريزيجيه يسابق الزمن للحاق بمواجهة كوت ديفوار    محاكمة مسؤولي اتحاد السباحة بعد وفاة السباح يوسف .. اليوم    أمم إفريقيا - منتخب الجزائر يستضيف ويكرم مشجع الكونغو الديمقراطية    اتحاد منتجي الدواجن: المخاوف من وصول الأسعار إلى 90 جنيهًا قبل شهر رمضان مبالغ فيها    القصة الكاملة لواقعة رئيس مدينة مع بائع طعمية بقنا    إحالة رؤساء القرى والجمعيات الزراعية بالطريق الزراعي بالقليوبية للتحقيق    مصرع طفلة رضيعة بمركز طهطا بسوهاج فى ظروف غامضة    رئيس جمعية الرفق بالحيوان بالقاهرة يحذر من تفاقم أزمة الكلاب الضالة ويطالب بحلول عاجلة    صراخ وتجمهر.. التفاصيل الكاملة لمشاجرة بين أهالي مريض وأمن مستشفى كفر شكر    بعد انهيار عقار القناطر الخيرية.. فصل المرافق عن العقار المنهار    الاتحاد الجزائري يكرم مشجع الكونغو المعروف بالتمثال البشرى    محافظ سوهاج ومدير الأمن يختتمان الجولة بتهنئة الأخوة الأقباط بعيد الميلاد    كيف تصدى القانون لجريمة التحرش في وسائل النقل؟.. القانون يجيب    البابا لاون الرابع عشر يفتتح الكونسيستوار الاستثنائي بالفاتيكان    وزير الإسكان يُعلن طرح حزمة من الفرص الاستثمارية بمدن العبور والعاشر من رمضان وطيبة الجديدة    "مراد وهبة" فارس معركة العقل في الثقافة العربية الحديثة    مفاجأة بشأن طلاق محمد عبد المنصف لإيمان الزيدي.. تعرف عليها    البيت الأبيض يعلن إعادة ضبط شاملة للسياسة الغذائية الفيدرالية لتعزيز الصحة العامة والوقاية    سلامة الغذاء: منتج حليب الأطفال سما غير مسجل بمصر.. والسحب الاحترازي لمنتجات نستله المتداولة    الصحة: الخدمة في مراكز علاج الإدمان الحكومية المرخصة مجانية.. وبيانات المرضى سرية    نقابة الصيادلة عن سحب تشغيلات من حليب نستله: المشكلة تكمن في المادة الخام    القس أرنست نادي يكتب: صوت من المذود.. كرامة الإنسان وهُويته الأصلية وسط معايير مُغلوطة    ضبط سيدة تنصب على المواطنين بدعوى توظيف الأموال    مدير مستشفى أمراض الباطنة بطب قصر العيني تتابع جاهزية الأقسام خلال إجازة عيد الميلاد المجيد    حمدي قوطة يتقدم بأوراق ترشحه رسميًا فى انتخابات رئاسة حزب الوفد    هل تصح صلاة المغرب بين أذان وإقامة العشاء؟.. أمين الفتوى يُجيب    عبور الوعى إلى تخوم المعرفة    ما حكم أرباح الوديعة البنكية والإنفاق منها على البيت؟ أمين الفتوى يجيب    طريقة عمل البسلة والجزر باللحمة بمذاق رائع    هل يفضل طاعة الوالدين على السفر والعمل؟.. "الإفتاء" تًجيب    خبير اقتصادي يحذر رئيس الوزراء من مبادلة الديون بأصول الدولة    بمناسبة عيد الميلاد المجيد.. توزيع ورود وحلوى على المحتفلين بكنيسة مارجرجس بدسوق| صور    وزارة الأوقاف تحدد خطبة الجمعة بعنوان " قيمة الاحترام" "والتبرع بالدم"    المحافظ يشارك أقباط مطروح قداس عيد الميلاد المجيد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



وحيد الطويلة: الكتابة لا تشفى جروح أحد لكنها تأخذنا إلى الصدق وسط مهرجانات الزيف
نشر في الشروق الجديد يوم 15 - 11 - 2019

أيام عماد حمدى الأخيرة كانت بائسة وبها طعم المرارة وصورته فى «ثرثرة فوق النيل» أقرب لحالته الحقيقية
السخرية طاقة الشعب المصرى على الاستمرار والبقاء ولكنها لا تخفف من قسوة العالم
المجتمع بشكل ما يتحول فى لحظة إلى عالم من «المسجلين خطر»
على مقهى صغير بمدينة دسوق، جاءت لحظة ميلاد الكاتب والروائى وحيد الطويلة. حيث كانت والدته فى طريقها لمستشفى الولادة بمحافظة «كفر الشيخ»، لكن كان للمولود رأى آخر.
اختار المقهى مكانا لميلاده، كما اختاره فيما بعد مكانا لميلاد أعماله، فعلى المقاهى تتجلى إبداعات «الطويلة»؛ يستكشف فيها العوالم ويبحث عن الأبطال المحتملين لعمله القادم، فيها يجتمع بأصدقائه من المثقفين، وتدور الأحاديث حول الأدب والحياة، ومنها مُنح لقب «رئيس رابطة المقاهى»، وزعيم «دولة المعسل» وصاحب «الحكايات الحلوة والألفة».
على تلك المقاهى كتب وحيد الطويلة مؤلفاته الأدبية «ألعاب الهوى أحمر خفيف باب الليل حذاء فيللينى، وكما يليق برجل قصير خلف النهاية بقليل مائة غمزة بالعين اليسرى». و«جنازة جديدة لعماد حمدى» روايته الأحدث الصادرة عن دار الشروق، وحول هذه الرواية ومفاتيحها الفنية وعوالم الكتابة والأدب، أجرت «الشروق» مع الروائى وحيد الطويلة، هذا الحوار:
الضباط والمرشدون وحتى العاهرات.. عوالم شرحتها بعمق على الرغم من اختلافها.. أيها كان الأصعب فى السرد؟
الجزء البارز فى عالم الرواية يحاول كشف عالم «المسجلين خطر»، المرشدين والمخبرين.. لكننا فى الخير كما أظن أمام حالة خاصة، مسجل خطر كبير يتحول إلى مرشد، لكنه يعى بل يصر أن يكون مرشدا كبيرا، وخياركم فى الجاهلية خياركم فى الإسلام، شاهدت أثناء حياتى عددا كبيرا من المرشدين والمسجلين يكفى لإنشاء قبيلة.. المسجلون والمرشدون والمخبرون قبائل مثل النمل والفيلة أيضا، رأيت الذى يسحب الموس من تحت لسانه ليقوم بتمزيق وجهه أمام الضباط ويتوعدهم باتهامهم بالتعذيب، رأيت الذى يشق خصيتيه فى قلب قسم الشرطة، رأيت العالم الذى يخصهم كيف يتشكل، وما الذى يحكمه. كان مهما أن أعرف العالم الآخر وهو المسافة بينهم وبين الضباط الذين يعملون معهم، أقصد المرشدين. ما الذى يسمح به الضابط للمرشد، متى يستغل المرشد اسم الضابط وسلطته لتصبح السلطة مضاعفة ومرة، هل يفشى له الضابط كل الأسرار أم يحتفظ ببعض منها؟ لم تكن مقابلاتى لثلاثين ضابطا لكى أعرف العالم، ولم يكن مهما أن أعرف الواقع بقدر ما أردت أن أعرف «قفا الواقع»، قد يحكى لك ضابط حكاية لكن حين يحكى الضباط معا أو المرشدون معا أو من خلف بعضهم البعض تعرف قفا الواقع، تعرف البخار والبخور، ترى البخار بعينيك وتشم رائحة البخور جيدا، وربما كان ذلك هو البصمة الحقيقية التى تتبقى لك.
طبعا المرشدون والمسجلون كانوا أسهل فى التعرف على عالمهم، المجتمع بشكل ما يتحول فى لحظة إلى عالم مسجلين بالكامل، دولة المنادين فى شوارع مصرعلى سبيل المثال. كيف يلعبون؟ لعب فردى أم جماعى، من يحميهم أو بمن يحتمون؟ وأين تذهب غنائمهم فى نهاية الأمر؟ فى تونس على سبيل المثال لن تجد مناديا واحدا إلا يوم الأحد يوم الإجازة عند سوق كبير، يأخذ ما تعطيه له وهو قليل دون أن ينظر إلى ما أخذ أو يقلب شفتيه أو يرسل لك نظرة ازدراء، محللو التليفزيون الذى استأجروا شققا فى مدينة أكتوبر ليكونوا قريبين من مدينة الإنتاج الإعلامى، تحت الطلب فى كل لحظة هم من وجهة نظر مسجلون خطر لا بما يقولونه فحسب... قوافل المتسولين فى كل مكان عندنا، فى تونس أيضا لم يكن هناك متسول واحد أيام «زين العابدين»، لا بسبب الاكتفاء وإنما بسبب الخوف. القمع يمنع ظهور المتسولين لكنه لا يمنع الجوع. أظن أننى أعرف عالم بائعات الحب بشكل كبير، قلب العالم أقصد، وما يحدث يوميا ما هو إلا تنويعة على ما رأيت غالبا، ولولا زوجتى وأولادى لكتبت هذا العالم كاملا، أحد روائيينا الكبار كان يقول إنه لم يكتب كل ما خبره أو حدث له فى حياته مخافة أن ترتد ألسنة الناس على أولاده. وقد كان عالم الضباط هو العالم المملوء بالمحاذير وسيظل، لا تستطيع أن تكتب عن مدير المباحث الذى اتفق مع تجار المخدرات ولا عن الضباط والأمناء الذين أبلغوا عن موعد قيام الحملة على تجار المخدرات فقتل زملاؤهم على الرغم من أن الخبر نشر من قبل، لكن اللحظة تغيرت.
حجم الرواية ليس بالكبير على الرغم من دسامة أحداثها وتعدد أبطالها.. فهل قمت بحذف بعض النصوص؟
أنا أحذف جملا قليلة وألفاظا بسيطة فى الغالب، لكننى لم أحذف مشاهد كاملة من قبل إلا فى هذه الرواية، أعترف بمرارة أننى حذفت 12 ألف كلمة. كنت متحسبا أن تمنع الرواية، لم أكتب بالخوف ولا بالخشية، كتبت أولا ثم حذفت بالدمع فى النهاية، نحن فى لحظة يصعب فيها أن تقدم نموذجا سلبيا، نحن فى لحظة الشهداء، وهم دافعوا ويستحقون التكريم، لكن ليس كل القبيلة أخيارا، هناك هواء يمر فوق الرءوس يصرخ: إننا فى لحظة حرب، وعليه فيجب على كل كتابة أن تسير تحت رايتها، لكن الكتابة بشكل عام ضد الحرب وإن كانت تقتفى جيدا أصوات الرصاص. ربما ساعدنى أن الضابط فى الرواية نموذج إيجابى من وجهة نظرى؛ فنان يرسم ويقرأ ويعرف أكثر من زملائه، حتى إن المأمور يصرخ فيه: «يابنى الظابط اللى زيك يروح أمريكا» لكن زملاءه ومن يعملون حتى تحت رئاسته يرونه نموذجا سلبيا: «ضابط خفيف». وفى الأخير نحن أمام عمل بالخيال، لكن الخيال فى لحظتنا ترف بل نزق، ويجب أن نحكى فقط عن الأبطال.
استخدمت فى الرواية أسلوب المخاطبة المباشرة مع القارئ على الرغم من ندرته. متى يستدعى الروائى هذه الحيلة؟
عزت القمحاوى وهو واحد من أنبه كتابنا. بعد أن قرأ الرواية أشار بقوة إلى هذا الملمح، يقول على لسان تيودروف: إننا أهملنا القارئ بما يكفى للاعتذار له والعودة إليه مرة أخرى. وطبعا ربما هذه حيلة من جانب لكن لا أنفى أنه قصد من جانب آخر، ربما أردت أن أسحب القارئ معى وأزيح الحجاب بيننا، لكننى لم أُزِل الوهم، الوهم أو المسافة بين القارئ والنص لها سحرها، لكن أن تصحب القارئ وتضعه فى قلب الحدث حالة أخرى تشعره بأنه مشارك فى النص، وسواء أحب أم لم يحب فسوف يمضى معك حتى النهاية ليعرف مصيره بجانب مصائر الشخصيات. النص ملك القارئ، لكننى ربما أحببت أن أورطه حتى لا تزيد سلطته على النص وعلى الكاتب، وحتى يكون متورطا لا حاكما فقط، ربما يرجع هذا لأننى أكره السلطة المطلقة بكل أشكالها حتى سلطة الأب.
لم تكن هذه أول مرة، أزعم أننى فعلتها فى رواية باب الليل، كنت أسحب القارئ معى باعتباره ضيفا، لكننى صحبته معى هنا باعتباره صاحب العمارة نفسها، والشخصيات هم السكان، جرجرته بقوة مع أننى أعطيت له الحرية منذ البداية وتركت له الخيار أن يمضى معى أو يرفض، لكنه اختار، والاختيار هو سؤال الوجود منذ الأزل، هو السؤال الذى لا ينتهى، ربما كنت محتالا كشخصيات الرواية، احتلت عليه، لكننى أتمنى أن يكون هو الرابح فى النهاية. فلا بأس بحيلة لا نقربها كثيرا، لكنها تأتى بالمتعة فى النهاية.
متى يمكن للكاتب أن يتوغل فى خفايا النفس البشرية لأبطاله ويكتبهم بحيادية دون تحامل أو تعاطف؟
لا أحد حياديا فى هذا العالم، نحن نعيش بهوانا، حتى الذين يملكون قلوبا من حجارة يقعون فى هوى الحجارة، كلنا متورطون بالمحبة والهوى، لكن هل كان ديستوفسكى متحاملا أو متعاطفا؟ أسمع دائما أننى أكتب بالحب وإننى أكتب بروحى، ومتعاطف تماما مع شخصياتى، لكننى لست واقعا فى غرامها إلى شكل ليس لها، ولا هى تحتاج منى ذلك، أنا واقع فى غرامها بالدرجة التي تجعلها تظهر على حقيقتها أو قولى إنسانيتها. فى رواية حذاء فيللينى، كان هناك جلاد، ليس هناك فعل على ظهر الأرض أقبح من التعذيب، حتى الكتابة لا تطال بشاعته مهما قالت، حتى أن الشيطان فى الرواية يقول إن الشياطين تعذب الناس بالمتعة أما البشر فهم من يعذبون بعضهم بعضا، وأنه حين اخترعت الآت التعذيب صامت الشياطين عن الأكل 300 سنة شيطانية، ورغم ذلك فإن هناك جانبا «إنسانيا» تحكيه الكتابة، إنه أى الجلاد يحمل بنته القعيدة بين يديه، وقد يبكى لأجلها، إنه يفرد سجادة ويصلى، بالمناسبة كل الجلادين يصلون، وكل واحد منهم يخترع أو يجد إلها، هذا إذا كان من الممكن ألا يؤمن بألوهيته الكاملة، أو يتجاوزها، معظم الذين يعيشون بالسلطة يعيشون ببطش الإله.
لا يمكن أن أتعاطف مع الجلاد أبدا مهما تواترت آيات التسامح، لكن لحظة الكتابة هناك شخصية لها جانب آخر عليها أن تفصح عنه مهما أدانته. عندما ظهرت صور التعذيب فى سجن أبو غريب، صورة المرأة التى تطلق الكلب على سجين أعزل لينهشه، كانت زوجتى تقول: هل لهذه المرأة حبيب! هل يمكن أن تقول له: أحبك، هل هى تقبل حبيبها مثل البشر؟ هل تعرف معنى جمر العشق؟ وعلى الرغم من ذلك لو كتبتها فربما أجعلها تذهب إلى حضن حبيبها، حتى لو كنت أراه حضنا بالدم. فنحن لا نكتب العشق، نحن نكتب جمره الذى يحقق إنسانيتنا، وشغفنا بالحياة وشغفنا بأننا بشر نستحق بشريتنا، نحبها ونحترمها ونسعد بها. أحببت شخصيات صنعتها فى الكتابة، وحضنتها بعد أن اكتملت بنقصانها، وأحيانا تأتينى فى أحلامى.
تقول فى «جنازة جديدة لعماد حمدى»: الشغلانة التى تعلم الإقدام تعلم. ما أهم ما علمتك إياه الكتابة؟
لا أعرف حقيقة، يقينى الدائم أنها فعل الحرية الأعلى دون أدنى سلطة عليك سوى إنسانيتك التى تتشاركها مع بقية البشر، أؤمن بأن أحلام النساء فى «موكوندو» قرية ماركيز هى الأحلام والأشواق ذاتها لنساء قريتى فى أبعد نقطة من شمال مصر والتى لم يصلها الملك مينا، سوى شغفك بالأمل فى كبح القبح، الفن لا ينمو بغير حرية، وعلى الرغم من ذلك فهناك فنون ظهرت بقوة فى أوقات القمع، ومواهب تألقت على الرغم من الحصار، عباس كياروستامى وجعفر بناهى ومحسن مخملباف وابنته سميرة تألقوا بقوة تحت سقف القمع، هم تحايلوا، لكنهم تحايلوا بصدق فنى حقيقى. تستطيعين أن تمنعى الرجال شيئا يحبونه، لكنك لا تستطيعين أن تمنعى النساء.. الحيلة ولدت مع المرأة، لا أحب التاتو الذى تقوم به النساء فى حواجبهن على الرغم من تعاطفى مع الأسباب، ومن النادر أن يلفت نظرى ماكياج وجه إلا قليلا، أحب تلك الحواجب الأصلية «المنتوفة» بمحبة، بشعرة أفلتت من الرقابة أحيانا ليكتمل الجمال بالنقصان، فلتتحايل على النقصان بالماكياج، باللعب بحب، شرط أن يكون صادقا فى محبته.
قالت لى كاتبة: أحببت رواية باب الليل وهذا المقال الذى كتبته عن بداياتك أكثر من أى شىء، قلت فى لهفة: وحذاء فيللينى وألعاب الهوى الرواية التى وقعت فى غرامها؟ قالت: كله حلو، لكن هنا أحسست كثيرا بالصدق الفنى. الكتابة لا تشفى جروح أحد، علها تذهب بنا إلى الصدق وسط مهرجانات الزيف. علنا نكون صادقين على الأقل بالفن.
كل شخصيات الرواية أبطال لهم حكايتهم ومصائبهم وقدرهم.. ألم تخش أن يؤثر هذا العدد الضخم سلبا على الرواية؟
هناك دوما أحكام جاهزة على عمل به شخصيات كثيرة، قد يتوه منك القارئ. لكنى أظن أن الروائى الحاذق ليس من يذكرنا بها، بل من يجعل شخصياته هى التى تلح علينا لتظهر، هى من تذكرنا بنفسها، كل هذه الشخصيات فى رواية واحدة لمحفوظ ولا تنسى واحدة. شخصيات كثيرة نعم، بعضها أشعلها أمامك ولا أعود إليها إلا فى المصائر وقد لا أعود، هى اكتملت بلحظتها وربما يترك لك الكاتب تخيل مصيرها، ألم يصحبك معه فى الرحلة؟ وبعضها اكتفى بظهور ثانوى ومضى، لكننى مولع دائما بهذه الشخصيات الثانوية، مثل ممثل يظهر فى دور صغير ربما تتذكره أكثر من الأبطال الكبار، أنا اتذكر توفيق الدقن وعبدالمنعم إبراهيم أكثر مما أتذكر مدبولى.
ربما لأننا شخصيات ثانوية فى الحياة، نفعلها بدور قصير ونترك أثرا لأقدامنا. لم أفعلها فى هذه الرواية فقط، فعلتها من قبل فى أحمر خفيف وفى باب الليل. المهم كيف تكتب هذه الشخصيات مكتفية بنقصانها، المهم كيف يظهر العالم من حركة الشخصيات، المهم هو هذا العالم، «ناجح» فى الرواية أظنه تعبيرا عن عالم، وجه القفص وقلبه، وليس شخصية فقط حتى لو كان المصنف رقم واحد. الروائى الموهوب محمد خير، قال لى بعد أن أصدرت رواية «أحمر خفيف» كان عندى سؤال: بعد أن فرط وحيد هذا العالم وبعثره، كيف سيستطيع أن يعيد لملمته مرة أخرى. أظن أن صبرى حافظ، قال إن سلطات الاحتلال الإنجليزى استغلت التصميم الدائرى لشوارع جاردن سيتى، من يهرب من المتظاهرين يعود لنفس النقطة التى انطلق منها ليمسكوا به بسهولة. الرواية عندى أحيانا مثل هذه الشوارع، النقطة التى تبدأ منها هى التى تعود إليها، لكنها ليست ذات النقطة، تغير الزمن وتغيرت اللعبة كلها. أظن أنه الرزق، بعض الكتابة رزق.
الرواية مليئة بالتناقضات فهل قصدت إنسانيتها؟
العالم كله ملىء بالتناقضات، الحياة سرها فى هذا التناقض، ربما لولا ذلك لاختفت الروايات، لكن كما أن هناك تناقضات موجعة فهناك أخرى مبهجة وموحية وتشير بقوة إلى فتنة الحياة. تحضرنى قصيدة لريتسوس الذى يكتب بالسرد وسرق منه شعراء كبار هذه اللعبة، عن عتال انقلبت السيارة التى يعمل عليها، راح يدور حولها يلملم ما قد يتساقط من أقفاص البرتقال، حين تدحرجت بعض حبات نحو شاطئ البحيرة، البرتقالات تنزلق وهو يتدحرج خلفها، يلحق واحدة وتفر أخرى، فى اللحظة التى يحاول الإمساك ببرتقالة متمردة أطلت الصبايا فجأة حاملات جرارهن فوق رءوسهن، جرار تتمايل من تمايل الخصر، ساعتها تماما، ترك البرتقالة للجحيم وأخرج مشطا من جيبه وراح يمشط شعره.
التناقضات أحيانا تحمل مصير العالم بقوة، اذهبى إلى تاريخنا القريب، بعد مظاهرات الطعام فى 1977، كان أفراد الحراسة يأكلون ومن يمر لتفقدهم لابد أن يأكل، والسكرتير الشخصى للرئيس أصر حسب رواية ضابط وقال «سيقولون مر ببيته واحد من شعبه ولم يأكل». الشابة التى كتبت على صفحتها لزوجها، حين ترانى عصبية، لن أعطيك نصيحة وأقول لك كلمنى أو اصمت، لا أعرف الحل، كلامك قد يجعلنى ازداد حدة وصمتك قد يدفعنى إلى الغضب الشديد: «اتصرف، دى شغلانتك» ستشير واحدة حلوة إلى نفسها وتقول: نحن النساء مليئات بالتناقضات ثم تضحك ضحكة حلوة تلف العالم.
كتبت رؤيتك بلغة متوهجة ممزوجة بسخرية موجعة فإلى أى مدى تؤمن بقدرة السخرية على نقد الواقع؟
أنا فى العادة أقرأ مجلة ميكى قبل النوم، لم تكن متوافرة عندنا فترة طفولتى، رأيت أول أعدادها وأنا فى الصف الثانى الإعدادى، لذا بقيت طوال عمرى أقرؤها كأنى أملأ طفولتى بما فاتها، كأنى أستعيدها خوفا من أن أكتشف أننى كبرت، كأنى أرى وجهى فى أبطالها أكثر مما أراه فى المرآة، تتنفض زوجتى من النوم على صوت ضحكة عالية لى، فى البداية كانت تستغرب وتقول الراجل مخه ضرب، لكنها مع الوقت أصبحت تضحك على ضحكى، سخرية عم دهب ليست موجعة وتثير الضيق غالبا، إنها فى الأخير سخرية ضد واحد أعزل تقريبا، ضد بطوط المسكين، لكن حين تضحك الأقدار لبطوط ويسخر من عم دهب المستبد الرأسمالى أو من حظ محظوظ فهى السخرية فى أحلى تجلياتها، هنا تتجلى جملة فولتير «السخرية هى سلاح الأعزل المغلوب على أمره». أقرأ منذ فترة كتاب «هوامش المقريزى» للكاتب الكبير صلاح عيسى، أقرؤه قبل النوم، حين بدأت أهمل فى الفترة الأخيرة متابعة أعداد ميكى، وهذا ما أزعجنى حين انتبهت له، قد يعنى ذلك أننى بدأت أغادر طفولتى وأننى بدأت فى الدخول لمرحلة الشباب. فى هوامش المقريزى تتجلى قدرة الشعب المصرى على السخرية تحت القمع، إنها أحد أفضل الأسلحة التى استخدمها ضد محتليه على مدى الزمن، إنها الطريقة التى كان يبصق بها على وجه قامعيه كما يقول عمنا المترجم العظيم سيد إمام، وبشكل أكثر التصاقا فإن السخرية هى أحد أهم مكونات الشعب المصرى هى الطاقة التى أعانته على الاستمرار والبقاء، مادام عاجزا عن تغيير أوضاعه. نسخر من كل شىء من أنفسنا أولا، من هزائمنا فى مباريات الطاولة وكرة القدم، حتى فى قلب الثورة كان السلاح الأمضى هو السخرية، «هو يمشى، مش هنمشى، إمشى بسرعة، عاوز أروَح استحمى». فالسخرية لا تأتى لتخفف من قسوة العالم بل تقف بقوة فى وجهه، تشيكوف كان يقول إنه لا يفهم كاتبا يخلو من حس السخرية.
ما هى الأعمال القادمة التى يعدنا بها وحيد الطويلة؟
لا أعدك بشىء، وأعتذر، وعدت زوجتى بأشياء كثيرة لم أفعلها، وأنا يقتلنى لوم حبيب، تقتلنى قلة الحيلة، كل رواية أكتبها أقتنع أنها الرواية الأخيرة، أفكر كثيرا فى الموت، أحيانا أفكر أن أكتب جزءا ثانيا من باب الليل، عشت فى تونس لحظة بدء حظر التجوال أثناء الثورة ووجدتنى فجأة وحيدا، ظهر نصيبى من اسمى، كل الناس هرعت لبيوتها قبل بدء الحظر بساعتين، وأنا أرتعد من الحيرة واليأس، أنقذتنى مصادفة، صاحب المقهى المجاور لسكنى مختلف مع زوجته ولن يعود لبيته، نمت فى المقهى على كنبة لأكثر من ثلاثة أسابيع حتى رحل بن على، أبحث عن فضاء لا يجعلنى أسقط فى التكرار، أكره الروايات التى تلعب فى نفس المكان والأجواء مع إيمانى الشديد بجملة فيللينى بأنه يمكنك أن تصنع من هذا الفيلم فيلما آخر.
كل أمنية حمدى أبوجليل أن يكتب أربع روايات فى حياته، وهو كاتب جيد أحب جرأته على اللغة كما أحب هو جرأتى عليها من البدايات فى ألعاب الهوى، وأنا كتبت خمس روايات منها ثلاثة جيدة حسب ظنى، وأظن أن ثلاث روايات جيدة قد تدخل الجنة.
هل فكرت فى كتابة السيرة الذاتية؟
من يفكر فى كتابة السيرة الذاتية فى العالم العربى؟ عبدالرحمن مجيد الربيعى كتب جزءا من سيرته وأظنه أجحم عن كتابة الجزء الثانى، ماذا حدث للويس عوض بعدما كتب الجزء الأول الممتع «أوراق العمر»؟ تواتر إلينا منع رمسيس عوض من نشر الجزء الثانى الذى كنت أنتظره شخصيا. المصيبة أن الحديث عن المنع اتخذ صفة امتلاك السيرة، هم أولى بها وهم أصحابها، والمصيبة الأكبر أن الدكتور رمسيس وجد من يدافع عن خياره الأصيل بالمنع. سيرتنا فى العالم العربى هى سيرة القبيلة، العالم العربى نفسه مازال يحكم بالعشيرة، ومن يشذ فهو مارق بالطبع.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.