أتمنى مخلصا من حكومة دولة البحرين أن تعيد النظر فى ورشة المنامة التى يفترض أن تعقد فى 25 يونيو الجارى. هذه الورشة اقترحتها الإدارة الأمريكية ظنا أنها ستكون مدخلا مختلفا وجديدا ومهما لتسوية الصراع العربى الاسرائيلى المستمر منذ عام 1948. الرهان الأمريكى الذى يقوده جاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، ومعه جيسون جرينبلات والسفير الأمريكى «المتصهين» فى تل أبيب ديفيد فريدمان، يعتقد أن إعطاء مميزات اقتصادية للفلسطينيين كاف لحل الصراع. هى رؤية تتفق وثقافة دونالد ترامب الذى ينظر لكل شىء من بوابة الصفقات والمشروعات والأموال والأرباح والعقوبات. أتمنى مخلصا أن يعيد المسئولون فى البحرين النظر فى الأمر، وأن يعيدوا قراءة تاريخ الصراع العربى الإسرائيلى منذ بدايته وتاريخ الصراعات القومية او الايديولوجية. هذا الصراع لا يدور حول نزاع على شركة او بضعة ملايين او مليارات من الدولارات او حول خناقة عابرة بل يدور بشأن ارض وعرض وثقافة وقومية ودين واحتلال وتشريد شعب منذ عام 1948. أتمنى منهم ألا يطالعوا المقالات الفلسطينية الغاضبة جدا من هذه الورشة، بل أن يقرأوا ما جاء فى مجلة «فورين بوليسى» والتى لا يمكن لاحد أن يتهمها بأنها ضد إسرائيل. المجلة قالت فى تقرير نشرته يوم الخميس الماضى «30 مايو» إن الورشة التى تنظمها أمريكا فى المنامة ستفشل لأنها محاولة احتيال أمريكية على الحقوق الفلسطينية. فورين بوليسى تستبعد أيضا أن تبادر الدول الغنية المشاركة فى الورشة إلى ضخ استثمارات فى الضفة وغزة، على أساس أنها تجهل حقيقة اللعبة وهى محاولة واشنطن تحقيق الأهداف الاقتصادية للفلسطينيين على حساب حقوقهم السياسية. أتمنى أن يقرأ المسئولون فى البحرين وسائر الدول المتحمسة للورشة، ما قالته فورين بوليسى بأن واشنطن أخطأت تشخيص المشكلة بأكملها، حينما ركزت على الشق الاقتصادى فقط. خصوصا أن تقارير عديدة من قبل البنك الدولى ومؤسسات عالمية أخرى شددت على أن ما يحتاجه الفلسطينيون هو الحرية والخلاص من الاحتلال قبل المساعدات المالية. يقول تقرير الفورين بوليسى إن الورشة لم يعد لها معنى بسبب رفض السلطة الفلسطينية وحركة حماس والقطاع الخاص الفلسطينى ومعظم الفعاليات الفلسطينية لها. وسأل التقرير سؤالا بديهيا: كيف ستساعد الورشة الفلسطينية وهم لن يحضروها؟! من حق الفلسطينيين كما تقول المجلة أن يشككوا فى أهداف الإدارة الأمريكية بعد قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وكذلك بسيادتها على الجولان ووقف جميع المعونات المالية للسلطة الفلسطينية، ولوكالة الأونروا التابعة للأمم المتحدة والمختصة بمساعدة اللاجئين الفلسطينيين. فى ختام التقرير تتهم الفورين بوليسى إدارة ترامب بالاحتيال، وأنه يلعب دور مقوض السلام وليس الوسيط والراعى النزيه، وسوف تتسبب سياسته فى الكثير من الألم للفلسطينيين، الذين لم يعد أمامهم خيار الآن سوى توحيد صفوفهم بدلا من الاستمرار فى الانقسام. تقرير الفورين بوليسى ليس فريدا من نوعه، بل هناك العديد من البلدان الأوروبية تتبنى نفس الأمر، لكن لا تستطيع أن تجهر به رسميا، بل إن هناك كتابات إسرائيلية عديدة تتبنى نفس وجهة النظر. أتمنى مرة أخرى أن يعيد المسئولون فى البحرين التفكير فى الأمر، وألا يرتبط تاريخ الصراع العربى الصهيونى بأن المنامة حاولت أن تستضيف هذه الورشة المشبوهة جدا، التى يرفضها كل الفلسطينيين ولا يتباهى بها إلا اليمين العنصرى المتشدد فى واشنطن وتل أبيب. يمكن لحكومة البحرين وغيرها من الدول المتحمسة لهذا النوع من التفكير أن تدرس خيارا بسيطا ويتماشى مع الشرعية الدولية وهو أن تقنع الولاياتالمتحدة وإسرائيل، ببدء تطبيق قرارات الشرعية الدولية، حتى لو كانت بالتدريج. لكن الاعتقاد بأن تمنح المقتول بعض الأموال مقابل أن ينسى جريمة قتله وسرقة أرضه، فهذا أمر يستحيل حدوثه! خصوصا أن القاتل يرفض الإقرار بجريمته بل ويحاول حتى التملص من صفقة القرن بصيغتها المشبوهة وهو ما اكتشفناه مؤخرا بحيلة الانتخابات الاسرائيلية المبكرة والتى تعنى عمليا تأجيل هذه الصفقة حتى اشعار آخر وربما دفنها!