لقد أصبح للرؤساء الأمريكيين تقليدا منذ أن حقق الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون عام 2000 النقلة النوعية في العلاقة مع الهند ليندرج التفاعل بين الدولتين في إطار التنسيق والتعاون بدلا من التنافس والمواجهة في أكثر من ملف، وفي حين أن الندية الشكلية التي تقوم عليها هذه العلاقة اليوم لا تنسجم مع التفاوت الواضح في الطاقات والقدرات، فإن الهند طوال عقد الطور الجديد في العلاقة مع الولاياتالمتحدة ثابرت على الجهود لجعل النقدية حقيقية وليست مجرد شعار بطموح صريح هو التوصل إلى القرار بمقامها كدولة عظمى في عالم جديد متعدد الأقطاب، إلا أن نتائج هذه الجهود لا تزال غير قطعية. ولقد كان عقد التسعينيات قد شهد تلاشي الكثير من العوامل التي اعترضت انسياب العلاقة الهنديةالأمريكية، إذ في حين كانت الهند خلال الحرب الباردة طرفا مؤسسا في حركة عدم الانحياز، إلا أن القناعة الأمريكية والممارسات الفعلية كانت بأن ثمة ميلا هنديا للاتحاد السوفياتي ترجم في حينه اقتصاديا لا سيما أن اقتصاد الهند كان موجها وسياسيا، فترجمة الخصومة بين الهندوباكستان اصطفافا أمريكيا مع هذه الأخيرة، فيما كان الاتحاد السوفياتي أقرب دوما إلى الهند. ومع انتهاء الحرب الباردة، وعلى رغم محافظة واشنطن على علاقتها مع إسلام أباد، فإن الهند خرجت من دائرة الريبة الأمريكية، ومع الانفتاح الاقتصادي للهند واندفاعها لاستقطاب العقود الأمريكية من جهة، ومع تردي النظام السياسي في باكستان من جهة أخرى، وهو المأزوم أصلا من وجهة النظر الأمريكية، كان من البديهي ترقب تصحيح العلاقة مع الهند، لكن دون التفريط بالتأثير الأمريكي في باكستان لا سيما الجارتين الهندوباكستان، وقد صرحتا بامتلاكهما السلاح النووي، إذا كانت هذه هي الهندوباكستان، فماذا يمكن القول عن أنفسنا. إن عدم توظيف مواردنا بما فيه الكفاية للحصول منها على أكبر عائد ممكن، يتساءل المرء أحيانا هل نحسن الاستفادة حقا مما لدينا من أرض منبسطة ومناخ معتدل طوال العام وشمس ساطعة شاهدة على تناقض أحوالنا وأمطار كثيرة تتساقط في بلادنا، لكننا من عجب نشكو من قلة المياه، لقد أبهرت إسرائيل العالم منذ عشرات السنين بحسن ترشيدها لاستخدام المياه، وأصبحت من أبرز دول العالم المتقدمة زراعيا وإقامة الكيبوتزات الزراعية الناجحة واستخدمت نظم الري بالتقطير بنجاعة كبيرة، أما نحن فمازال نقاشنا مستمرا منذ سنين طويلة حول إمكانية استخدام طرق الري الحديثة من دون جدوى، ونتحدث عن مزايا وفوائد استخدام الطاقة الشمسية، لكن جهودنا في هذا المجال مازالت دون المستوى المطلوب بكثير حتى القمامة التي تملأ شوارعنا لم ننجح بعد في إقامة ما يكفي من شبكات مصانع لتدويرها وإعادة استخدامها في عشرات بل مئات أنواع المنتجات التي نحتاجها، وتركنا هذه الثروة نهبا للاستخدام العشوائي غير المنظم من جانب جامعي القمامة، فلا نجحنا في تدويرها ولا خلصنا الشوارع منها بالحد الأدنى. ومع هذا يمكننا القول، إذن، بأن مجتمعنا غنيا من منظور مواردنا وثرواتنا التي منحنا إياها الله عز وجل دون أدنى جهد منا، دول أخرى في العالم لا تملك ولو جزأ يسيرا من هذه الموارد والثروات مثل اليابان وماليزيا وكوريا الجنوبية، وعلى رغم من ذلك فإن فقر الطبيعة وقسوتها في هذه البلدان لم يمنعا من قيام مجتمعات متقدمة غنية، بينما غنى الطبيعة لدينا لم ينتج ءللأسفء سوى التخلف والفقر، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، هناك تعاظم الثروات الفردية من دون أن يضطلع أصحابها بمسؤولية اجتماعية ودور نشط في العمل الخيري لمصلحة المجتمع، وهذا مما يجعلنا نقول إنه من المقولات ما يحتاج أحيانا إلى تأمل وإعادة طرح لنرى فيها ربما وجها آخر للحقيقة، وأظن أن مقولة إننا مجتمع فقير نموذج للمقولات الجديرة بالنقاش إذا احتكمنا إلى الأرقام التي تحتشد بها التقارير الدولية والندوات ووسائل الإعلام، يمكن القول في طبيعة الحال إننا مجتمع فقير، فالأرقام تؤكد أن متوسط الدخل السنوي للفرد في كثير من الدول العربية لا يزيد عن ثلث دخل مواطن ماليزي وسبع دخل مواطن إسرائيلي، والأمر الواقع الذي يمكن إدراكه بالمشاهدة اليومية يؤكد الأرقام السابقة، ولكن حين يتأمل المرء ما يزخر به مجتمعنا من موارد وثروات وإمكانات طبيعية وبشرية مهدرة ومعطلة يصل دون مبالغة إلى خلاصة أخرى مغايرة مؤداها أننا لسنا بالضرورة مجتمعا فقيرا، لن نسعى لإثبات هذه الخلاصة بمماحكات لفظية مثل عبارة الحماسية التي تحكى عن العقول والكفاأت التي نحسن استغلالها، هذا مع وجود ظواهر يمكن الاحتكام إليها في جعل مجتمعنا غنيا أو فقيرا منه. 1 ظاهرة الهدر المالي بكل أنواعها ومظاهرها وأدواتها خاصة ونحن أمة الثروات والإمكانات المهدرة، والهدر هو عدد من السلوكيات التي تنضج بها حياتنا اليومية مثل الإسراف والمظهرية والمبالغة في الإنفاق، هذا في وقت تتحدث فيه المؤسسات الحكومية عن التقشف بأكثر مما تؤمن به وتمارسه بالفعل. كما أن للهدر فنون وأشكال يصعب الإحاطة بها، وأهم ما فيه أنه يتسم بالمراوغة والإفلات من شباك القوانين واللوائح، وويل للمسؤول الذي يحاول مكافحته، فجزء كبير من الهدر مبعثه المظهرية ورغبة الشعور بالأبهة والترف وفقدان الشعور بحرمة المال العام، لا نعرف على وجه التحديد كم يمثل إجمالي الهدر والإسراف والمظهرية وسوء الإنفاق في موازناتنا السنوية (ميزانية الدولة) لكن الأرجح أنه رقم هائل كان يمكن توظيفه في مجالات واحتياجات أخرى حقيقية وملحة والظاهر تتجاوز المؤسسات الحكومية لتشمل سلوكات الأفراد وثقافتهم وتكشف عن عطب وخلل ما في ترتيب الأولويات، وتأكيد أن ثقافتنا تعاني سوء توزيع الإنفاق على الأولويات. أما الإسراف الصارخ المستفز الذي نراه في حفلات الأغنياء الجدد ونسمع عنه في المصايف الفاخرة، فهو دليل إضافي آخر على كم التناقضات الاجتماعية والألغاز الحضارية في حياتنا، فنحن نستحضر الثقافة الغربية في كيفية إنفاق المال العام والقصص والأخبار التي تطالعنا بها الصحف الغربية حول حرمة المال العام وصرامة معايير إنفاقه وفاعلية الرقابة عليه، يدرك المرء على الفور أن التحضر صفة لا تتجزأ، حيث لا يمكن فصل المكون الثقافي عن القانوني، عن السياسي في حياة المجتمعات الغربية، من هنا تبدو حاجتنا إلى ضرورة إعادة الاعتبار إلى كلمة ترشيد الإنفاق في خطابنا السياسي. نحن اليوم نعرف أن هذه الكلمة لم تعهد تثير اهتماما كبيرا من فرط استخدامها، والواقع والمحير في الوقت ذاته أن العدوان على المال العام سواء في صورة الاعتداء السافر عليه في جرائم الفساد أو في صورة العبث المراوغ به، كما في الهدر والإسراف والتبذير، لم يعد قاصرا على موظفي الحكومة فقط كسلطة تنفيذية بل امتد ليشمل نواب الأمة، ولهذا فإننا كمجتمع معنيون أيضا ومتهمون بالهدر والإسراف في الكثير من مجالات حياتنا، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، إذا رجعت إلى الهند التي أصبحت العلاقة مع الولاياتالمتحدة بالنسبة إليها الأهم في سياستها الخارجية اجتهدت في إبراز الاستقلالية في تواصلها مع واشنطن، مع أنها هي أعظم ديمقراطية في العالم بناء على عدد السكان الذين يزيد عن ثلاثة أضعاف ما في الولاياتالمتحدة، وهي صاحبة الحضارة الضاربة في عمق التاريخ، فيما الولاياتالمتحدة حديثة السن، وهي مصدر إشعار روحي وثقافي إلى أرجاء العالم بما فيه الولاياتالمتحدةالأمريكية0