صور| طالبة توجه الشكر لقيادات "الأزهر" بعد تعرضها لحادث قطار    الحكومة تستهل اجتماعها بالوقوف دقيقة حدادًا على روح الفريق العصار    "التعليم" تعلن عن فتح باب التقدم لقبول الطلاب بمدرسة تكنولوجيا الطاقة النووية    النواب يوافق على توفير جهاز MRI بمستشفى الواسطى المركزي    البورصة المصرية تربح 1.3 مليار جنيه في ختام تعاملات اليوم الأربعاء    تنفيذ 94 مشروعا للصرف الصحي بالشرقية بتكلفة 12 مليار و116 مليون جنيه    عادة خاطئة أثناء الاستحمام فى الصيف تهددك بمشاكل فى القلب والشرايين    تكثيف أعمال التجميل والتطوير بمدن الشرقية    سفير بيلاروس يناقش مع رئيس هيئة التمثيل التجارى تعزيز التعاون مع مصر    تسجيل أدنى حصيلة إصابات بكورونا منذ شهر قي السعودية    لافروف: روسيا مهتمة بتطوير حوار طبيعي مع جميع الدول بما فيها أمريكا    الحكم على متهم في إعادة محاكمته ب«أحداث عنف الطالبية» 7 أكتوبر    بوتين يؤكد لعباس دعمه لحل عادل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي    محمد صلاح لا يعرف الهزيمة مع ليفربول ضد برايتون قبل مواجهة الليلة    طيران التحالف الدولى يستهدف كهوف تستخدمها داعش فى قضاء طوز خرماتو    «فايلر» و«بينكيل» يجريان مسحة كورونا    مدرب أستون فيلا: نسعى لاقتناص أي نقاط أمام يونايتد الذي تحسن كثيرا    عصام عبدالفتاح: "كاف" لم يحدد حكام نصف نهائي دوري أبطال أفريقيا    ضبط 236 دراجة نارية مخالفة خلال 24 ساعة    بمجموع 250 درجة.. أبرز المعلومات عن أول مدرسة للاتصالات    الثانوية العامة 2020 | المراجعة النهائية لمادة الكيمياء على كافة الأبواب وحلول الأسئلة المتوقعة    وفاة والدة الفنان محمد علاء ودفنها بمقابر حلوان    الأوبرا تبدأ نشاطها بسهرة طربية على مسرح النافورة    جونز هوبكنز: أمريكا تسجل لأول مرة 60,000 إصابة كورونا خلال يوم واحد    ربط الجزء الشرقى بالغربى من محور الشهيد الرائد باسم فكرى بقنا الأحد القادم    أستاذ ميكروبيولوجي: "كوفيد 19" مستمر معنا لمدة 10 سنوات    محافظ الفيوم يغلق معرض سيارات استولى على حرم الطريق    تعرف على حالة الجو خلال ال48 ساعة المقبلة    حزب العدل يعلن عن تأهيله للصم والبكم لمراقبة الانتخابات    الري: إثيوبيا لم تبلغنا رسميًا نيتها ملء سد النهضة    أيمن الجميل: القيادة السياسية أنهت فوضى المخالفات.. وننتظر كودا موحدا للبناء    لص بغداد يحقق 10 آلاف جنيه أمس.. ورأس السنة يكتفي ب206 جنيهات    سعيد عامر: الإسلام أمر بحفظ الأعراض وجعله من أولويات مقاصده..فيديو    ضبط 2650 كتابًا دراسيًا خارجيًا بدون تصريح داخل مكتبة بالأزبكية    عاجل.. قرار قضائي جديد في إحدى قضايا سما المصري وريهام سعيد    الحكم على متهم بلجان المقاومة الشعبية 13 أغسطس.. وآخر بأحداث الطالبية 7 أكتوبر    إصابة رئيس وحدة الغسيل الكلوي في مستشفى الخانكة بفيروس كورونا    محافظ أسيوط يشدد على دخول العاملين للديوان العام عبر ممرات التعقيم    كاف يهنئ أحمد الكاس بعيد ميلاده: أسطورة محلية    رئيس الوزراء يعيد تشكيل المجلس الأعلى للتخطيط والتنمية العمرانية برئاسته وعضوية 9 وزراء    اخبار الزمالك يكشف بند سحري يمنح الزمالك صفقة العمر من الأهلي    مدينة زويل تنعى محمد العصار: كان من أكبر المؤمنين بأهمية البحث العلمي    بسبب إجراءات محتملة لغلق العاصمة.. محتجون يقتحمون البرلمان الصربى.. شاهد    ملتقى فلسطين للرواية العربية ينطلق افتراضيًّا    نشرة أخبار العرب.. مسئول روسي يبحث مع عزام الأحمد آفاق التسوية الفلسطينية الإسرائيلية.. والحكومة اللبنانية تسدد مستحقات المستشفيات الخاصة بعد دخولها في إضراب جزئي    القوى العاملة: صرف 12 ألف جنيه رعاية ل 3 عمال ببورسعيد    المساجد تواصل الغلق.. الأزهر يستضيف ثاني جمعة بعد عودة الصلوات الخمس    عمرو أبو الخير رئيسا لقطاع الناشئين بكرة السلة فى الاتحاد السكندري    ارتفاع حصيلة قتلى الاحتجاجات في إثيوبيا إلى 239    البورصة تواصل الارتفاع في منتصف تعاملات اليوم    جماهير الزمالك تستعد للاحتفال بنادي القرن الحقيقي    أخبار الأهلي : الخطيب يكلف وزير خارجية الأهلي بمهمة خاصة في إسبانيا    الثانوية الأزهرية 2020.. طلاب العلمي يؤدون امتحان الإستاتيكا غدا    17 يوليو.. علي الهلباوي يحيي حفلين غنائيين بساقية الصاوي    فيفي عبده تنعى والدة حمادة هلال    67% من قراء اليوم السابع يؤيدون قرار إعادة فتح مسجد الحسين    تعرف على أنواع الكذب في الإسلام    دعاء في جوف الليل: اللهم اشملنا بعفوك ورحمتك وجميل عنايتك    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الأسكندر ابن آمون


محمد عبدالرازق محمود عطية
_1_
مقدمة
نبذة عن الأسكندر الأكبر و المعبود "آمون"
كثير من الناس يعرفون الأسكندر الأكبر ، و أنه حكم مصر و بنى الأسكندرية التي سميت باسمه ، و يعرفون أيضاً أنه قام برحلة هامة إلى معبد "آمون" في واحة "سيوة" بالصحراء الغربية و هناك قابله كهنة آمون و لقبوه بلقب ابن آمون . و لكن ، ما هي قصة هذه الرحلة و لماذا أراد الأسكندر أن يحصل على لقب ابن آمون ، و لماذا أعطاه كهنة آمون هذا اللقب ؟
قبل أن أتحدث عن هذا الأمر يجب أن يعرف الجميع أولاً ، من هو الأسكندر ؟ و كيف دخل مصر ؟ و من هو آمون ؟ و ماذا يعني لقب ابن آمون ؟
الأسكندر الأكبر هو الأسكندر المقدوني بن الملك فيليب المقدوني ملك أرض مقدونيا الواقعة شمال بلاد اليونان . كانت بلاد اليونان منقسمة إلى مدن ، كل مدينة تمثل دولة مستقلة بذاتها و رغم أن هناك من دعوا إلى توحيد بلاد اليونان في دولة واحدة ، إلا أن بلاد اليونان لم تتوحد فعلياً إلا على يد الملك فيليب المقدوني ملك مقدوني و والد الأسكندر الأكبر . فقد قام هذا الملك بالاستيلاء على المدن اليونانية و إخضاعها بالقوة العسكرية ، و في ذلك الوقت كان الصراع دائراً بين اليونانيين و الفرس . فقد هزم الفرس الآشوريين و احتلوا العراق ، ثم هزموا الفينيقيين و احتلوا الشام ، و خاضوا ضد الفراعنة حروباً طاحنة انتهت باحتلال الفرس لمصر نظراً لضعف المصريين و اعتمادهم في تكوين الجيش المصري على الجنود المرتزقة في ذلك الوقت . بعد ذلك دخلوا آسيا الصغرى و حاولوا احتلال بلاد اليونان ، فأصر اليونانيون جميعا على مقاومة الفرس و منعهم من احتلال اليونان ، و قد تحدث شاعر مسرحي تراجيدي يوناني قديم اسمه "أيسخيلُس" في إحدى مسرحياته التراجيدية و اسمها "الفرس" عن معركة شرسة دارت رحاها بين اليونانيين و الفرس ، و انتهت بانتصار اليونان(1) . في ذلك الوقت قام ملك مقدونيا بتوحيد بلاد اليونان و إخضاعها بالقوة لحكم مقدونيا و حين مات كان الصراع لا يزال قائماً بين بلاد الفرس و بلاد اليونان . فتولى الأسكندر الأكبر الحكم بعد وفاة أبيه "فيليب المقدوني" و أعلن الحرب على
(1) مسرحية الفرس هي إحدى مسرحيات الشاعر التراجيدي أيسخيلُس الذي كان معاصراً لتلك الفترة و قد تحدثت عنها معظم الكتب التي تتحدث عن المسرحيات التراجيدية اليونانية في القرن الخامس قبل الميلاد مثل كتاب "التراجيديا اليونانية بين الدين و الدنيا" تأليف د/ فريد حسن الأنور ، كلية الآداب _ جامعة عين شمس ، قسم الحضارة الأوربية . و كتاب "أيسخيلوس" الذي يشمل أربعة مسرحيات لأسخيلُس من بينها الفرس قام بترجمتها د/ إبراهيم سكر ، و راجع الترجمة د/ محمد سليم سالم .
_2_
الفرس و انتصر عليهم في معاركٍ كثيرة و أخذ منهم آسيا الصغرى و بلاد الشام و مصر ، و في مصر أراد أن يتودد إلى المصريين فنشر إشاعة تفيد بأنه مصري الأصل و ليس يونانياً ، و النتيجة البديهية لذلك أن يظهر أمام الشعب بمظهر المصري الذي جاء ليحرر وطنه و ليس الأجنبي الذي يحتل مصر ، و لكي يدعم هذه الإشاعة قام بزيارة معبد آمون في سيوة و حصل هناك على لقب "ابن آمون" الذي هو موضوع المقال . بعد ذلك غادر مصر و استكمل حربه مع الفرس حتى قضى على إمبراطوريتهم نهائياً و وصل بجيوشه إلى الهند و احتلها ، و هناك أُصيب بمرض الموت فقرر إيقاف غزواته عند هذا الحد و العودة إلى وطنه ، و أثناء العودة مر بمدينة "بابل" في العراق و توفي هناك .
هذه كانت نبذة عن تاريخ الأسكندر الأكبر ، أما عن الإله "آمون" فهو باختصار معبود فرعوني ، كان يُعبد في مدينة "طيبة" و كان إلاهاً محلياً حتى عهد الدولة الوسطى ، و في عهد الدولة الحديثة صارت طيبة عاصمة مصر و صار الإله "آمون" الإله الرئيسي في الدولة ، و صار كل فرعون مصري يحكم مصر يحمل لقب "ابن آمون" ، و ظل هذا التقليد قائماً حتى دخول الأسكندر الأكبر مصر .
و الآن سأتحدث عن موضوع المقال الأساسي و هو تلقيب الأسكندر بلقب ابن آمون .
_3_
الفصل الأول
قصة اللقب
إنني أرى أن قصة تلقيب الأسكندر بلقب ابن آمون لم تبدأ بدخول الأسكندر الأكبر مصر ، إنما بدأت قبل ذلك ، و ربما قبل مولد الأسكندر نفسه . إنّ قصة تلقيب الأسكندر بلقب ابن آمون ، في رأيي ، بدأت باحتلال الفرس لمصر و هروب الملك "نختانبو الثاني" آخر فراعنة مصر . فحين احتل الفرس مصر أهانوا الديانة المصرية (2) ، و لأن الشعب المصري شعب متدين بطبعه _كما قال هيرودت_ (3) فقد نظر المصريون إلى الفرس على أنهم محتلون غاصبون و ثاروا عليهم و قاوموهم . و عندما دخل الأسكندر الأكبر مصر ، أراد أن يكسب ود المصريين فنشر أسطورة تفيد بأن فيليب الثاني ملك مقدونيا ليس أباه و أنه ابن الفرعون "نختانبو الثاني" آخر فراعنة مصر ، و ربما قام برحلته الشهيرة إلى معبد آمون في سيوة ليكسب ود المصريين بإظهار احترامه للديانة المصرية نظراً لأن الفرس قد استثاروا غضب المصريين باحتقارهم للديانة المصرية فكان من الطبيعي أن يكسب الأسكندر ود المصريين بأن يفعل العكس . و مضمون الأسطورة التي وضعها الأسكندر هو أن "الفرعون نختانبو الثاني حين احتل الفرس مصر هرب إلى مقدونيا و نزل ضيفاً على ملكها ، و كان للفرعون نختانبو قوة سحرية كبيرة ، فاستخدم مهاراته السحرية و تمثل للملكة "أولمبياس" في هيئة آمون و اجتمع بها فكان الأسكندر ثمرة هذا الجماع و لكنه حين وُلِدَ نُسِبَ إلى فيليب المقدوني و لم ينسب إلى نختانبو . و أراد الأسكندر الأكبر أن يثبت صدق هذه الأسطورة فقام برحلته الشهيرة إلى معبد آمون في واحة سيوة ، و هناك قابله الكهنة و أقاموا حيلة بأن جعلوا واحداً منهم يخرج إلى الأسكندر بصفته الإله آمون و تحدث معه كأنّ أباً يتحدث مع ابنه ، و كان من المعروف أنّ فيليب المقدوني والد الأسكندر الأكبر قد مات مقتولاً ، فسأل الأسكندرُ الإلهَ آمون عما إذا كان أحد قتلة أبيه قد نجا من العقاب ، و كانت أولمبياس أم الأسكندر و زوجة فيليب مُتَّهَمَةً بقتل فيليب ، فرد عليه الإله آمون قائلاً : لا تسب الآلهة يا ولدي ، فلا أحد يستطيع أن يقتل أباك _ و كان المقصود هنا أن والد الأسكندر هو الإله آمون ، و لا يمكن لبشري أن يقتل الآلهة _
(2) يقول هيرودت في كتاب "هيرودت" تأليف / أ. ج. إيفانز _ ترجمة / أمين سلامة _ مراجعة / كمال الملاخ ص119 "ترك قمبيز ممفيس بعد ذلك و اتجه إلى سايس و هو ينوي في نفسه أمراً : ما أن دخل قصر أماسيس حتى أمر في الحال بإخراج جثة الملك من قبره . فلما أخرجها الخدم أمرهم بأن يضربوا الجثة بالسياط و أن يوخزوها بالمناخس و ينزعوا الشعر منها ، و أن يلحقوا بها جميع صنوف الإهانات ، و لما كانت الجثة محنطة ، فقد قاومت كل ذلك التعذيب و لم تتفكك مهما فعلوا بها . غير أنّ الخدم تعبوا مما قاموا به ، فأمرهم قمبيز بأن يأخذوا الجثة و يحرقوها . كان هذا أمراً يتنافى مع أصول الدين حقاً "
(3) يقول هيرودت في كتاب "هيرودت" تأليف / أ. ج. إيفانز _ ترجمة / أمين سلامة _ مراجعة / كمال الملاخ ص82 "يتمسك المصريون بدينهم إلى درجة بالغة أكثر من أي شعب آخر"
_4_
فسأله الأسكندر إذا كان أحد قتلة فيليب قد نجا من العقاب ، فأجابه آمون بأنّ كل قتلة فيليب قد نالوا عقابهم . بذلك حصل الأسكندر على لقب ابن آمون و أثبت للجميع براءة أمه أولمبياس من دم أبيه فيليب .
و لكن السؤال الذي يطرأ على ذهن المرء هو ، لماذا أراد الأسكندر الأكبر أن يثبت للمصريين أنه مصري و من سلالة الفراعنة ؟ و هل كان الأسكندر أول ملك أجنبي يحكم مصر و يحاول أن يثبت أنه مصري ؟ و هل كان للقب ابن آمون رد فعل على المصريين و اليونانيين ؟ و هل كان الأسكندر أول ملك يقوم بهذه الحيلة كي يضفي الشرعية على حكمه لمصر ؟
_5_
الفصل الثاني
لمَ أراد الأسكندر هذا اللقب ؟
عندما ننظر إلى عهد الأسكندر و الظروف المحيطة به في ذلك الوقت سنجد أموراً هامة جداً هي : أنه كان ملكاً مقدونياً ، و كان اليونانيون يرفضون حكم مقدونيا لهم و يسعون دائماً إلى التمرد عليها مثلما حدث في بداية عهد الأسكندر قبل خروجه لمحاربة الفرس ، و أنه كان لا يزال يحارب الفرس و كان محتاجاً لتأمين ظهره من خطر الثورات التي قد تنشب ضده ، و أنّ الفرس حين احتلوا مصر احتقروا الديانة المصرية و أهانوا المصريين ، و من أبرزهم الملك الفارسي "دارا" الذي أراد أن يحصل على أكبر إيراد ممكن من مصر دون الاهتمام بالمصريين أو بالتودد إليهم ، فسخّر العمال المصريين في قطع أحجار وادي الحمامات لصالح الفرس ، و سَخّرَ الفلاحين في إعادة حفر قناة سيزوستريس التي كانت تربط النيل بالبحر الأحمر ، و فرض على مصر ضرائب باهظة و كلَّفَ المصريين بتوفير المؤن و الإمدادات اللازمة لتموين الحاميات الفرسية الممتدة من بلدة "ماري" (قرب الأسكندرية الحالية) شمالاً و حتى جزيرة إلفنتين (جزيرة فيلة) و الجندل الأول جنوباً (4) . فثار المصريون ضد الفرس و ظلوا يقاومونهم حتى جاء الأسكندر الأكبر و طردهم . لأجل ذلك كله كان على الأسكندر أن يكسب ود المصريين و تأييدهم ، و أن يثبت لهم أنه مصري مثلهم و ليس حاكماً أجنبياً يحتل بلادهم ، فيريح نفسه من ثورات قد يقيمها المصريون ضده فيتعب جيشه في إخماده و تنهك قواه و يضعف موقفه عند ملاقاة الفرس ، و يبدو أن المصريين اضطروا إلى قبول هذا الوضع لأن رفضهم لحكم الإغريق في ذلك الوقت كان سيؤدي إلى عودة الاحتلال الفارسي مرة أخرى . بذلك استطاع الأسكندر أن يأمن
(4) كتاب ليبيا و مصر فيما بين القرن السابع و القرن الرابع قبل الميلاد
تأليف / د . أحمد عبد الحليم دراز _ الفصل الرابع ص159 و قد حصلت على أجزاء من هذا الكتاب عن طريق صفحة جوجل .
_6_
شر الثورات التي قد تقام ضده ، و تفرغ لقتال الفرس و هو في كامل قوته فاستطاع _ فيما بعد _ أن يقضي على الإمبراطورية الفارسية نهائياً ، و لا يجب أن ننسى أن الإغريق كانوا يحترمون الحضارة المصرية جداً و يعرفون قوة المصريين و خطرهم ، و هذا يتضح مما ذكره هوميرُس و هيرودُت عن الفراعنة (5).
و لم يكن الأسكندر أول ملك أجنبي يحكم مصر و يدعي أنه مصري ، ففي أواخر عهد الهكسوس أراد الهكسوس أن يتقربوا من المصريين و يتعلموا من حضارتهم ، فقلدوهم في أشياء كثيرة و تلقبوا بلقب الفراعنة أُسوة بالملوك المصريين ، كذلك كان بعض الأجانب الذين وصلوا إلى حكم مصر في أواخر العهد الفرعوني يدعون أنهم مصريون و يحصلون على الجنسية المصرية و يتلقبون بلقب الفراعنة .
(5) في ملحمتي الإلياذة و الأوديسيا للشاعر اليوناني القديم هومِرُس يتحدث هومِرُس دائماً عن مصر باعتبارها دولة قوية و غنية و أن أمرائها كرام . و عندما تحدث هيرودت عن مصر في كتابه الثاني ذكر بعضاً من قوتها و حضارتها .
_7_
الفصل الثالث
تأثير اللقب على المصريين و اليونانيين
أما عن تأثير لقب ابن آمون على المصريين و اليونانيين فيمكننا معرفته من خلال الاطلاع على طبيعة الديانة المصرية القديمة و الديانة اليونانية القديمة . ففي عقيدة الفراعنة نجد المصريين يلقبون كل ملك مصري يحكمهم بلقب "ابن الإله" و شاع في عصر الدولة الحديثة لقب "ابن آمون" نظراً لأنّ آمون كان الإله الرسمي للبلاد في ذلك الوقت ، و ذلك ليضفوا قدسية على الملك المصري الذي يحكم البلاد ، و أما في المعتقدات اليونانية نجد اليونانيين لا يطلقون لقب ابن الإله إلا على الأبطال _ و معظمهم من الملوك _ الذين تذكر أساطيرهم أنهم كانوا يقومون بأعمال خارقة لأنه من نسل الآلهة ، و يعتبرونهم أنصاف آلهة . بذلك يمكن بشكل بديهي معرفة وقع اللقب على المصريين و وقعه على اليونانيين ، فالمصريون كانوا ينظرون إلى لقب ابن آمون على أنه دليل على أن الأسكندر مصري الأصل و أنه حاكم مصري و ليس حاكماً أجنبياً ، فخلعوا عليه اللقب الذي يحصل عليه كل مصري يحكم مصر و هو "ابن آمون" . أما اليونانيون فلم يتعودوا أن يلقبوا أي ملك من ملوكهم بلقب ابن الإله إلا إذا كان قد قام بأعمال بطولية ترفعه إلى مصاف الآلهة أو ذكرت الأساطير أنه من نسل أحد الآلهة ، و يكون صاحب هذا اللقب بمثابة نصف إله ، أي لديه جزء من قوة الآلهة ، فنحن نجد الملك "فيليب المقدوني" مثلاً لا يحمل لقب ابن الإله ، بينما ابنه الأسكندر الأكبر حمل لقب ابن الإله آمون . بذلك يكون لقب ابن الإله عند الإغريق بمثابة تعظيم لملكهم و اعترافاً بقواه الخارقة ، أما هذا اللقب عند المصريين ما كان إلا اعترافاً بقبول المصريين _ و ليس كلهم طبعاً _ للأسكندر ملكاً عليهم و اقتناعهم به كملك مصري و ليس كملك أجنبي .
_8_
الفصل الرابع
هل كان الأسكندر أول ملك يفعل هذا ؟
و يأتي هنا السؤال الأخير ، هل كان الأسكندر أول ملك يؤلِف مثل هذه الأسطورة ليضفي شرعية على حكمه لمصر ؟
عندما نطالع تاريخ اليونان نجد أن في الأساطير اليونانية عندما يشتهي كبير الآلهة "زيوس" امرأة متزوجة ينتهز فرصة غياب زوجها عنها و يأتيها متنكراً في هيئة زوجها و يجتمع بها و هي لا تعرف أنه كبير الآلهة بل تظنه زوجها مثلما في أسطورة "هركليس" حين وقع زيوس في حب ألكميني زوجة أحد ملوك اليونان ، فانتهز فرصة غياب زوجها الملك في الحرب و أتاها متنكراً في هيئة زوجها و اجتمع بها و هي تظنه زوجها فنتج عن ذلك ولادة البطل "هركليس" ابن زيوس ، و هذه الأسطورة بالطبع مشابهة لأسطورة ولادة "الأسكندر الأكبر" و لكن لم يُعْرَفْ في تاريخ اليونان قبل عهد الأسكندر أن أحد ملوك اليونان قد ألف مثل هذه الأساطير ليثبت شرعية حكمه ، أما في مصر فنحن نجد أكثر من ملك مصري ألَّفَ مثل هذه الأساطير ليقنع المصريين بأنه الحاكم الشرعي للبلاد . فعندما وصلت الملكة حتشبسوت إلى حكم مصر كانت تعرف أنها حاكم غير شرعي لأنها امرأة ، رغم أنها كانت حفيدة الفرعون أحمس الأول ، كذلك لم يكن دمها الملكي خالصاً من جهة أبيها لأن جدتها عن أبيها كان يعرف عنها أنها من عامة الشعب (6) ، فألفت أسطورة تثبت فيها نسَبها إلى الإله آمون و أنّ آمون تنبأ بأنها ستحكم مصر يوماً (7) لتقنع الناس بأنها الحاكم الشرعي لمصر ، و قد ورد في ذكر هذه الأسطورة في كتاب "مصر القديمة" ما يلي :
(و سنورد هنا ملخصاً لهذه القصة من النقوش التي دونتها "حتشبسوت" فيما بعد على معبد الدير البحري في مناظر لا تزال باقية . ففي المنظر الأول من هذه المناظر نشاهد فيه مجلساً من الآلهة يرأسه الإله "آمون" و قد قرر فيه الجميع خلق "حتشبسوت" و في خلال هذه الجلسة يذكّر الإله "تحوتُ" الإلهَ "آمون" بوجود
(6) كتاب مصر القديمة . تأليف د/ سليم حسن الجزء الرابع ص317
(7) كتاب مصر القديمة . تأليف د/ سليم حسن الجزء الرابع ص316 ، 317
_9_
"أحمس" الجميلة زوج الأمير الذي أصبح فيما بعد "تحتمس الأول" . و يقترح عليه أن يتقمص صورته عندما يكون الأمير غائباً ، و بذلك يمكنه أن يدخل حجرة الملكة ، ثم تحدثنا القصة أن الإله "آمون" قد تزيا بزي "تحتمس الأول" و وجد الملكة في غفوة في قصرها الجميل ، فأيقظها شذى عطور الإله الذي استنشقته على الرغم من أنها كانت في حضرة جلالته (الملك) (ظناً منها بذلك) ، و عندئذ ذهب إليها في الحال و ضاجعها ، و فرض عليها رغبته فيها ، و جعلها تنظر إليه بوصفه إلاهاً (بعد أن تمثل لها بشراً سوياً) من أجل ذلك فرحت عندما وقف أمامها و كشف لها عن جماله ، و سرى حبه في أعضائها التي غمرها شذى العطر ، و عندئذ قالت الملكة "أحمس" لجلالة هذا الإله "آمون" الفاخر رب طيبة : ما أعظم فخارك : إن رؤية محياك شيء
بهي : لقد ألحقت جلالتي بجمالك ، و إن روحك قد تمثلت في كل أعضائي ، و بعد ذلك فعل جلالة هذا الإله كل ما يرغب فيه معها ثم قال لها سيكون اسم ابنتي التي وضعتُها في جسمك "خنمت آمون" "حتشبسوت" لأن هذه هي الكلمة التي خرجت من فمك أنت و ستتولى المُلْكَ في هذه البلاد قاطبة ، و ستكون روحي روحها ، و سيكون فضلي فضلها ، و كذلك "تاجي" حتى يمكنها أن تحكم الأرضين" . و بعد ذلك طلب الإله "آمون" مساعدة الإله "خنوم" صانع الفخار الإلاهي ليصور الطفل في صورة تجمع كل الجمال ، و عندما أجاء الملكة المخاض اجتمع الآلهة ، و وقف بجانبها القابلات عند الوضع ، و لما وضعت الطفلة قدمتها الإلاهة "حتحور" "لآمون" الذي باركها ، و قدمها لكل الآلهة قائلاً : "تأملوا أنتم ! ابنتي حتشبسوت كونوا محبين لها" . و بعد ذلك نمت جلالتها بسرعة ، و قد كان النظر إليها يفوق أي شيء و قد أصبحت عذراء جميلة مزهرة مثل الإلاهة "بوتو" في عصرها (أي حتحور) .
و عندما تولى الفرعون تحتمس الثالث حكم مصر كان يُعْتَبَرُ حاكماً غير شرعي لأنه لم يكن ابن الملكة زوجة الفرعون الرئيسية "حتشبسوت" بل كان ابن زوجته الثانوية "إزيس" ، فتزوج من أخته ابنة الملكة حتشبسوت لأنها الملكة الشرعية ، ثم ألف لنفسه أسطورة مماثلة لأسطورة حتشبسوت ليثبت أنه الحاكم الشرعي للبلاد ، نقشها على جدران معبد الكرنك و تحكي قصة تتويجه على يد الإله "آمون" ، و يثبت فيها أن الإله آمون هو من اختاره من بين الناس جميعاً ليكون فرعوناً على مصر ، و قد ترجم "سليم حسن" هذا النقش في كتابه "مصر القديمة" كما يلي :
"السنة الثانية و الأربعون ، عقد الملك جلسة ... حضر السمار ... أمر ملكي لأصدقاء الفرعون ... إنه الإله "آمون" والدي و أنا ابنه حينما كنت لا أزال فرخاً في عشه ، و
_10_
لقد أحبني حقاً من لبه (و خصني بذلك) و ليس في ذلك مبالغة و لا مين ، و كنت وقتئذ صبياً ، إذ كنت لا أزال طفلاً حدثاً في معبده و لم أكن قد أصبحت بعد كاهناً ... في جانب جلالتي ، و كنت في هيئة الكاهن الذي يلقب عمود أمه أي كنت مثل الإله "حور" الطفل في بلدة "خميس" [ و تقع "خميس" في المكان المعروف الآن "كوم الخبيزة" في شمال الدلتا ] و قد كنت واقفاً في القاعة ذات العمد البردية الشكل الواقعة في الجهة الشمالية من المعبد (و هذه القاعة قد بناها "تحتمس الأول" بين البوابتين الرابعة و الخامسة) . و عندئذ خرج الإله "آمون" من بهاء أفقه مثل إله الشمس و كانت السماء و الأرض في عيدٍ لجمال طلعته و عندئذ أتى بمعجزة عظيمة فقد كانت أشعته في أعين الشعب كأنه "حور" إله الشمس عندما يشرق في الأفق ، و عندئذ أخذ الشعب يبتهل إليه بالدعاء رافعين أيديهم ... ثم قرب له جلالته (يقصد الملك الحاكم وقتئذ) البخور على النار و قدم له قرباناً عظيمة من الثيران الكبيرة و الصغيرة و من
صيد الصحراء ... ثم طاف حول القاعة ذات العمد البردية الشكل ماراً بكلا جانبيها و لم يكن يدور في خلد الناس الذين شاهدوا عمل الإله هذا أنه يبحث عن جلالتي في كل مكان في القاعة ، و لكنه عرفني عندما كنت واقفاً ... و عندئذ انبطحت على بطني ساجداً أمامه فعرفني ثانية و أنا على الأرض ثم انحنيت أمامه ... فوقفني أمام جلالته ثم جعلني أقف في مكان السيد (و هو مكان خاص في المعبد لا يدخله إلا الملك) ... و تعجب مني ... و إن ما أقوله ليس ببهتان و كان كذلك ... على مرأى من الناس ، و قد حفظ سراً في قلوب الآلهة الذين يعرفون هذه ... و لم يكن هناك ما يدل عليها ... و فتح لي أبواب السماء و فتح لي بوابات الأفق (السماء و الأفق يدلان على مسكن الإله في المعبد و هو قدس الأقداس الذي لا يدخله أحد إلا الملك) و طرت إلى السماء بوصفي صقراً إلهياً لأطلع على سره الذي في السماء و دعوت لجلالته ... و رأيت المخلوقات سكان الأفق في طريقهم السوي في السماء و أجلسني "رع" نفسه و زُيِّنْتُ بتيجانه التي كانت على رأسه و صله الذي كان على جبينه ... ثم حليتُ بكل فضائله و أعانني كل علية الآلهة ثم ... "حور" عندما يقدم بشخصه نحو معبد والده "آمون رع" . و كذلك حليت بشرف الآلهة ... و ألبسني تيجاني و نقش لي ألقابي و ثبت صقري على البوابة (شعار الملك) و صيرني مظفراً مثل الثور المنتصر و جعلني أشرق في طيبة بوصفي "حور الثور المظفر" الذي يضيء في "طيبة" و جعلني أُتَوَّجُ بتاج السيدتين (العقاب و الصل و هما رمز الوجه القبلي و البحري) و بارك مملكتي بوصفها مملكة "رع" في السماء و باسمي هذا صاحب السيدتين (أي مملكة مباركة مثل "رع" في السماء) و قد صورني صقراً من الذهب و منحني قوته و شدة بأسه و كنت بهياً بتيجاني هذه و باسمي هذا "حور الذهبي" (أي القوي صاحب البأس الفخم التيجان) ،
_11_
و قد جعلني أشرق بوصفي ملكاً على الوجه القبلي و الوجه البحري (مِنْخِبِرُرُع) . و إني ابنه الذي خرج كريم الولادة مثل الإله صاحب "حوت" (أي "تحوت" إله العلم) ، و إنه يضم كل صوري . بوصفي ابن الشمس "تحتمس سما خبر" له الحياة أبد الآبدين و قد جعل كل الأراضي الأجنبية تأتي خاضعة لقوة جلالتي لأن الفزع مني كان في قلوب قبائل الأقواس التسعة و كل البلاد وُضِعَتْ تحت موطيء قدمي ، و كذلك جعل النصر في ساعدي و بذلك أمد حدود مصر .
و قد فعل ذلك والدي "آمون" لأن حبي كان عظيماً من لدنه ، و كذلك فرح بي كثيراً أعظم من فرحه بأي ملك آخر وُجِدَ على الأرض منذ خُلِقَتْ . و إني ابنه محبوب جلالته و ما ترغب فيه نفسي يُنَفَّذُ ."
و بذلك لا يكون الأسكندر أول ملك ينشر أسطورة يثبت بها أنه الحاكم الشرعي لمصر ، بل سبقه إلى مثل هذه الفكرة فراعنة الأسرة الثامنة عشرة ، و لكن هل استوحى الأسكندر أسطورة ولادته من أسطورة "هركليس" أم أسطورة "حتشبسوت" أم أسطورة "تحتمس الثالث" ؟ بدايةً يمكن أن نستبعد تماماً الأساطير اليونانية و منها أسطورة هركليس ، لأن هذه الأساطير كانت تؤلَّفُ للتأكيد على قوة بطلٍ ما و تأييد الآلهة له و ليس لإثبات شرعية حكم ملكٍ ما ، و نظراً لأن ملوك مصر القدامى هم أكثر من اشتُهِرَ بهذا النوع من الأساطير ، و نظراً لأن الأسكندر ألف هذه الأسطورة ليدعم حكمه في مصر لا في غيرها ، فمما لا شك فيه أن الأسكندر قد تأثر بالأساطير المصرية في هذا الأمر ، و أنه استوحى فكرة أسطورته من أسطورتي "حتشبسوت" و "تحتمس الثالث" ، و ربما تأثر بأسطورة "حتشبسوت" أكثر من أسطورة "تحتمس الثالث" لأن أسطورة "ولادة الأسكندر الأكبر" تكاد تكون نسخة طبق الأصل من أسطورة "حتشبسوت" . هنا يطرأ سؤال هام هو : من أين عرف الأسكندر الأكبر قصة أسطورتي "حتشبسوت" و "تحتمس الثالث" ؟ و هل كان اليونانيون على علم بهاتين الأسطورتين ؟
لكي نجيب على هذين السؤالين ، يجب أن نطّلع على كتابات اليونانيين التي تحدثت عن مصر قبل عهد الأسكندر الأكبر ، كذلك يجب أن ننتبه إلى شيء هام جداً هو أنّ الأسكندر عندما قام بزيارة معبد "آمون" في طيبة ، استقبله كهنة آمون بحفاوة و خرج له أحدهم في هيئة الإله آمون كما تصفه الأساطير الفرعونية ، و هذا يشير إلى أن الكهنة كانوا موالين للأسكندر الأكبر ، و هذه نقطة هامة يجب التحدث عنها في هذا المقال .
_12_
فيما يتعلق بكتابات اليونانيين عن مصر قبل الأسكندر ، نجد معظم هذه الكتابات ذكرت قصصاً و أساطيراً عن مصر ، لكنها لم تتحدث هذه الكتابات عن مثل هذه الأساطير الفرعونية مثل أسطورة حتشبسوت و أسطورة تحتمس الثالث . كذلك يجب ملاحظة أنّ كهنة آمون استقبلوا الأسكندر حين زارهم في واحة "سيوة" بترحاب ، و جعلوا أحدهم يقابله في هيئة الإله آمون ليؤكدوا صدق أسطورة الأسكندر الأكبر ، مما يثبت أن الكهنة كانوا يساعدون الأسكندر في هذا الأمر . من خلال ذلك يمكن أن نستنتج أنّ الأسكندر الأكبر ألف هذه الأسطورة بالاتفاق مع كهنة "آمون" و ليس بالضرورة أن يكون الكهنة قد أخبروه بأمر أسطورة "حتشبسوت" ، و لكن باعتبارهم كانوا على علم بهذه الأسطورة ، فقد نصحوه بتأليف أسطورة مشابهة ليثبت شرعية حكمه لمصر و يحصل على تأييد المصريين له .
هنا يطرأ سؤال هام جداً : لماذا يساعد الكهنة المصريون حاكماً أجنبياً يحتل بلادهم على أن يدعم حكمه في مصر و يكسب ود المصريين و تأييدهم ؟
لكي نجيب على هذا السؤال يجب أن نرجع إلى تاريخ مصر في تلك الفترة : فالفرس يحتلون مصر و ينهبون ثرواتها و يهينون أهلها و يحتقرون ديانتها مما ساعد على انحطاط مكانة كهنة آمون السياسية في ذلك الوقت ، و المصريون تعبوا من كثرة الثورات ، و الإغريق هم الوحيدون الذين كانوا يساعدون المصريين في تلك الفترة بأن عملوا لديهم كجنود مرتزقة ، و الأسكندر يؤكِّدُ على احترامه لمصر و للديانة المصرية ، و يقاتل الفرس العدو الأكبر للمصريين و يسعى إلى القضاء عليهم ، و من البديهي أن يكون من مصلحة كهنة آمون أن يستردوا جزءاً من مكانتهم السياسية القديمة و تعاونهم مع الأسكندر سيفيدهم في هذا . كل هذه الأسباب _ في رأيي الشخصي _ كافية لأنْ يوافق كهنة آمون على التعاون مع الأسكندر الأكبر رغم أنه حاكم أجنبي محتل لمصر .
نستنتج من كل ما سبق أن الأسكندر الأكبر حين دخل مصر عمل على أن يحصل على لقب ابن آمون ليثبت للمصريين أنه حاكم شرعي للبلاد ، و يكسب تأييدهم ليتجنب ثوراتهم ضده فيتفرغ تماماً لقتال الفرس ، و كان لقب ابن آمون في عقيدة الإغريق يعني أن الأسكندر نصف إله و مُؤَيّد من الآلهة تماماً مثل هركليس و أخليُس (بطل اليونان في حرب طروادة) أما عند المصريين فلم يكن لقب ابن آمون يعني سوى أن الأسكندر هو الحاكم الشرعي لمصر ، و لم يكن الأسكندر أول ملك يؤلف أسطورة تنسبه إلى أحد الآلهة كي يثبت شرعية حكمه لمصر ، بل سبقه إلى هذه الفكرة اثنان من فراعنة الأسرة الثامنة عشرة هما "حتشبسوت" و "تحتمس الثالث" و من
_13_
المؤكَّدِ أنه استوحى منهم فكرة أسطورته و ذلك بالاتفاق مع الكهنة الذين فضَّلوا مساعدته كي يستردوا جزءاً من مكانتهم السياسية القديمة .
_ 14_
المراجع التي اعتمدتُ عليها في هذا المقال
(2) يقول هيرودت في كتاب "هيرودت" تأليف / أ. ج. إيفانز _ ترجمة / أمين سلامة _ مراجعة / كمال الملاخ ص119 "ترك قمبيز ممفيس بعد ذلك و اتجه إلى سايس و هو ينوي في نفسه أمراً : ما أن دخل قصر أماسيس حتى أمر في الحال بإخراج جثة الملك من قبره . فلما أخرجها الخدم أمرهم بأن يضربوا الجثة بالسياط و أن يوخزوها بالمناخس و ينزعوا الشعر منها ، و أن يلحقوا بها جميع صنوف الإهانات ، و لما كانت الجثة محنطة ، فقد قاومت كل ذلك التعذيب و لم تتفكك مهما فعلوا بها . غير أنّ الخدم تعبوا مما قاموا به ، فأمرهم قمبيز بأن يأخذوا الجثة و يحرقوها . كان هذا أمراً يتنافى مع أصول الدين حقاً "
(3) يقول هيرودت في كتاب "هيرودت" تأليف / أ. ج. إيفانز _ ترجمة / أمين سلامة _ مراجعة / كمال الملاخ ص82 "يتمسك المصريون بدينهم إلى درجة بالغة أكثر من أي شعب آخر"
(4) كتاب ليبيا و مصر فيما بين القرن السابع و القرن الرابع قبل الميلاد
تأليف / د . أحمد عبد الحليم دراز _ الفصل الرابع ص159 و قد حصلت على أجزاء من هذا الكتاب عن طريق صفحة جوجل .
(5) في ملحمتي الإلياذة و الأوديسيا للشاعر اليوناني القديم هومِرُس يتحدث هومِرُس دائماً عن مصر باعتبارها دولة قوية و غنية و أن أمرائها كرام . و عندما تحدث هيرودت عن مصر في كتابه الثاني ذكر بعضاً من قوتها و حضارتها .
(6) كتاب مصر القديمة . تأليف د/ سليم حسن الجزء الرابع ص317
(7) كتاب مصر القديمة . تأليف د/ سليم حسن الجزء الرابع ص316 ، 317


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.