استمرار الاختبارات والتقديم ل فرص العمل بمشروع الضبعة النووي    تراجع أسعار العملات العربية في ختام تعاملات اليوم 2 فبراير 2026    سموتريتش: مجلس السلام سينذر حماس بنزع سلاحها خلال شهرين    وول ستريت: ترامب طلب خيارات لضرب إيران من دون الدخول في حرب طويلة    تفاصيل عرض النجمة السعودي لضم دونجا من الزمالك    الداخلية تكشف حقيقة ادعاء تقاضي ضابط مباحث مبالغ مالية مقابل التحريات    وزراء وخبراء بمؤتمر الأزهر للمرأة يدعون لتضافر الجهود لمنع تطبيب ختان الإناث    مصرع وإصابة 17 مواطنا في حادث انقلاب ميكروباس    تدشين فرقة فنية لذوي الهمم بمركز فنون الإسماعيلية    فلسطينية مع ابنها المصاب أمام معبر رفح: مصر قابلتنا بكل ترحاب بشكل لم أتصوره    رمضان 2026.. ماجد الكدوانى يتوسط أبطال مسلسل كان ياما كان فى البوستر الرسمى    رمضان عبدالمعز: ليلة النصف من شعبان نفحة ربانية وفرصة للعفو    خطر إهمال الجيوب الأنفية وحساسية الصدر وتأثيرهما على التنفس    إكسترا نيوز: وصول أول حالة من الجانب الفلسطيني إلى الأراضي المصرية    كيفية إحياء ليله النصف من شعبان    متسابقو بورسعيد الدولية يروّجون لمعالم المدينة خلال جولة سياحية برفقة شباب المسابقة    رئيس الوزراء يتابع موقف تنفيذ المشروعات التنموية والخدمية بمحافظة السويس    استشهاد 3 فلسطينيين وإصابة آخرين في قصف إسرائيلي على وسط وشمال غزة    نص كلمة رئيس محكمة الاستئناف بالمنيا فى واقعة مقتل أب وأبنائه الستة فى دلجا    محافظ كفر الشيخ يتقدم الجنازة العسكرية لمعاون مباحث مركز شرطة الحامول في بيلا    مدير مجمع الشفاء: 20 ألف مريض بحاجة ماسة للعلاج خارج غزة    قطع المياه 4 ساعات غدا بمنطقة 15 مايو بجمصة لتركيب أجهزة قياس التصرف    رونالدو خارج تشكيل النصر أمام الرياض في الدوري السعودي    وزير الرياضة يشيد بالتنظيم المتميز للبطولة العربية للشراع وحصد مصر 8 ميداليات    المركب هيغرق.. وائل القباني يحذر مسؤولي الزمالك من بيع عناصر الفريق الأساسية    الإطار التشريعي لحماية الطفولة.. تحليل مقترحات «الشيوخ» ومبادرات الدولة    رئيس جامعة بنها يفتتح مؤتمر "التمكين المهني والتقدّم الوظيفي استعدادًا لمستقبل العمل"    ملتقى الإبداع يناقش «حلم في حقيبة» بمعرض الكتاب    متحدث الصحة: دليل إرشادي موحد لتنظيم العلاج على نفقة الدولة بأكثر من 600 مستشفى    الطب البيطري بجنوب سيناء: توفير ملاجئ آمنة للكلاب الضالة    جوناثان الكاميروني ثاني صفقات كهرباء الإسماعيلية الشتوية    رئيس الوزراء يتابع الموقف التنفيذي لمشروعات حماية الشواطئ    المنتجة ماريان خوري تستقيل من مهرجان الجونة.. لهذا السبب    محمود عاشور يشارك في معسكر حكام الفيديو المرشحين لكأس العالم    مفوضة الاتحاد الأوروبي: أوكرانيا مستعدة لتقديم تنازلات صعبة    القاهرة الإخبارية: السوداني يبحث الاستحقاقات الدستورية مع رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني    الإفتاء توضح الأدلة على فضل ليلة النصف من شعبان.. تفاصيل    كريم بنزيما يرفض تجديد عقده مع اتحاد جدة ويتجه للهلال    شريف مصطفى يفتتح معسكر التضامن الأوليمبي الدولي للكونغ فو استعداداً لأولمبياد الشباب    مديرية التضامن الاجتماعي بالقليوبية تعقد اجتماعا لاختيار الأم المثالية    رئيس مجلس الشيوخ يهنئ رئيس الجمهورية بليلة النصف من شعبان    وزارة الزراعة تطرح كرتونة البيض ب 110 جنيهات بمعرض المتحف الزراعى بالدقى    القبض على 12 متهمًا أجبروا الأطفال على التسول    الرقابة المالية ترفع الحد الأقصى لتمويل المشروعات متناهية الصغر إلى 292 ألف جنيه    وزير المالية ومركز المعلومات يكرمان صاحب المبادرة المجتمعية الأعلى تقييمًا في «الإصلاح الضريبى»    وزير الثقافة ينعى الفنان التشكيلي حسام صقر    حالة الطقس.. أتربة عالقة وأجواء مغبرة تغطى سماء القاهرة الكبرى والمحافظات    4397 مستوطنا يقتحمون باحات الأقصى خلال يناير 2026    وزير التعليم العالي يتابع انتظام تنفيذ البرنامج التدريبي المتخصص للطلاب ذوي الإعاقة بجامعة الأقصر    أسعار الدواجن البيضاء والبلدى بالأسواق والمحلات فى الأقصر اليوم الإثنين    صوم يونان.. دعوة للقلب    غارة إسرائيلية تستهدف سيارة على طريق بلدة الزهراني بجنوب لبنان    رئيس جامعة أسيوط يشهد الحفل الختامي للمبادرة الرئاسية «تمكين» بمعبد الأقصر    تسليم نظارات طبية لأكثر من 5000 تلميذ بالمرحلة الابتدائية ضمن مبادرة «عيون أطفالنا مستقبلنا» في بني سويف    محافظ الأقصر يحضر احتفال العائلة الحجاجية بالليلة الختامية لمولد أبو الحجاج    حياة كريمة.. صحة دمياط تستهل فبراير بقافلة شاملة تخدم 1217 مواطنا بفارسكور    جرامي ال68.. «الخطاة» يستحوذ على جائزة أفضل ألبوم موسيقي تصويري لأعمال مرئية    دار الإفتاء: صيام يوم النصف من شعبان من جملة الأيام البِيض من كل شهر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة يناقش قضايا الشعريات و تحليل الخطاب


الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة
حظيت الشعريات في السنوات الأخيرة بعناية فائقة من قبل الباحثين والدارسين،فأفردت لها دراسات ورسائل جامعية،وأبحاث ضمن دراسات الأدب القديم والحديث،ومفهوم«الشعرية أو الشعريات الذي لقي اهتماماً كبيراً في الفترة المتأخرة،سواء في النقد العربي أم النقد الأجنبي له جذور تراثية قديمة وآفاق غربية معاصرة،وهذا الاستخدام بوصفه مصدراً صناعياً لا على صيغة النسب هو ما يعطيه طرافته وطزاجته النقدية،وإلا فالكلمة مبتذلة وشائعة،ومنذ أرسطو كان يتحدث عن جوهر الشعر الحقيقي وما يلتبس به من المحاكاة والتخييل،واستخدمه بهذا المعنى عدد من نقاد العرب بنفس الصيغة مثل حازم القرطاجني(ت 684ه)،وشراح أرسطو من فلاسفة الإسلام كالفارابي وابن سينا وابن رشد.وظهر مصطلح( poetics)في النقد الغربي الحديث كوريث شرعي للبنيوية والأسلوبية ليردها إلى الوظيفة الشعرية في الخطاب اللغوي بعد أن تعاظم الاهتمام في المناهج السابقة(بالشفرة)اللغوية وكيف انبثقت إلى الوجود؟أي باللغة نفسها بوصفها دالاً،لا لما تحمله من مدلولات،وهناك عدد من المصطلحات العربية التي ترجم إليها المصطلح مثل(الإنشائية)و(الأدبية) وغيرها...
وتبحث الشعرية عن قوانين الخطاب الأدبي،وعن الخصائص المجردة التي تصنع فرادة العمل الأدبي،أي بصورة أخرى ما الذي يجعل من الرسالة اللغوية عملاً أدبياً(شعرياً)ثم أخذت معنى أوسع لتعني ذلك الإحساس الجمالي الخاص الناتج عن القصيدة أو عن نص أدبي،أي بعبارة أخرى قدرة العمل على إيقاظ المشاعر الجمالية،وإثارة الدهشة وخلق الحسن بالمفارقة،والانزياح عن المألوف... »)1(.
إن البحث في مفهوم«الشعرية»قد يبدو أمراً ميسوراً«إذ الظاهر أن هذا المفهوم قد قُتل درساً،وقُضي منه الوطر عند كثير من نقاد الأدب،فالباحث سيجد لا محالة مقالات متنوعة في الموضوع،وكتباً هنا وهناك تناقش المفهوم وتتفنن في عرض أصوله وامتداداته،أو طرائق اشتغاله.
وقد يسارع البعض عندما يُسأل:ما الشعرية؟إلى القول إنها علم الأدب،أو قوانين الخطاب الأدبي،أو إنها نظرية عامة للأشكال الأدبية.
ولكن عند التعمق في البحث في هذا المفهوم،سيبدو أن الظاهر غير الباطن،وأن الرائي غير السامع،إذ البحث في قوانين الخطاب الأدبي من السهل الممتنع،فأن تسمع به أهون من أن تراه،أو تُكابد عناء البحث فيه،فالأدب كائن متجدد يفرض دائماً تجدد قوانينه وتحيينها،مما يجعل تفسير تلك القوانين في كل مرحلة أدبية أو في كل جنس أدبي،أمراً بالغ الصعوبة وبعيد المنال»)2(.
من خلال هذه الورقة نسعى إلى الوقوف مع واحد من الكتب المتميزة في هذا المجال،وهو كتاب«قضايا الشعريات»للناقد الدكتور عبد الملك مرتاض،الذي يكتسي أهمية خاصة،حيث تتجلى أهميته في جمعه بين النظرية والتطبيق ،وفي تحليله بعمق وشمولية للكثير من قضايا الشعر المعاصرة،وتقديمه مسحاً شاملاً لمفهوم الشعريات في الفكر النقدي العربي،والفكر النقدي الغربي،كما يبحث الكتاب باستفاضة وعمق في بنية اللغة الشعرية وحيزها،والصورة الشعرية وجمالية الإيقاع.
قسم الدكتور عبد الملك مرتاض كتابه إلى ثمانية فصول أضاء فيها بمنهجية سليمة،وأسلوب ممتع على الكثير من القضايا الهامة.
فقد خصص الفصل الأول للحديث عن«مفهوم الشعريات في الفكر النقدي العربي»،ومن أبرز ما نبه إليه في هذا الصدد أن النقاد العرب في العصر الحديث يُطلقون مصطلح«الشعرية»،وهم يريدون به غالباً ما يريد به النقاد الغربيون من وراء إطلاقهم مفهوم«الشعريات» التي تتفرع وظيفتها إلى حقلين اثنين:
«أ.فهي تأتي بمعنى دراسة جنس الشعر من حيث هو وحدَه، أو الدّلالة على الانتماء إليه. وقد كان الشعر بمعناه المحصور هو وحده المتَّخَذَ موضوعاً للشعريّات وعنايتها، وذلك ما يُفهم من شعريّات أرسطو منذ قريبٍ من خمسة وعشرين قرناً. وقد ظلّ ذلك قائماً إلى القرن التاسع عشر، وذلك بحكم المعنى الاشتقاقيّ للشعريّات المتفرّعة عن الشّعر نفسه.
ب. كما تأتي بمعنى «النّظريّة العامّة للأعمال الأدبيّة» بعامّة، وقد يستبين هذا المفهوم من خلال عنوان المجلّة الفرنسيّة الشهيرة المتخصّصة في النّقد، وهي «شعريّات: مجلّة النظريّة والتحليل الأدبيّ»
والشعريّات بالمعنى الثاني، ومنذ القرنِ التاسعَ عشرَ، تنصرف دلالتُها المفهوميّة إلى كلّ الأجناس الأدبيّة فتتسلّط عليها بالمعالجة الإجرائيّة، فيقترب معناها من معنى «الأدب» بمفهومه العامّ»)3(.
ومنذ القرن التاسع عشر اتسعت دلالة الشعريات المفهومية،وانفتحت على جميع الأجناس الأدبية،فاقتربت من معنى«الأدب»،وبالنسبة إلى النقاد العرب القدامى،فقد توقف المؤلف مع مفهوم الشعريات باستفاضة عند كل من:ابن سلاّم الجمحي،والجاحظ، وابن قتيبة،وابن طباطبا،وقُدامة بن جعفر،والجرجاني،وابن رشيق القيرواني،وحازم القرطاجني.
في الفصل الثاني من الكتاب قدم المؤلف متابعة شاملة ل«مفهوم الشعريات في الفكر النقدي الغربي»،وقسمها في متابعته لها إلى منظورين:
أصحاب الرؤية التقليدية الذين ينظرون إلى الشعر على أنه أنواع ثلاثة:ملحمي،وغنائي،ودرامي،وهم ينتمون إلى القرون الأولى من عصر النهضة،وتضاف إلى هذا الأمر مجموعة من الشروط الأدبية التي تتسم بالقسوة،والتي كانوا يشترطون مثولها في النسج الشعري الذي يعترفون بجماليته ورقيه،ومن أبرز هذه الشروط:رفعة اللغة وجمالها وأناقتها،والاستعانة بأضرب الاستعارة والمجاز لتحسين النسج الشعري.
أما أصحاب الرؤية الحداثية،وهم النقاد الجدد الذين برزوا مع انطلاقة منتصف القرن التاسع عشر،فهم يذهبون في تقييمهم للرؤى المقدمة من قبل النقاد القدامى إلى أنها غير لائقة بتقاليد العصر التكنولوجي،ومن بين الذين ناقشوا هذا الأمر:أندري جيد(1869-1951م) الذي تساءل:أ تريدون تعريفاً جيداً للشعر؟إني لا أرى تعريفاً سليماً غير الذي يأتي:وهو أن الشعر يعمل على المضي نحو السطر قبل نهاية الجملة،ويعتبر جان كوهن من أفضل النقاد الفرنسيين الذين تناولوا الشعريات في أدق تفاصيلها،مركزاً على الجوانب الإيقاعية والدلالية،ومن ثم الجمالية التي تتجلى في وضوح الرؤية،ودقة التعبير،وصرامة المنهج.
كما أرجع جان كوهن التحولات الكبرى التي عرفتها الشعريات إلى الرومانسية،كونها نقلت مسار الشعر من العلة التي كانت الكلاسيكية تعلل بها الأشياء التي تخضعها لمنطق العقل،إلى فعل التلقي والآثار الجمالية في النفس على الوجه الطبيعي بعيداً عن العقل،فالوجدان والعاطفة هما الأساس بعد إلغاء سلطان العقل على الشاعر والقارئ.
ووفق منظور جان كوهن فاللغة الشعرية تحلل في مستويين اثنين:مستوى صوتي،ومستوى دلالي،والشعر يتعارض مع النثر بسبب الخصائص الماثلة في المستويين المذكورين،ويتضح من عرض جان كوهن :
«1.إن الشعر أولاً يأتي مناقضاً للنثر،وهذا المفهوم متداول بين الناس منذ الأزل،وفي جميع الآداب الإنسانية،ذلك بأن الاختلاف بين النثر والشعر طبيعة لسانياتية،أي شكلية.
2.إن من أهم ما يميز بين الشعر والنثر هو المستوى الصوتي،بحيث يتميز الشعر بالقعقعة الصوتية المتجسدة في تماثل الميزان العروضي،وفي القافية،وفي استثمار كل الخصائص الصوتية الأخرى.
3.إن الجمهور بحكم أنه تعود على شكل من النسج اللغوي موروث،قد فتح عينيه عليه منذ العصور الموغلة في القدم،يحكم بشعرية هذا النسج،أو عدم شعريته،انطلاقاً من هذا المعيار المأثور الذي يقوم على مستويين اثنين،و لا يحاول أن يجاوز ذلك إلى ما خلفهما من الآفاق والحدود،فإنما البحث في ذلك لا يعني إلا النقاد المتخصصين والشعراء المبدعين»)4(.
أما سارتر(1905-1980م) فقد كان يرى أنه لا أحد أجمل قولاً من مالارمي،وفي نظره أن الشعر هو محاولة سحرية لتكونه،ولكن عن طريق التلاشي المرتعش للفظ،وذلك بمزايدة الشاعر على عجزه التعبيري حينما يجعل الألفاظ مجنونة،فالغاية الكبرى-كما يرى سارتر-منذ مالارمي إلى السرياليين هي التدمير الذاتي الذي يتسلط على اللغة.
ومن أبرز الذين ركزوا على اللغة الشعرية«ميكائيل ريفاتير» الذي ذهب في تحديده لها إلى أنها تختلف كل الاختلاف عن الاستعمال اللساني المشترك،وهو ما يعرفه عامة القراء إلماماً بالفطرة،وقد ركز تركيزاً منهجياً على مفهوم اللغة الشعرية،وأشار إلى أن الشعر الرفيع في مختلف الأزمنة والأمكنة ،وفي جميع الآداب الإنسانية لا يرغب في البوح بما يريد أن يقول،وعلى القارئ أن يبحث عن الدلالة الحقيقية بعيداً عن المقاصد القريبة.
تطرق المؤلف في الفصل الثالث من الكتاب إلى الكثير من القضايا الفكرية والفلسفية التي ترتبط ب«الوظيفة الاجتماعية والجمالية للشعر»،فتوقف مع وظيفة اللغة الشعرية التي تتميز بتعددية وظائفها الدلالية،وعرض مجموعة من المفاهيم المتنوعة التي ترتبط بالوظيفة الشعرية،وتساءل في هذا الصدد؟هل نعود بالشعر إلى نظرية الفن للفن،فلا يكون له أي نفع في المجتمعات الراقية من وجهة،وإلى النظرية الفلسفية الأمريكية المادية التي لا ترى الحقيقة إلا في الشيء النافع للناس،نفعاً مادياً،فعلاً،من وجهة أخرى؟وكيف يكون الشعر الجميل كذلك وهو يعبّر عن آمال الناس،ويصوّر آمالهم،ويصف شقاءهم في صدق وجمال؟وهل يكون من حق أيّ أحد من الناس أن يحرم الشعر من أداء وظيفته الجمالية والثقافية والاجتماعية معاً؟
يذهب المؤلف إلى أن تيوفيل كويتي فشل في تكريس نظرية الفن للفن فشلاً ذريعاً،وقد أكد السرياليون على أن وظيفة الشعر ليست على شيء،وأنها مثل الفن في تفاهتها،وفي نظرهم أن الوظيفة الشعرية محدودة التأثير،وهي أعجز من أن تُفضي إلى ثورة اجتماعية حقيقية.
ووفق منظور جان ريكاردو فاللغة الشعرية لم تعد مجرد وسيلة جميلة وأنيقة لتدبيج الشعر،كما كان هذا الأمر في أذهان النقاد القدامى،بل أصبحت غاية في نفسها،وهذا ما جعله يقترح ضرورة التمييز بين ميدانين اثنين مختلفين:ميدان الكتابيب الذي هو مجرد النهوض بالإعلام من خلال الكتابات العادية التي لا إبداع فيها ولا خيال،وميدان الكُتاب الذي هو الكتابات الأدبية الراقية.
يستمر المؤلف في الفصل الرابع من الكتاب في تفكيك قضايا الشعريات،حيث نلفيه يسلط الضوء على«بنية اللغة الشعرية»،ويتوقف بالتحليل والنقاش مع شعرية اللغة،وانحرافية اللغة الشعرية وانزياحها الذي له عدة أنواع أهمها:الانزياح البلاغي،والانزياح النحوي،والانزياح الوصفي،والانزياح الأسلوبي،فالانزياح –كما يعرفه المؤلف-هو الصفة الأسلوبية التي تجعل لغة كاتب من الكتّاب ذات خصوصية في إطار النظام العام للسان الذي تنتمي إليه اللغة،فقد جاء الانزياح ليكرس ثقافة التغيير الأسلوبي،وما يحدث فيه من انحراف مفاجئ لم يكن المتلقي ينتظر وقوعه.
في الفصل الخامس من الكتاب تحدث المؤلف عن«حيز اللغة الشعرية»الذي ما يزال الإشكال قائماً بشأنه،نظراً لعدم الإجماع عليه في الاستعمال السيميائي العربي المعاصر،ومن بين المصطلحات التي يستعملها النقاد العرب الجدد مصطلح «الفضاء»الذي يرى الدكتور عبد الملك مرتاض أنه غير دقيق ،وهو يتخذ في اللغة العربية مفهوم الجو الخارجي،أما معنى«الحيز»فيشمل الخلاء والامتلاء مع بعضهما،كما أن مصطلح«الفضاء» لا يستطيع أن يؤدي كل ما ينصرف إليه في الدراسات التحليلية التي تتعلق بالأعمال السردية والشعرية.
وفي الفصل السادس حلل المؤلف باستفاضة جملة من الإشكاليات التي تتصل ب«جمالية الإيقاع وأثرها في تذوق الشعر»،وطرح مجموعة من التساؤلات المنهجية مثل:أليس الذوق هو مجرد معنى منعزل،إذا لم يتم له معنى التذوق الذي يبعث فيه التوهج والفعل والحياء؟
وقد ذكّر المؤلف بأفكار رومان ياكبسون التي قدمها في دراسته لقضايا الشعريات،فقد لاحظ أن النص الأدبي يختلف عن غيره من النصوص بمقدار ما يشتمل عليه،أو ما لا يشتمل عليه من أدبية،وتساءل المؤلف عن كيفية تذوق الشعر؟
وذهب في إجابته على هذا السؤال إلى أن اللغة التي يتذوق بها المتلقي الشعر لا ينبغي أن تكون من اللغة المصطنعة في الجرائد،وإنما المقصود بها اللغة الأدبية الرفيعة التي ترد في نسج الشعراء الكبار،فلا مناص من أن يرتفع محصول اللغة الأدبية للقارئ،فامتلاك المحصول اللغوي والأدبي يعد من الشروط المركزية في عمليتي الفهم والتذوق معاً،فالإلمام باللغة هو مكون مركزي من مكونات الذوق،فالشعر هو لعبة لغوية قبل كل شيء،والذي لا يعرف قواعد هذه اللعبة يعسر عليه فهمه،ومن ثم تذوقه.
في الفصل السابع من الكتاب تحدث الدكتور عبد الملك مرتاض عن«الصورة الشعرية»التي أخذت عدداً كبيراً من المعاني في الثقافة الفكرية المعاصرة،وهي خلاصة الإبداع وأنقى وأرقى ما تجود به القريحة عطاءً أدبياً رفيعاً،وهي المفهوم الذي يتجلى في أروع أدبية الأدب وشعرية شعره،وهي لا تمثل سوى الحقيقة الشعرية،وهي ليست تشبيهاً أو استعارة أو كناية أو مجازاً على وجه الضرورة،بل كثيراً ما تظهر في انزياحات اللغة الشعرية المعاصرة،فهي ثمرة التصوير الفني لفكرة أو عاطفة بوساطة اللغة الشعرية،وكما يرى المؤلف«فالصورة الفنية أو الشعرية ليست نظرية مفهومية يتأسس عليها مذهب فني،ولكنها إجراء تذوقي بحيث تتمثل في كل النصوص الأدبية المزدانة بالتصوير البديع،فكما أن الذوق هو ملكة تحصل للمتلقي في تذوق جمال الكلام،فإن الصورة الفنية تقع في الذهن المتلقي،والمتصور للنص المتلقي،فيقع تمثل أطوارها التي تتجلى في شبكة النص الشعري الرفيع،فتوسّع من دائرة التذوق،وتصقل ملكة التفهم».
أما الفصل الأخير من الكتاب فقد جعله المؤلف للحديث عن«قصيدة النثر أو اللا شعر بين إشكالية الماهية والبحث عن التجنيس»،وقد عبر عن رأيه في هذا النوع من الكتابة،بأنها ليست عبارة عن تطوير للقصيدة العربية،كما أنها ليست شعراً،بل هي وفق منظوره«محاولة نثرية بدائية،وربما ساذجة للتعلق بالشعرية الضائعة،من خلال العمل باللغة والاشتغال بالتصوير».
وفي الختام بقي أن نقول إن كتاب«قضايا الشعريات» يعد واحداً من أهم الكتب التي جمعت في دراستها للشعريات بين الأصالة والمعاصرة،حيث ناقش المؤلف باستفاضة قضايا الشعريات في الفكر النقدي القديم والحديث،فالشعريات موضوع شديد البروز،وقد تناثرت إشكالياته وأسئلته في بطون المصادر والمراجع،ووقف عدد كبير من الدارسين أمامه،واختيار الدكتور عبد الملك مرتاض لدراسة قضايا الشعريات بأبعادها المتشعبة يعد خطوة جريئة وشجاعة بذل من خلالها جهداً كبيراً،وتطلبت منه الدأب والصبر والروية،وقد انتهت تلك الجهود إلى تقديم خدمة جليلة للباحثين في ميدان الشعريات وقضاياها المعرفية،فهذا الكتاب يعتبر فتحاً جديداً في هذا المجال،فقد جاءت دراسة الدكتور مرتاض غنية في أفكارها،وسلسة في أسلوبها،وجديدة في مضامينها،فالمسائل التي أجلت عنها الغموض جعلتها دعامة لأبحاث لاحقة،وفيها يلفي الباحث ما يُشبع فضوله.
الهوامش:
(1)د.إبراهيم عبد المنعم إبراهيم:بحوث في الشعرية وتطبيقاتها عند المتنبي،مكتبة الآداب،القاهرة،2008م،ص:02.
(2)د.حميد حماموشي:آليات الشعرية بين التأصيل والتحديث-مقاربة تشريحية لرسائل ابن خلدون-،منشورات عالم الكتب الحديث،الأردن،2013م،ص:11.
(3)د.عبد الملك مرتاض:قضايا الشعريات-متابعة وتحليل لأهم قضايا الشعر المعاصرة-،منشورات دار القدس العربي للنشر والتوزيع، الجزائر،2009م،ص:17.
(4)د.عبد الملك مرتاض:قضايا الشعريات-متابعة وتحليل لأهم قضايا الشعر المعاصرة-،ص:74 وما بعدها.
العنوان:
الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة
Mouhamed saif alislam boufalaka
ص ب:76 A ( وادي القبة) -عنابةالجزائر
المحمول: 775858028 (213)00
559884600 (213)00
الناسوخ (الفاكس) : 35 15 54 38 (213)00
البريد الإلكتروني: [email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.