علامات استفهام كثيرة حول عصر مبارك .. ورغم ما تناقلته الفضائيات كل يوم من اعترافات شهود هذا العصر وما تكتبه الصحف يوميا من تحليلات وآراء إلا أن الحقيقة الكاملة ستظل رهن التاريخ لمدة لا تقل عن نصف قرن وذلك بحكم القانون .. وهذا ما يكشفه لنا خبراء التاريخ والوثائق والعلوم السياسية . حيث إن هناك فارقا بين الدردشة وبين البحث والتفتيش من أجل الحقيقة التي لن تكتمل إلا بعد هناك قانون صارم يحكم كتابة التاريخ في رأي الكاتب صلاح عيسي رئيس تحرير جريدة القاهرة والذي يقول : هناك فارق بين الكتابة للناس علي صفحات الجرائد وبين الكتابة للتاريخ فالنوع الأول ازدهر في السنوات الخمس الأخيرة حيث كانت هناك حرية وكان متاحا لأي أحد أن يقول أي حاجة لكن الفهم والكتابة التاريخية عملية عميقة جدا تحتاج لمراحل عديدة من الوقت والبحث وهذه القراءة التاريخية تتطلب غياب أبطال المرحلة يعني بالبلدي موتهم لأنه من الصعب أن نتناول موضوعا في حين يكون أبطاله علي قيد الحياة حيث سيحدث تعاطف أو تحامل علي القضية أو علي الحقبة ويكون من الصعب علي الإنسان أن ينفصل عن ذاته أيضا حتي نقول عن أي مرحلة إنها تاريخ فإننا بحاجة لمرور 50 سنة عليها طبقا لتقييم أقسام التاريخ في جامعاتنا المصرية .. أما فيما يتصل بالوثائق فإننا نجد أن قانون الوثائق المصري يلزم الجهات والمصالح والمؤسسات بما فيها مؤسسة الرئاسة والداخلية بتسليم مستنداتها لدار الوثائق القومية وذلك بعد مرور 15 سنة علي صدور هذه الوثيقة بحيث تكون الحاجة إليها غير قائمة وإذا وجدت هذه الجهات أن هناك خطرا علي الأمن القومي من وثيقة معينة تكتب عليها ' محظور عرضها ' حتي يمر عليها 50 سنة علي الأقل فبعد هذا التاريخ لا يجوز حجب هذه الوثيقة مطلقا ولكن هذا القانون معطل وما يحدث أن هذه الجهات ترفض تسليم ما لديها من وثائق ولك أن تتخيل أن مؤسسة الرئاسة تمنع حتي الآن وثائق خاصة بالرئيس عبد الناصر والرئيس السادات فما بالك بمبارك؟ ! إذا كانت الوثائق مسألة صعبة بهذا الشكل فهل يمكن الاعتماد علي المذكرات والروايات والانتاج الثقافي بشكل عام في فهم ما جري .. عن هذه النقطة يجيب الدكتور جابر عصفور وزير الثقافة السابق قائلا : أعتقد أن الأدب يمكن الاعتماد عليه ولكن باعتباره عاملا مساعدا لا أكثر ولا أقل حيث إن الأدب ليس مصدرا للمعلومات وإنما مصدر للأوضاع العامة يعني الظروف المحيطة والأحداث وأحوال الناس وظروفهم وأخلاقهم وخلافه وهناك مشكلة أخري كبيرة وهي أنه حتي الآن وجدنا أن الإشارات السياسية لعصر مبارك في الروايات تكاد تكون قليلة جدا ولا تنقل الواقع مثلما فعلت روايات نجيب محفوظ أما فيما يتعلق بالمذكرات التي سننتظرها من رموز النظام السابق فأنا أعتقد أنهم لن يقولوا الحقيقة لأنهم كانوا شركاء في الجريمة إلا إذا كانوا أناسا قد انشقوا عن النظام وخرجوا من عباءته وقتها ممكن ننتظر منهم حاجة يعني أنا لا أتصور أن زكريا عزمي سيقول الحقيقة في يومياته .. وهنا لا يمكن أن نقارن هؤلاء بالمجموعة التي كانت مثلا مقربة من الملك فاروق قبل ثورة يوليو فهؤلاء كانوا حاجة أخري حتي عندما كانت تتضارب أقوالهم فإنه كان من السهل كشف الحقيقة . الخصومات والمعارك السياسية أكيد لها تأثير هي الأخري علي فهم التاريخ حيث يقول الدكتور جهاد عودة أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان : هناك أحداث خاصة بالحياة العامة للمصريين يمكن رصدها بسهولة مثل الاضرابات والاعتصامات وما شابه , وهذه يمكن معرفتها من خلال تقارير الوضع الاقتصادي ومتابعات الجرائد والدراسات التي تجريها المراكز المعنية لكن المشكلة الكبيرة تكمن في الوقائع الخاصة بالنظام والتي لا يمكن معرفتها إلا من خلال التقارير والمستندات الخاصة وهي ما يسمي بالوثائق الرسمية التي تحتاج لقدرة عالية علي تحليلها وفهمها إذا ما تم الحصول عليها وحتي نفهم عصر مبارك فإننا سنكون بصدد مشكلات كبيرة جدا وذلك لأن أغلب المعلومات غير مكتملة وبعضها غير مؤكدة وفيه ناس ' بتضرب ' الحقائق وتتعمد تزييفها أيضا الروايات التي نسمعها الآن علي الفضائيات لا يمكن الاستناد إليها بشكل كامل لأننا الآن في فترة تصفية حسابات وكل واحد من شهود هذا العصر ظن الآن أنه إما بطل إذا كان علي عداوة مع النظام السابق أوب ريء إذا كان علي علاقة به وفي اعترافات هؤلاء الشهود تكون الموضوعية مفقودة دائما ونحن سنظل علي هذه الحالة أكثر من 3 سنوات والحقيقة يعرفها ربنا وحده أما نحن فسنعرفها فيما بعد يعني لنا أن نتخيل أن ثورة يوليو أخيرا استطعنا أن نفهم الكثير من أسرارها في السنوات الأخيرة ونفس الكلام ينطبق علي عصر عبد الناصر والسادات أيضا أي عصر حتي نحكم عليه فإنه ينبغي أن ينتهي تماما ويصبح من ذكريات التاريخ وبالنسبة لعصر مبارك فإنه لم ينته بعد وستظل تأثيراته باقية معنا لسنوات طويلة أخري . أما عن تضارب وجهات النظر وغياب الكثير من الحقائق حول الأحداث الأخيرة مثل الانفلات الأمني والفتنة الطائفية والثورة المضادة فيقول الدكتور إبراهيم العدل أستاذ ورئيس قسم التاريخ بآداب المنصورة : في المجال السياسي هناك أهواء ونزاعات وميول وكل واحد له رؤية ووجهة نظر يري بها الأحداث ومن هنا يحدث الخلاف وتتعدد التفسيرات لكنك في النهاية تكتب ما للشخص وما عليه ومن هنا فإن التاريخ أكثر إنصافا لأي حاكم أما ما نراه علي الفضائيات وفي البرامج وفي بعض الكتابات فهو مجرد دردشة لا يجب أن نسير خلفها لأنها تتم في إطار تصفية الحسابات , أيضا لا يمكن أن نصل للحقيقة الكاملة من خلال روايات الاشخاص لسبب بسيط وهو أن الروايات تنقل ما رآه هذا الشخص فقط لكنها لا تنقل ما وراء ما رآه ! أيضا ثورة يناير وحقبة مبارك لا يمكن فهمها إلا عندما تصبح تاريخا وهذا يتطلب عقودا من الانتظار أما التاريخ الاجتماعي فإنه من السهل الحديث فيه بمعني أننا من بكرة ممكن نؤرخ لحياة المصريين بالتفصيل خلال ال 30 سنة الماضية لكننا لا يمكن أن نؤرخ لحياة مبارك علي الإطلاق أو أسباب ونتائج سياساته إلا بعد عشرات السنين ومن الآن فصاعدا ستظهر عشرات الروايات التي لن تخلو أبدا من الكذب في بعض جوانبها حتي أن بعض الوثائق نفسها قد تكون كاذبة وهذا ما حدث في ألمانيا عندما قام جوبلز وزير الدعاية في عهد هتلر بتزييف الوثائق حتي يضلل التاريخ ولكن تم كشف الحقيقة . أيضا هناك مسألة هامة جدا وهي أنه توجد أحداث خطيرة لا تسجلها الأدلة أو الأوراق يعني مثلا فيه واحد طلع بوثيقة مكتوبة تقول إن حبيب العادلي أمر بإطلاق النار علي المتظاهرين بتكليف من حسني مبارك وهنا نقول إنه من المنطقي ألا يقوم أحد بكتابة اعتراف يدينه لمجرد إصدار أوامر معينة وهذا الامر ينطبق علي أحداث كثيرة جدا حصلت مؤخرا ولم تكتب مع أنها كانت ذات تأثير علينا كشعب من غير شك . أيضا بعد الثورات تدخل البلاد في فترات من الضبابية وعدم وضوح الرؤية هذه الفترة قد تصل إلي 15 سنة علي الأقل وهذا ما حدث في ثورة يوليو , والأدهي من ذلك أن هناك احتمالية كبيرة لحجب التاريخ عن عصر مبارك من خلال تشكيل لجان بعد أن ينفض مولد الثورة لغربلة الوثائق خاصة أنه من المفروض الآن أن تقوم مؤسسة الرئاسة بتسليم ما لديها من وثائق تخص العصر الذي انتهي حتي تبدأ عصرا جديدا .