بقلم : عصام الشريف لا يختلف أحد حول وطنية هذا الضابط الصعيدى المناضل الذى ينتمى لأسرة مصرية بسيطة ولكن حبه وعشقه لتراب بلده وأمنيته التى كانت هى أمنية كل مصرى حر يأبى إلا أن يرى تراب بلده تفوح منه رائحة الحرية وأن يتنفس هواءها وأن يحيا ويرى أبناءه ينعمون بها حتى وإن كلفه ذلك حياته ودمه الذى لن يتوانى فى بذله فى سبيل هذا الهدف الأغلى والأسمى. وكيف السبيل إلى هذا الهدف وهذه الأمنية الغالية وشمس بلادنا تسطع فى خجل وكأنها عذراء خدش حياؤها وشباب هذه الأمة يشعر بالخجل والمهانة، فكان الحلم الذى يسيطر على جميع طوائف الشعب الحر مهما اختلفت أطيافه. فهذا المسلم الذى يرى فى احتلال بلده وعدم مقاومة هذا المحتل كبيرة لا تغتفر إلا بالجهاد ضد هذا المحتل لإخراجه من أرضه مهما كلفه ذلك، فهو يرى ويؤمن بأنه فائز ومنتصر لا محالة.. فإما النصر والتحرر، أو الشهادة والفوز برضوان الله تعالى. ثم تجد أطياف الشعب المختلفة كل على حسب صدقه وإيمانه بقضيته العادلة فنجد فى النهاية.. هذا الشاب يقف فى خندق واحد مع الإخوان المسلمين ولما لا وهو شاب مسلم يرى فى دينه العزة والرفعة، فالإسلام والتدين هما السبيل لتحرر هذه الأمة فتجده إخوانيا ولا ينكر هذا الانتماء فى بدايته. وتكتل الجميع من أجل هدف واحد.. وهو الحرية. وكان لهم ما أرادوا.. فكانت الحرية.. وأكثر. فوجد هؤلاء الفتية أنفسهم وقد أوقعهم قدرهم فى أكبر فتنة تعرضوا لها، ولِمَ لا؟ وحكم مصر الآن أصبح واقعا لا يمكن لأحد منهم التخلى والتنصل منه. فالثورة نجحت.. وأحلام هؤلاء الشباب لم تعد محصورة فى طرد المستعمر والملك العميل.. ولكن الأمر تجاوز كل ذلك بكثير وكانت هنا.. نقطة الخلاف والاختلاف. فقد تخلى هؤلاء الفتية عن مبادئهم، واشتروا الحياة الدنيا بكل ما فيها من نعيم وبذخ بالمبادئ التى تعاهدوا على تحقيقها ووضعوا أيديهم فوق المصحف الشريف وأقسموا بالله العظيم على بذل أرواحهم فداء لدينهم وأرضهم وعرضهم تخلوا جميعا عن هذه المبادئ وهذا هو الشاب الصعيدى ومعه أكبر فتنة عرفها وانزلقت قدماه فى الهاوية. نعم بكل تأكيد هاوية سحيقة لم يستطع النهوض منها. حبه لذاته وشهوة الحكم والسلطة جعلوا منه شخصا آخر غير ذى قبل. تنازل عن مبادئه، وباع أفكاره وانتمائه لخير أمة واستبدلهم ببعض الشعارات التى تصور أنها ستجعله مخلدا فى هذه الدنيا، فتبنى أفكارا شيوعية وانغمس فيها حتى أذنيه. تصور نفسه زعيما للمستضعفين فى الأرض ووالى جيفارا وشلته. أقحم نفسه فى نزاعات أضعفته وأوهنت قوته لا لشىء سوى أن يطلق اسمه على شوارع فى كاراكاس أو حتى فى أدغال أفريقيا. قام وبكل أسف باختيار عناصر فاسدة فى معاونته فى حكم أكبر دولة عربية وإفريقية، فكان الانهيار السريع. لم يفق ولم يتراجع عن أخطائه بل تمادى فيها فكانت.. النهاية عبدالناصر.. صريع حب الذات هذا باختصار شديد عبدالناصر.. ماله وما عليه. من الطبيعى جدًا أن يكثر الحديث الآن عن «جمال عبدالناصر»، ليس بتناول شخصه وإنما بتناول فكره وخطواته الإصلاحية التى أخذت مصر من عهد الملكية إلى عهد الجمهورية، ولعل مناسبة الحديث عن «عبدالناصر» فى فترة ما بعد ثورة 25 يناير إنما تأتى من زاويتين رئيسيتين، الأولى: بسبب تأسيسه أول حركة ثورية فى العالم العربى وهى الحركة التى أصبحت ملهمة لجميع الثورات التحررية فى العالم العربى وقت ذاك، والثانية: اهتمامه الواضح بالفقراء ومفهوم العدالة الاجتماعية وهو المصطلح الذى ظل حاضرا طوال أيام الثورة وخلال المرحلة الانتقالية حيث شهدت بدايات الثورة الأولى رفع مطلب العدالة الاجتماعية التى كان «عبدالناصر» أول من وضع أسسها وأنشأ آليات حقيقية لتطبيقها. لكن الحديث عن «جمال عبدالناصر» عمومًا ليس بالحديث السهل، إذ أن الرجل خلف إرثًا وجدلاً لم يخلفه زعيم قبله ففى حين يرفعه الناصريون إلى أعلى المنازل وإلى درجة التقديس، نجد أن فصائل سياسية أخرى تهوى به إلى أحط المنازل، ولكل تيار بالطبع حجته وحقائقه التى يرتكز عليها فى حكمه على هذه الشخصية غير القابلة للتكرار. لكن ما بين الفريقين تضيع الحقيقة فعبدالناصر ليس بالإله المنزه عن كل نقص وخطأ كما يقول الناصريون، وهو أيضًا ليس بالشيطان الديكتاتور كما يقول الإسلاميون، فبعبارة دقيقة يمكن أن نقول إن الرجل قاد مصر فى مرحلة حساسة للغاية من تاريخها وله ما له وعليه ما عليه. لا يختلف أحد حول وطنية «عبدالناصر» حتى من معارضيه فهذا الضابط الصعيدى المناضل الذى ينتمى لأسرة مصرية بسيطة والذى يعشق وطنه أبى أن يرى تراب بلده أسيرا فى يد مستعمر غاشم وملك غير مسيطر على الأوضاع ولذا فقد قرر «عبدالناصر» هدفه وهو ضرورة الخلاص من هذا الوضع المعقد، فأسس تنظيم «الضباط الأحرار» وتحالف مع الإخوان وهو يراهم أقرب الناس لفكره وعقيدته السياسية، ولما لا وهو شاب مسلم يرى فى دينه العزة والرفعة، فعاش «عبدالناصر» حينًا من الدهر إخوانيا وهو بالمناسبة لم ينكر هذا الانتماء فى بدايته. كانت البداية أسهل بكثير فإنشاء تنظيم الضباط الأحرار والتحالف مع الإخوان من أجل هدف واحد هو الحرية ليس بالأمر المعقد ونجاح الثورة كان طبيعيا جدًا فى ظل ضعف المؤسسة الرسمية المصرية وضياع القرار السياسى بين لندن والقاهرة، لكن المشكلة الحقيقية فى إدارة الدولة بعد أن تملكها العسكر وأصبحت عجينة فى أيديهم يشكلونها كيفما شاءوا. بالطبع كان بداخل عبد الناصر مشروع القومية العربية وكان بداخل الإخوان مشروع آخر هو تأسيس دولة إسلامية فى مصر أولا لينطلق منها المارد الإسلامى فى العالم كله، وكان من المحتم أن يصطدم المشروعان رغم أنهما يتفقان فى أصلهما، ولربما لو كان مؤسس الإخوان الشيخ «حسن البنا» حاضرًا فى ذلك الوقت لكان تفادى الصدام مع صاحب الثورة، ولكان استطاع بحكمته المزاوجة بين مشروع «ناصر» ومشروع الإخوان، فلم يكن أحد يحتاج أحدا مثلما كان عبدالناصر يحتاج الإخوان ومثلما كان الإخوان يحتاجون عبدالناصر، ففى الأخير وجدت معانى الشموخ والكرامة والعدالة التى هى من أهم خصائص الإسلام. لكن اختار الإخوان طريق الصدام وكان الصدام داميًا. كان عبدالناصر يريد إقامة دولة على أسس العدالة الاجتماعية والكرامة العربية لينطلق بها إلى العالم العربى فأمم قناة السويس ومنح الأراضى للفلاحين وأتاح مجانية التعليم، وفى الخارج ساند الثورات التحررية فى العالم العربى وأرسى مبادئ القومية العربية. لكن الإخوان لم يستوعبوا معنى بناء دولة من الصفر محاطة بخطر إسرائيلى بريطانى فرنسى، فلم يساندوا حليفهم بل وقفوا له بالمرصاد، فعملوا على ضربه من الداخل بسلاح المنشورات وإحياء التنظيم السرى من جديد، فلم يجد عبدالناصر بدًا من التنكيل بهم. وما بين القول بتقديس «عبدالناصر» والقول ب «شيطنته» تبقى الحقيقة أنه كان حالة خاصة فى منطقة لا تجود كثيرا بالزعماء ومن ثم فإن تجربته تبقى تجربة من أهم التجارب فى المنطقة والتى ستظل ملهمة لكثير من الزعماء عبر العالم لكن يمكن القول أن هذه التجربة ينبغى مراعاة سلبياتها مثلما ينبغى النظر إلى إيجابياتها!!