فى ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة بالمنطقة وتداعياتها الاقتصادية على مختلف دول العالم، اتخذت الحكومة حزمة من الإجراءات الهادفة إلى ترشيد الإنفاق ومواجهة أى تأثيرات محتملة على الاقتصاد الوطني، وتأتى هذه الخطوات فى إطار الاستعداد المبكر للتعامل مع التحديات الاقتصادية العالمية، خاصة ما يتعلق بارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف النقل والشحن واضطراب سلاسل الإمداد. وفى هذا السياق، أكد خبراء الاقتصاد فى تصريحات ل روزاليوسف، أهمية هذه القرارات، معتبرين أنها تمثل خطوة إيجابية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي، مع ضرورة التوسع فى زيادة الإنتاج المحلى وتقليل الاعتماد على الواردات غير الأساسية، إلى جانب العمل على جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، بما يدعم قدرة الاقتصاد المصرى على تحقيق نمو مستدام، وفى المقابل، حذر الخبراء من أن ارتفاع أسعار المحروقات قد يؤدى إلى عودة معدلات التضخم للارتفاع مرة أخرى، بما ينعكس على أسعار السلع والخدمات ويزيد من الضغوط المعيشية على المواطنين. تعزيز الإنتاج المحلى لمواجهة التحديات العالمية قال الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادى ورئيس مركز العاصمة للدراسات والأبحاث الاقتصادية لروزاليوسف، إن حزمة القرارات التى اتخذتها الحكومة تعد خطوة إيجابية فى إطار ترشيد الإنفاق والاستهلاك، مشيرا إلى أن هذه الإجراءات تأتى فى توقيت مهم لمواجهة التداعيات الاقتصادية التصعيدات العسكرية فى المنطقة. وأوضح الشافعى أن الحروب والتوترات الجيوسياسية تنعكس سلبا على الاقتصاد العالمى بشكل عام، وعلى الاقتصاد المصرى ضمن هذه المنظومة، لافتا إلى أن أبرز التأثيرات تتمثل فى ارتفاع أسعار النفط والطاقة والغاز، إلى جانب زيادة تكاليف النقل والشحن، فضلا عن تباطؤ سلاسل الإمداد والتوريد، وهو ما يؤدى فى النهاية إلى ارتفاع أسعار السلع والمنتجات المختلفة. وأضاف أن الحكومة، وهى تضع هذه الرؤية لترشيد الإنفاق، اتخذت خطوة مهمة لضبط الاستهلاك، إلا أن المرحلة الحالية تتطلب بالتوازى الاعتماد بشكل أكبر على القدرات الذاتية للاقتصاد الوطني، من خلال تحفيز الصناعة المصرية وتشجيع الأنشطة الإنتاجية القادرة على توفير بدائل للمنتجات المستوردة. وأشار الشافعى إلى أن تعزيز الإنتاج المحلى يمنح الاقتصاد المصرى قدرة أكبر على مواجهة التحديات العالمية والتوترات الجيوسياسية التى تؤثر على حركة التجارة والاقتصاد الدولي، مؤكدا أنه كما تم وضع «روشتة» لتقليل الإنفاق، فإن الأمر يتطلب أيضًا وضع «روشتة اقتصادية» موازية لزيادة قدرات الاقتصاد المصري. وأكد أن هذه الرؤية يجب أن تركز على رفع معدلات النمو، وزيادة الإنتاج، وتعزيز القدرة التصديرية للمنتجات المصرية، سواء الزراعية أو الصناعية، مشددا على ضرورة تبنى رؤية عاجلة لتمكين الاقتصاد المصرى من الانطلاق، عبر زيادة الصادرات، وتحفيز الصناعة، ودعم مختلف القطاعات الإنتاجية، بما يحقق وفرة فى السوق المحلية ويقلل من التأثيرات السلبية للحروب والأزمات العالمية. إجراءات حكومية لترشيد الإنفاق وفى هذا الإطار، تقرر البدء فى تنفيذ عدد من إجراءات الترشيد داخل الجهات الحكومية وبعض الأنشطة كثيفة الاستهلاك للطاقة، بما يسهم فى خفض استهلاك الوقود والكهرباء خلال الفترة المقبلة، مع مراجعة أنماط التشغيل فى عدد من المشروعات والخدمات التى تعتمد بصورة كبيرة على السولار والمازوت والبنزين، وضبط إيقاع العمل بها بما يحقق خفضًا ملموسًا فى الاستهلاك، دون الإخلال بانتظام الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين. كما تم توجيه السادة المحافظين بالمتابعة الميدانية اليومية لملف ترشيد استهلاك الكهرباء، بما يشمل مراجعة أوضاع أعمدة الإنارة فى الشوارع والميادين العامة وضبط توقيتات تشغيلها، ومتابعة إضاءة اللوحات الإعلانية واللافتات التجارية للتأكد من الالتزام بضوابط ترشيد الاستهلاك، مع اتخاذ الإجراءات الفورية اللازمة لضبط أى مخالفات فى هذا الشأن. فاتورة استيراد الطاقة أكد الدكتور مصطفى أبو زيد، مدير مركز مصر للدراسات الاقتصادية، ل روزاليوسف، أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تحمل تداعيات سلبية على الاقتصاد المصري، أبرزها تراجع إيرادات قناة السويس نتيجة ارتفاع مخاطر عبور السفن من منطقة باب المندب، وهو ما يزيد من الضغوط على القناة التى لم تتعاف بعد من تداعيات الحرب الأخيرة على غزة، إلى جانب احتمالات تراجع تحويلات المصريين بالخارج. كما أشار إلى تأثير توقف إمدادات الغاز من حقل «ليفياثان» الإسرائيلي، الذى كان يمر عبر مصر ويسهم فى تلبية جزء من الاحتياجات المحلية للأنشطة الاقتصادية والاستخدامات السكنية بتكلفة منخفضة. وأوضح أبو زيد أن فاتورة استيراد الطاقة خلال عام 2025 بلغت نحو 19.5 مليار دولار بزيادة %56 مقارنة بعام 2024، بينما وصل حجم استيراد الغاز المسال وحده إلى 12.5 مليار دولار، ولفت إلى أن إنتاج مصر الحالى من الغاز الطبيعى يبلغ نحو4.1 مليار قدم مكعب يوميا، فى حين يصل الاستهلاك الكلى إلى 6.2 مليار قدم مكعب يوميا ويرتفع إلى 7.2 مليار قدم مكعب فى الصيف، ما يخلق فجوة تتراوح بين مليارين إلى ثلاث مليارات قدم مكعب يوميا، وهو ما يدفع مصر لاستيراد ما بين 155 و160 شحنة غاز مسال سنويا. وأضاف أن توقف الإمدادات القادمة من خط «ليفياثان» الذى يمد مصر بنحو مليار متر مكعب سنويًا سيزيد من تكلفة الاستيراد، خاصة مع ارتفاع الأسعار العالمية منذ اندلاع الحرب بنسبة %14، بينما ارتفعت أسعار الغاز الأوروبى بنحو %70، ورغم تعاقد الحكومة المصرية على شحنات غاز مسال حتى عام 2027، فإن التسليم يتم وفق الأسعار وقت التسليم، ما يعنى أعباء إضافية على الموازنة العامة وزيادة الطلب على العملة الأجنبية. وأوضح أن هذه التكلفة يتم تقاسمها بين الموازنة العامة للدولة والمواطن، حيث يمرر جزء منها عبر رفع أسعار المواد البترولية. تحذيرات من عودة معدلات التضخم وأشار أبو زيد إلى أن قرارات الحكومة تأتى فى إطار خفض الإنفاق الحكومى وتحمل جزء من الأعباء الناتجة عن الحرب، لافتا إلى أن من أبرز هذه الإجراءات خفض الواردات تامة الصنع غير الأساسية، لأنها ليست من مستلزمات الإنتاج، وهو ما يسهم فى تقليل الضغوط الاستيرادية والتضخمية وتوفير العملة الأجنبية، بما ينعكس إيجابا على عجز الميزان التجاري. وشدد على ضرورة التوسع فى زيادة الإنتاج المحلي، وتعظيم القيمة المضافة، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة لضمان استدامة النمو الاقتصادى وزيادة الناتج المحلى الإجمالي. وحذر أبو زيد من أن زيادة أسعار المحروقات قد تعيد معدلات التضخم إلى الارتفاع بعد أن كانت تتجه للانخفاض، مشيرا إلى أن البنك المركزى كان قد بدأ سياسة التيسير النقدى بخفض أسعار الفائدة، إلا أن هذه التطورات قد تدفعه إلى تبنى سياسة أكثر تحفظا، سواء بتثبيت الفائدة أو رفعها وفقا للمتغيرات الاقتصادية العالمية والإقليمية. وأضاف أن ارتفاع أسعار الوقود ينعكس مباشرة على تكلفة السلع والخدمات، ما يضغط على القوة الشرائية للمواطن ويحد من قدرته على تلبية احتياجاته اليومية. اقتصاد الحرب ومن جانبه، وصف الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، ل روزاليوسف، الإجراءات التى اتخذتها الحكومة بأنها إجراءات تحفظية تستهدف تقليل الإنفاق وخفض عجز الموازنة، مشيرا إلى أنها قد تسهم على المدى المتوسط فى تحقيق وفرة مالية تساعد الدولة على تقليل الاعتماد على الاستدانة وسداد التزاماتها. وأوضح أن رئيس الوزراء كان قد أشار خلال الربع الأول من عام 2025 إلى وجود خطة تعرف ب«اقتصاد الحرب»، تتضمن مجموعة من التدابير لمواجهة الأزمات المحتملة، إلا أن قرار رفع أسعار المحروقات جاء سريعا، وكان من الأفضل التريث لمعرفة ما إذا كانت الحرب ستنتهى سريعا أم ستطول، خاصة أن رفع الأسعار فى الوقت الحالى قد يؤدى إلى موجة تضخم كبيرة، بالتزامن مع موسم يزداد فيه الطلب داخل السوق المصرية. وأشار النحاس إلى أن الإجراءات الاجتماعية التى اتخذتها الدولة، مثل دعم السلع التموينية وبرامج «تكافل وكرامة»، قد لا تكون كافية لمواجهة موجة التضخم المتوقعة، مؤكدا ضرورة دراسة الآثار المترتبة على زيادة أسعار الوقود بدقة، خاصة على محدودي، ومتوسطى الدخل. كما تساءل عن قدرة الدولة على دعم وسائل النقل العام والمترو لتخفيف عبء المواصلات على المواطنين، لا سيما فى ظل الموسم الدراسي، إضافة إلى مدى جاهزية المنافذ التموينية لاستيعاب زيادة الطلب على السلع، فى ظل احتمال قيام بعض التجار برفع الأسعار، وهو ما يمكن مواجهته عبر استخدام المخزون الاستراتيجى لتثبيت الأسعار. الأزمات الاقتصادية المقبلة قد تكون أكثر حدة ودعا النحاس الحكومة إلى تجميد أى زيادات فى أسعار الخدمات التى تقدمها الدولة، سواء التعليمية أو الصحية وغيرها، مؤكدا أن الاقتصاد يواجه موجة تضخمية قد تتفاقم نتيجة ارتفاع أسعار الوقود وسعر الصرف، وهو ما ينعكس سلبا على معيشة المواطنين. كما حذر من أن التضخم قد يأتى من الداخل والخارج معا، مشيرا إلى أن تقليص الواردات إلى السلع الأساسية فقط يجب أن يتم بحذر، خاصة فى القطاعات المرتبطة بالسياحة، التى تتطلب توافر السلع والخدمات اللازمة للسائحين، إلى جانب أهمية توفير العملة الأجنبية لاستيراد المواد الخام التى تدخل فى الصناعات التصديرية. وطالب بضرورة تشكيل لجنة متخصصة لتحديد السلع الأساسية التى يجب السماح باستيرادها، مقابل السلع غير الضرورية التى يمكن الاستغناء عنها فى هذه المرحلة. 1 2