يبدو أن ما يدور بين إيرانوأمريكا حتى الآن هو إعلان هدنة بين جولتين من الحرب، في ظل تقدير موقف لا يشجع على مواجهة جديدة. فصعوبة الخلافات تجعل التغلب عليها مرهونًا بما يُعرف بالتفاهمات. لذلك، فإن مصر والدول الخليجية، وعلى رأسها السعودية وقطر والكويت، تشجع على المضي في التفاوض حتى يتم التوصل إلى حل، ولو استغرق وقتًا طويلًا. هذه الدول تدرك تمامًا أن فشل التهدئة يعني كارثة كبرى على منطقة الشرق الأوسط، وأن مجرد استمرار التفاوض، حتى لو من أجل التفاوض، يُعد إنجازًا لأنه يبعد شبح الحرب ويمنح فرصة لصناعة الحل. أبرز ما تحقق حتى الآن هو إبعاد الحرب المباشرة بين أمريكاوإيران، ومنع التشكيك في مصداقية المفاوض الأمريكي عند الوصول إلى أي تفاهم وربما يصبح ممكنًا لاحقًا الدفع باتجاه تنازلات جزئية تحت شعار بناء الثقة، مثل تجميد التخصيب مقابل رفع بعض العقوبات، لتكون جزءًا من اتفاق يسعى إليه الجميع. وكما هو معتاد، فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يتخذ خطوات في الشرق الأوسط إلا بعد الرجوع إلى إسرائيل، ومن هنا تأتي أهمية زيارة نتنياهو هذا الأسبوع إلى واشنطن، والتي قد تكشف عن توجهات جديدة في المفاوضات مع إيران، إذ ذكرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية أن نتنياهو قد يُظهر مرونة في ملف غزة، عبر تسهيل مهام مجلس السلام الدولي الذي يتولى الإدارة الأمنية والإدارية في القطاع، مقابل الحصول على دعم أمريكي لشن هجوم استراتيجي محتمل ضد البرنامج النووي الإيراني، فيما وصفته الصحيفة ب«صفقة المصالح الكبرى». وتركز المفاوضات بين ترامب ونتنياهو على تفعيل المرحلة الثانية من خطة إدارة غزة، التي تشمل مجلس سلام دولي يتولى أمن القطاع. لكن الصحيفة أشارت إلى أن إسرائيل تتعامل مع التوتر بين أمريكاوإيران باعتباره فرصة لضرب إيران، حتى لو كان ذلك على حساب خطة ترامب في غزة أو مصالح دول المنطقة. في المقابل، تتصاعد المعارضة داخل الولاياتالمتحدة ضد أى حرب جديدة، خشية خسائر بشرية ومالية وعسكرية ضخمة وفى دراسة حديثة أجراها خبراء عسكريون أمريكيون قدّرت حجم الخسائر خلال السنوات الماضية في حروب الشرق الأوسط بما فيها غزة ولبنان والحوثيين وأخيرا إيران بتريليون دولار، وتندر وتعجب التقرير من المفارقة بأن الصاروخ الأمريكي الذى يبلغ تكلفته مليون دولار يخرج لمواجهة طائرة مسيّرة لا يتجاوز ثمنها ألف دولار، واتهم التقرير ترامب بإهدار أموال طائلة في خدمة إسرائيل بشكل عشوائي وجنوني عكس ما كان يرفعه من شعار «أمريكا أولاً». كل هذه التطورات تؤكد أن عملية التفاوض بين إيرانوأمريكا لن تكون قصيرة، الأمر الذي سيؤدي إلى استمرار القلق والتوتر في المنطقة, ووجود الأسطول الأمريكي أمام السواحل الإيرانية قد يضعه في مواجهة مباشرة مع الحرس الثوري الإيراني، بغض النظر عما يريده ترامب وليس من المؤكد أن ذلك سيُغيِّر سلوك النظام الإيراني كما أن قدرة أمريكا على تحقيق نصر تكتيكي ضد الجيش الإيراني تبقى محل شك وهو ما يحمل مخاطرة كبيرة. ويحذر الخبراء من أن الوضع العسكري في خليج عُمان قد يتصاعد إثر حوادث تكتيكية بين السفن، مثل محاولة البحرية الإيرانية إيقاف السفن الأمريكية وتفتيشها، أو تحليق مسيّرة إيرانية قرب مجموعة حاملة الطائرات الأمريكية «أبراهام لينكولن» فمثل هذه الحوادث قد تشعل حربًا دون قرار مركزي، إذ تكفي شرارة واحدة لإشعال فتيل الحرب فى البحر بينما تستمر المفاوضات على البر. ما نراه الآن على الشاشات وما تتداوله وكالات الأنباء ليس تصعيدًا عسكريًا تقليديًا ولا سباقًا نحو الحرب كما يظن بعض المراقبين، بل وصول الجميع إلى تحقيق الحد الأقصى من المصالح وتجنب الخسائر الكبيرة التي يمكن أن تسببها الحرب، وعلى هذا الأساس لن تخطو أمريكا خطوات جديدة في طريق الحرب لكن الحشد العسكري الأمريكي يعزز ويعضد الحصول على أكبر المكاسب عن طريق المفاوضات وفي الوقت نفسه التصريحات الإيرانية الحادة هي لغرض أساسي يتمثل في رفع سقف المكاسب عبر التفاوض, فكل من أمريكاوإيران يصعدان الحشد العسكري والتصريحات النارية للوصول من خلالها إلى مد حالة التفاوض لتسود حالة «لا سلم لا حرب» وهنا يكمن الأخطر، إذ أن هذه الحالة ستُفرض على الدول الخليجية المحيطة بإيران التي ستعيش على خطر أن النار تقترب منها.