لم يكن اعتراف رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو بأرض الصومال -صومالىلاند- وليد المصادفة، فهو يكشف نشاط الموساد فى القرن الأفريقى، وخطة تهجير جديدة تُعّد للفلسطينيين، كما يكشف عن وضع إسرائيل قدمها فى باب المندب، بعد سنوات من النشاط السرى وبناء علاقات وثيقة مع كبار المسئولين فى الكيان الجديد الواقع فى القرن الأفريقى. تشير وسائل إعلام إسرائيلية على رأسها القناة 14 العبرية، أن لدى إسرائيل مصلحة استراتيجية قوية فى صومالي لاند بسبب طول ساحلها وموقعها فى القرن الإفريقى، خاصة قرب المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين فى اليمن، الذين يشكلون تهديدًا للملاحة البحرية الإقليمية، رغم وقف إطلاق النار المرتبط بحرب غزة.. وينظر فى إسرائيل إلى تعزيز العلاقات مع صومالي لاند كأداة استراتيجية ضد الحوثيين، ويقول مسئولو الاستخبارات الإسرائيلية: إن الموساد كان نشطًا فى صومالي لاند لسنوات، مذللًا العقبات للاعتراف بها عبر علاقات طويلة الأمد، وسرية مع كبار المسئولين هناك. وحافظ رؤساء الموساد على علاقات شخصية مع مسئولين فى صومالي لاند، وجاء الاعتراف المتبادل بعد أشهر من المحادثات المكثفة والسرية التى قادها وزير الخارجية الإسرائيلى جدعون ساعر، وبدأت فى أبريل بلقاء بين الأخير وممثلين عن رئيس صومالي لاند، ومنذ ذلك الوقت قام كبار المسئولين من كلا الجانبين بزيارات متبادلة بتنسيق من وزارة الخارجية الإسرائيلية. وتشير العديد من التقارير إلى توسع النفوذ الإسرائيلى فى إفريقيا على مدى السنوات الماضية، من خلال الأنشطة الاستخباراتية والتكنولوجية، حيث أقام الموساد وشركاء إسرائيليون شبكات سرية مع حكومات عدة دول أفريقية لمراقبة الجماعات المشتبه بتواصلها مع حزب الله أو إيران، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتوفير تقنيات سيبرانية مُتقدمة. وتمثل تلك الشراكات جزءًا من استراتيجية تل أبيب لتعزيز وجودها الجيوسياسى والأمنى فى القارة الإفريقية، وضمان مصالحها فى نقاط استراتيجية مثل سواحل القرن الإفريقى والموانئ الحيوية، مع الاستفادة من ضعف الرقابة ومحدودية قدرات بعض الدول الإفريقية فى مواجهة العمليات الاستخباراتية المعقدة. وسبق للموساد الإسرائيلى أن لعب دورًا فى تنظيم وإدارة عمليات نقل يهود الفلاشا من إثيوبيا إلى إسرائيل، خاصة خلال ثمانينيات القرن الماضى فيما عُرف باسم عملية موسى، وجاء تدخل الموساد ضمن جهود مشتركة مع الجيش الإسرائيلى ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية، لتسهيل خروج اليهود الإثيوبيين من مخيمات اللاجئين فى السودان. رد فعل الصومال وفى بيان شديد اللهجة رفضت الصومال القرار الذى يهدد سيادتها ووحدة أراضيها، ودعت جميع الدول والشركاء الدوليين إلى احترام القانون الدولى والالتزام بمبادئ عدم التدخل وسلامة الأراضى، لكن الملفت فى بيان الخارجية الصومالية هو التلميح للهدف الخفى من وراء قرار إسرائيل بالاعتراف بإقليم صوماليا لاند، حيث أكدت الصومال دعمها المبدئى والثابت للحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى، بما فى ذلك حقه فى تقرير المصير ورفضها القاطع للاحتلال والتهجير القسرى، والهندسة الديموجرافية والتوسع الاستيطانى بجميع أشكاله، وقال بيان الخارجية الصومالية بلهجة حاسمة: إنه فى هذا الصدد لن تقبل الصومال أبدًا بجعل الشعب الفلسطينى بلا دولة. ويُعيد القرار الإسرائيلى حول أرض الصومال أو صومالي لاند والرفض العربى، للأذهان مجددًا ما ذكرته تقارير منذ شهور حول أن الحكومة الإسرائيلية بحثت إمكانية نقل وتوطين فلسطينيين من قطاع غزة إلى مناطق فى القرن الأفريقى، من بينها أرض الصومال وبونتلاند. الاعتراف الدولى وأشارت تلك التقارير إلى أن إسرائيل قد تعرض الاعتراف الدولى والدعم المالى على أرض الصومال، مقابل استيعاب أعداد من الفلسطينيين، لكن متخصصين فى الشئون الدولية قالوا: إن لإسرائيل أهدافًا أخرى تتجاوز ملف غزة وتوطين الفلسطينيين، لكنها قد تتجاوز ذلك ساعية إلى موطئ قدم لها فى مناطق الملاحة الدولية ومضيق باب المندب. وبعيدًا عن الإعلام والدبلوماسية، تنسج إسرائيل شبكة نفوذ خفية تتغلغل فى مفاصل الأنظمة الأمنية والسياسية فى القرن الأفريقى، ومن خلال وعود التعاون التقنى والتدريب العسكرى يقود جهاز الموساد حملة اختراق واسعة تستغل هشاشة بعض الأنظمة والفجوات الأمنية لترسيخ حضور دائم فى القارة، ومن أوغندا إلى إثيوبيا ومن نيجيريا إلى جنوب أفريقيا، تتكشف معلومات عن تجنيد عناصر محلية، واستخدام أدوات مراقبة إلكترونية متقدمة من خلال شركات مدنية تبدو فى الظاهر تنموية لكنها فى جوهرها أذرع استخباراتية تخدم أهدافًا أمنية وسياسية، ومن خلال التغلغل الذى تصاعد بشكل ملحوظ بعد عملية السابع من أكتوبر 2023، تحاول إسرائيل تشكيل رافعة سياسية لها فى المحافل الدولية، واستمالة مواقف دول أفريقية لطالما ارتبطت تقليديًا بدعم فلسطين. الاهتمام الإسرائيلى بأفريقيا بدأ اهتمام إسرائيل بأفريقيا منذ خمسينيات القرن الماضى، حيث لم تكن القارة مجرد حديقة خلفية للنفوذ الغربى، بل أصبحت ساحة صراع خفى، وكان جهاز الموساد أحد أبرز اللاعبين فى هذا المشهد الصامت، ووضع أول رئيس وزراء لإسرائيل ديفيد بن جوريون تصورًا استراتيجيًا مبكرًا للنفاذ إلى أفريقيا عبر الأطراف، لمواجهة ما سماه طوق العداء العربى، واعتبر القارة بوابة للتأثير والضغط السياسى. وفى دراسة أكاديمية إسرائيلية كانت قد اقترحت أنه يجب على إسرائيل تدريب المهاجرين الأفارقة وإعادتهم إلى دولهم الأفريقية ليعملوا على تشكيل شبكات تجسس محلية داخل الدول الأفريقية، ولتفعيل تلك الاستراتيجية على الأرض لجأت إسرائيل إلى أدوات ناعمة وواجهات مدنية شكلت الغطاء الأمثل لتوسيع نفوذها الأمنى والاستخباراتى. ومن خلال برامج التعاون الفنى والمساعدات الزراعية والدورات الأمنية، أرسلت إسرائيل آلاف الخبراء والمستشارين، ليس فقط لتأهيل كوادر أفريقية بل لبناء نفوذ استخباراتى طويل الأمد، خاصة فى دول مثل إثيوبيا وأوغندا والكونغو وجنوب السودان وجنوب أفريقيا. وعلى الرغم من عدم وجود توثيق رسمى مباشر لارتباط تلك المنظمة بالموساد، فإن مراقبين يؤكدون أن نشاطها قد يتقاطع مع الأهداف الأمنية الإسرائيلية، حيث تلعب دورًا فى حماية الجالية اليهودية ومراقبة التهديدات المحتملة. معاهد التدريب على جانب آخر، تستمر المعاهد التدريبية الإسرائيلية وعلى رأسها «معهد الجليل للإدارة الدولية» فى استقطاب مئات القادة والطلاب من الدول الأفريقية، ضمن برامج تتعدى الإدارة إلى التدريب العسكرى، وبناء شبكات دفاع محلية، ويُقال إن معظم الحكومات الأفريقية تحوى فى بنيتها مسئولًا واحدًا على الأقل تخرج من هذا المعهد. وقد عززت زيارات رسمية مثل زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو لأفريقيا عام 2016 هذا التغلغل، حيث التقى بعدد من القادة الذين تلقوا تدريبًا فى إسرائيل، بل إن رئيس الموساد الحالي ديفيد برنيع زار تشاد عام 2021 لمناقشة إقامة قاعدة أمنية متقدمة تُتيح مراقبة الأوضاع فى ليبيا والجزائر، وتقديم الدعم لحلفائها. وفى الوقت الذى ظل فيه النشاط الأمنى الإسرائيلى يتخذ طابع السرية، حرصت تل أبيب على بناء غطاء تنموى علنى شكّل بوابة بديلة للتأثير طويل الأمد، تحت مسمى التعاون الفنى والتقنى.. وذكر تقرير لتايمز أوف إسرائيل، أن القوات الخاصة الإسرائيلية تُدرب قوات محلية فى أكثر من 12 دولة أفريقية كجزء من استراتيجية واسعة النطاق من جانب إسرائيل لتعزيز علاقاتها الدبلوماسية فى القارة.. وفى السنوات الأخيرة ظهرت الشركات الإسرائيلية المتخصصة فى الأمن السيبرانى والتجسس التقنى كجهات فاعلة رئيسية فى الساحة الأفريقية، حيث ساهمت فى تشكيل سياسات المراقبة وتوجيهها لخدمة أجندات أمنية تتجاوز الحدود الوطنية. تحقيقات دولية وكشفت تحقيقات دولية أجرتها منصات مثل فوربيدن ستوريز ومنظمة العفو الدولية أن دولًا مثل رواندا وتوجو وجنوب أفريقيا وأوغندا، كانت إما من مستخدمى تلك الأدوات وإما من أهدافها، مما يعكس المشهد المُعقد لحرب التجسس الرقمى فى القارة، واللافت أن كثيرًا من العاملين فى شركات مثل «إن إس أو» وفيرنت هم خريجو وحدة 8200 التابعة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وهى وحدة متخصصة فى التنصت والاختراقات الإلكترونية، مما يعزز الروابط العضوية بين تلك الشركات والدولة الإسرائيلية. ونقلت الدراسة عن زويلفيليل مانديلا، أحد أحفاد الزعيم الأفريقى نيلسون مانديلا، حديثه عن طرق التغلغل الإسرائيلى فى القارة الأفريقية، وذلك من خلال تزويد الأنظمة الدكتاتورية بأدوات التجسس، وتزويد حركات التمرد الانفصالية بالأسلحة، تحت غطاء الأدوات الزراعية، ومن خلال تغذية الحروب الأهلية بهدف اختراق المجتمعات الأفريقية. ولا يقتصر النفوذ الإسرائيلى فى أفريقيا على بيع أدوات اختراق الهواتف، بل يمتد ليشمل بنية أمنية متكاملة تُدار من خلال شركات ذات طابع مدنى، لكنها ترتبط جوهريًا بالأجندة الأمنية الإسرائيلية، ومن بين تلك الشركات ماجال سكيوريتى سيستمز، التى تُعلن على موقعها الرسمى أنها متخصصة فى أنظمة الحماية والمراقبة، وتنتشر فى عدد من الدول الأفريقية. وتشير تقارير دولية إلى أن شركات مثل شركة إلبيت سيستمز، وبلاك كيوب، تلعب دورًا مهمًا فى تعزيز النفوذ الإسرائيلى فى أفريقيا، من خلال تقديم خدمات أمنية وتقنية متقدمة للدول الأفريقية التى تعانى من ضعف البنى الأمنية. ويرى خبراء أن تلك الشركات ليست فقط مزودة لخدمات تجارية، بل هى أدوات استراتيجية تستخدمها إسرائيل لاختراق وتعزيز نفوذها الأمنى والسياسى فى أفريقيا، من خلال تقديم الدعم التقنى والتدريبى، مما يفتح لها أبوابًا للتأثير المباشر وغير المباشر على أنظمة الحكم فى القارة. 2 3