أسعار الخضراوات واللحوم والدواجن في الأسواق.. الأربعاء 4 فبراير    "بسبب كسر "توقف مفاجئ بمحطة الوليدية فى أسيوط وتشغيل خط جديد وعودة المياه تدريجيا    استشهاد 9 فلسطينيين في قصف مدفعي إسرائيلي على مناطق متفرقة من غزة    بوتين وولي العهد السعودي يؤكدان هاتفيا على أن العلاقات الثنائية أصبحت متعددة الأوجه ومفيدة للبلدين    بيراميدز يسعى للعودة للانتصارات بالدوري أمام سموحة اليوم    بنزيما: الهلال يشبه ريال مدريد.. ولديه تاريخ عظيم    اليوم.. الزمالك «المنتشي» يسعى لقطع التيار عن كهرباء الإسماعيلية    انخفاض جديد بالقاهرة وارتفاع بالصعيد، درجات الحرارة اليوم في محافظات مصر    خلف حلم الوزن المثالي.. «خطر خفي» يهدد مستخدمي حقن التنحيف    مصرع 3 شباب في حادث تصادم مروع بكفر الشيخ    رغد صدام حسين تخاطب عائشة القذافي بعد اغتيال شقيقها سيف الإسلام    وفاة والد الفنانة علا رشدي وحما الفنان أحمد داوود    تخطى حاجز ال 5000 دولار، قفزة جديدة لسعر الذهب اليوم بالأسواق    بعد 71 ألف شهيد.. إسرائيل قلقة على صحة غزة من التدخين!    إيبارشية حلوان والمعصرة ومدينة 15 مايو تصدر بيانًا بشأن أحداث التعدي على أرض مخصصة لبناء كنيسة    طريقة عمل صينية النجرسكو بالفراخ، لعزوماتك من المطبخ الإيطالي    نائب وزير الإسكان يلقي كلمة خلال فعالية ينظمها البنك الدولي وشركاء التنمية الدوليين بالتعاون مع الاتحاد المصري لمقاولي التشييد والبناء    ترامب يدعو إلى طي صفحة فضيحة إبستين ويؤكد: الوثائق المنشورة برأتني    الصحة العالمية: نحو 18 ألفا و500 مريض بحاجة لرعاية طبية متخصصة غير متوفرة بغزة    ارتفاع أسعار النفط مع تراجع الدولار والاتفاق التجاري بين الهند وأمريكا    إخلاء سبيل سائق التاكسي ومشتري الهاتف بعد حبس المتهم بقتل وتقطيع جثة فتاة في الإسكندرية    رسميًا.. أحمد عبد القادر يوقع للكرمة العراقي في الانتقالات الشتوية    رحيل والدة نورهان شعيب.. رسالة وداع مؤثرة تطلب فيها الدعاء وتكتفي بالعزاء هاتفيًا    نتنياهو يضع خطوطا حمراء أمام واشنطن خلال اجتماع مع ويتكوف    60 دقيقة متوسط تأخيرات قطارات الصعيد.. الأربعاء 4 فبراير    محافظة الجيزة ترفع إشغالات وتعديات الباعة الجائلين بشارع العريش    الصحة: إنقاذ ذراع مريضة فشل كلوي وجراحة دون تخدير بمستشفى روض الفرج    6 ملايين و200 ألف زائر لمعرض القاهرة الدولي للكتاب    بمشاركة مصرية وعربية.. أيام الشارقة التراثية تشعل «وهج الأصالة»    تفاصيل اقدام طالب على إنهاء حياتة بسبب نتيجة الشهادة الإعدادية في المنيا    ضبط 5 أشخاص لترويج وتعاطي المخدرات بعين شمس    محافظ الجيزة يعقد اللقاء الأسبوعي لبحث شكاوى المواطنين    بعد منعه من الظهور.. هاني مهنا يعتذر عن تصريحاته: تداخلت المواقف والأسماء بحكم السنين    وزير الثقافة يشهد حفل ختام معرض القاهرة للكتاب.. ويكرم «المتميزين»    برشلونة يعبر ألباسيتي ويتأهل لنصف نهائي كأس ملك إسبانيا    رتب مشاهداتك فى رمضان.. أين يعرض مسلسل رجال الظل عملية رأس الافعى؟    مهرجان أسوان للفنون ينطلق فى دورته ال13 بعاصمة الثقافة الأفريقية.. 14 فرقة دولية ومحلية تقدم ديفيليه فني وعروضا مبهرة بحضور سفير كندا.. وتجاوب كبير من الوفود الأجنبية والمواطنين بالسوق السياحى.. صور    محامي شيرين عبد الوهاب يحذّر من التعامل مع صفحاتها على السوشيال ميديا: لم تُبع    إصابة 3 أشخاص في تصادم دراجتين ناريتين بدكرنس في الدقهلية    حاكم إقليم "صومالى لاند": نتوقع إبرام اتفاقية تجارية مع إسرائيل    افريقية النواب تضع خطة عملها بدور الانعقاد الأول للفصل الثالث    بهدفين في مرمى ألباسيتي.. برشلونة يتأهل إلى نصف نهائي كأس ملك إسبانيا    مارسيليا يعبر رين ويتأهل لربع نهائي كأس فرنسا    موعد مباريات اليوم الأربعاء 4 فبراير 2026.. إنفوجراف    ضبط تلاعب في أسطوانات الغاز في دمياط    لوكمان: أعد جماهير أتلتيكو مدريد بصناعة الفارق.. واللعب في الدوري الإسباني متعة    خطوة بخطوة، طريقة عمل الباستا فلورا بسهولة    رئيس الوفد يفتح باب التظلمات من الفصل المخالف للائحة    إدارة شرق تفتتح معرضا لقسم الموهوبين والتعلم الذكي بالإسكندرية    وزير التربية والتعليم يوجه المديريات بتسليم الكتب للطلاب دون تأخير    بسبب الصيانة، انقطاع مياه الشرب عن قري ومدن الفيوم غدا    متحدث الشباب يكشف أسباب طلب البرلمان تعديل قانون الرياضة (فيديو)    على من يجب الصوم؟.. أمينة الفتوى تجيب    ما حكم العمل كصانع محتوى والتربح من الإنترنت؟.. أمين الفتوى يجيب    القومي للأشخاص ذوي الإعاقة يلتقي مساعد وزير العدل لحقوق الإنسان    الأزهر للفتوى: تحويل القبلة يؤكد وسطية أمة الإسلام والعلاقة الوثيقة بين المسجدين الحرام والأقصى    رئيس جامعة المنوفية يستقبل طالبات من البرازيل في تجربة تدريب طبي    دعاء استقبال شهر رمضان.. كلمات إيمانية لاستقبال الشهر الكريم بالطاعة والرجاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«العصا الغليظة» فى معركة التنمية والعدالة الاجتماعية
من كهنة آمون إلى الهاربين بأموال البنوك

لم يغِب عن ذاكرتى أبدًا خطواتى الأولى داخل جدران «روزاليوسف» قبل أكثر من خمسة وثلاثين عامًا.. كنت ضمن مجموعة من الشباب تم اختيارهم من إدارة التحرير الجديدة التى اختارها الرئيس الراحل أنور السادات لتولى المهمة الصعبة أواخر السبعينيات الأستاذان عبدالعزيز خميس مديرًا للتحرير وزميله فى قضية مقتل أمين عثمان، والأستاذ مرسى الشافعى رئيسًا لمجلس الإدارة.. أمّا المهمة فكانت إنهاء صراع التيار اليسارى الذى كانت رموزه نجومًا ساطعة فى سماء الصحافة المصرية فى ذلك الوقت.. الهدف تجديد دماء العمل الصحفى بهذه المَجلة العريقة التى نحتفل بمرور مائة عام على تأسيسها بشباب لا علاقة لهم بتيارات سياسية أو أيديولوجيات لم تكن مطلوبة حينها.

لكن ما لم يكن فى الحسبان أن يحتوى الكبار مَن انضموا لكتيبة «روزاليوسف».. قوة هائلة فى فرز وجذب ممن جاءوا ليكتبوا فى كل شىء إلا السياسة.
العكس تمامًا ما شهده الواقع العملى خلال مشوارى الصحفى الممتد حتى الآن.
كنت محظوظة أن أتتلمذ على أيدى الأساتذة محمود المراغى- عبدالله إمام- فيليب جلاب- محمود ذهنى- عبدالستار الطويلة- إبراهيم عزت- مصطفى الحسينى وغيرهم الكثيرين من أساطين الصحافة المصرية.
كل منهم كتب سطورًا على صفحة بيضاء لشابة تخرجت لتوها ويختار لها القدر أن يقود خطواتها الأولى فى بلاط صاحبة الجلالة هؤلاء العظام كل منهم لم يبخل عليها بخبراته؛ بل كانوا نبراسًا يضىء طريقًا طويلاً شاقًا وصعبًا غالبًا ما كان يؤدى لمعارك صحفية مع قامات المال والبيزنس.. وكارتلات الفساد.. ولكن مع كل سبق صحفى موثق بالمستندات كان الانحياز للوطن والمواطن المَقصد خطوات واثقة وثابتة مهدت لها الحرية الكاملة فى كتابة موضوعات اقتصادية شائكة تتضمن أرقامًا جامدة كنت أفك شفرتها بتحويلها إلى حدوتة تصاغ بعبارات شديدة الوضوح والدقة بأسلوب بسيط يلامس عقل وقلب مَن يقرأها دون أن تصيبه بالمَلل.؛ بل تشجعه على القراءة حتى آخر سطر.. ومنها على سبيل المثال حكاية «كهنة آمون» الذين يشعلون سعر الدولار.. وهم باختصار مجموعة من بعض رجال الأعمال المصريين والوزراء السابقين.


أطلقوا على أنفسهم اسم «كهنة آمون» تسببوا فيما يردون به من إجابات على أسئلة محددة من جانب السفارة الأمريكية فى مصر فى التأثير على توجُّه المستثمر الأمريكى واختياراته للبلد المضيف لأمواله التى يعتزم أن يستثمرها به، وقبل هذا وذاك التوجه المستقبلى للإدارة الأمريكية وهو ما دعا الرئيس الأسبق حسنى مبارك أن يطالبهم بأن يكفوا عن السعى لرفع سعر الدولار لخدمة مصالحهم الضيقة وأن يرفع الجميع أيديهم من لعبة تخفيض الجنيه المصرى وإلا سيتم الضرب بشدة على أيدى العابثين به.. وكان بين هؤلاء الكهنة وزير سياحة سابق- رئيس مجموعة شركات للحديد.. رئيس إحدى كبريات شركات السيارات الأمريكية ورئيس لأحد المنتديات الاقتصادية بالإضافة إلى رئيس أحد المراكز البحثية.. ورئيس أحد مكاتب المحاماة اللامعة.

يتولى الغوص فى أحشاء الاقتصاد المصرى لكشف أوجاعه وتشخيص أوجُه علاجه على أيدى المتخصّصين.. فتطفو ظاهرة الهاربين بأموال البنوك للخارج ويكون السؤال الأهم «متى يتخلص الاقتصاد من ظاهرة «الحَمْل الكاذب»؟!

تبرز الدولة «العصا الغليظة» لاستعادة الأموال الهاربة.. فالنيابة العامة وأحكام القضاء ستكون الرد الحاسم على عدم الجدية.. مع التأكيد على أن الأحكام التى ستصدر ضد أى من هؤلاء لا تنقضى بمُضى المُدة.

حذرنا من خلال تحقيق صحفى من بلطجية الأعمال- إن صح التعبير- الذين يطالبون بمَد آجال السّداد لعقود مع تخفيض المديونية بنسبة ٪50.

مما شجع آخرين من المتعاملين مع الجهاز المصرفى على الخروج بنغمة جديدة هى «اشمعنى أنا»، مطالبين بمساندة الجهاز المصرفى لهم حتى إن كانوا غير متعثرين؛ بل إن أصحاب الصوت العالى اقترضوا مئات الملايين من الجنيهات وتوقفوا عن السّداد.. ولجأ بعضهم لشراء الصحف وإطلاق محطات فضائية ليخلق من خلال هذا البيزنس الجديد المساندة الإعلامية المطلوبة.. ولا ننكر فى هذا الصدد أن نشير وبوضوح إلى ضرورة محاسبة مَن سَهَّل لهؤلاء «لطش» أموال البنوك.. والتفاوض «حسب المزاج» مع العملاء.. كما حذرنا من أن هذه الأموال المنهوبة من البنوك لن تعود- بالطبطبة- والتعامل بالحسنى.

وطرحنا السؤال الذى لم يجب عليه حتى الآن.. ما هو حجم الديون والأصول الرديئة المسجلة بدفاتر بنوك مصر.. وهل تم تنظيف محفظة البنوك من ديون معروفة تمثل «حملاً كاذبًا» كان لا بُدّ من التخلص منه!

ترك رجال الأعمال مجالات عملهم الأساسية فى قطاعات الإنتاج والصناعة المختلفة، وكثير منها حقق خسائر وعليها ديون بالمليارات لدى البنوك لم تمنعهم من الاقتراض مجددًا بعلاقات معقدة ومتشابكة سهلت لهم ذلك ليضخوا استثمارات جديدة فى شراء فضائيات لا تمت من قريب أو بعيد لأنشطتهم الأساسية استخدمت فى تصفية حسابات شخصية وعملية.. وإدارة صراعات البيزنس بضراوة جعلت البعض يصف القنوات الفضائية الخاصة بأنها «هيروين القرن القادم»، وهو ما تحقق بالفعل تؤكده أرباح خيالية محققة ومؤكدة.. واستحواذ على نفوذ سياسى واجتماعى بسرعة الصاروخ.

لم يتوقف طموح رجال البيزنس عند شراء الفضائيات فقط؛ بل رصدنا امتدادًا غير متوقع بقيام مجموعة من رجال الأعمال المصريين والعرب بشراء طائرة بوينج 747 لأحد الرؤساء العرب.. شارك فى الشراء مَن يعمل فى الصناعات الغذائية وآخر فى الشكائر والمواسير البلاستيك وثالث فى تجميع وسائل النقل الجماعى لكل منهم «حدوتة»، فعند سؤال أحد أعضاء الوفد المصرى عن حكاية هذه الطائرة وكيف تم تجميع التبرعات اللازمة لشرائها قال ل«روزاليوسف» «إنتوا لحقتوا تعرفوا.. دى الحكاية كلها زيارة ثلاثة أيام».. وكان الهدف بالدرجة الأولى الاستفادة من برنامج النفط مقابل الغذاء.. أمّا «الطائرة» فكان نصيب تبرعه لا يجاوز 150 ألف دولار، وهى محاولة من خلال تقديم هذه الهدية أن نثبت إحساسنا بالعزلة التى تعيش فيها هذه الدولة.. مستطردًا: على فكرة، الطائرة مستعملة وثمنها رخيص والحكاية كلها ماتستهلش الضجة دى.. «بيزنساوى» آخر من أعضاء الوفد قال حاولنا التعامل من منطق مختلف.. فبدلاً من وفود سبقتنا اصطحبت الفنانين المصريين وأقامت حفلات مسرحية لإضحكاك الشعب.. جلسنا جلسة جماعية وقلنا يا ترى ممكن نعمل إيه «للزبون» بتاعنا.. ففكرنا أن نقدم طائرة كمساهمة حقيقية فى كسر عزلة الانتقال داخل مدن هذه الدولة.. وبالفعل تم شراء طائرة مستعملة من الخطوط الجوية الإسبانية قسمنها ثمنها على 16 رجل أعمال منهم ثلاثة مصريين.. فالتجارة- على حد قوله- شطارة، وكل واحد وله «سكته»، هى فى النهاية مبادرة خاصة ولهذا لم يعلم بها مجتمع الأعمال فى مصر. وكل واحد «يشوف» مصلحته. يذكر أن هناك على الأقل مليار دولار تدخل جيوب رجال البيزنس فى مصر من هذه الدولة.. وهو ما دعا وزير الاقتصاد المصرى فى ذلك الوقت د.يوسف بطرس غالى إلى عقد لقاء عاصف بأحد فنادق القاهرة عقب انفراد «روزاليوسف» مع رجال الصناعة والتجارة المتعاملين مع هذه السوق.. حذر فيها من أن مصر لن تسمح بأن تسدد فاتورة مستحقاتها سلعًا غير مصرية تستورده من الخارج لحساب هذه الدولة.. ومن جانبنا شدّدنا تجاملوا كما تريدون مع هذا الرئيس بفريقه «النبى قبل الهدية» ولكن اللى عايز «يفنجر.. يفنجر من جيبه» وليس بفلوس البنوك.. فى ظل ندرة دولارية ملموسة من كافة المتعاملين فى سوق النقد الأجنبي.

«الملف الأسود» لعلاقات بعض رجال الأعمال بالجهاز المصرفى ظل لسنوات ممتدة مثار تحذير دائم خلال تحقيقات صحفية لأسابيع متتالية وشهور متفرقة كان ل«روزاليوسف» السبق فى طرح وجهات النظر لكافة الأطراف وكشف المستور عما كان يدور وراء الأبواب المغلقة.. طالبنا فيها بإطلاق رصاصة الرحمة على بنوك فقدت صلاحيتها.. وقلنا إن هذه العلاقة الفاسدة ليست من طرف واحد وهم رجال الأعمال؛ بل إن الطرف الأصيل فى هذه العلاقة هو الجهاز المصرفى بأكمله.. وهو بالمناسبة ليس فتاة قاصر.. ضحك عليها رجل الأعمال الشرير «وسقاها حاجة أصفرة».. لتفقد بعدها أعز ما تملك وهو أموالها.. ونبهنا إلى أن مطاردة رجال الأعمال بالإجراءات البوليسية- على خلفية قيام أحد رؤساء البنوك بتقديم قائمة ب166 رجل أعمال للنيابة لتقاعسهم عن سداد مديونياتهم للبنك- لن تستنفد هذه القروض؛ بل كانت سببًا رئيسيًا فى هروبهم.. وفى النهاية يدفع المواطن البسيط ثمنًا باهظا لتأرجح متخذ القرار على أحبال نظريات اقتصادية عالمية ومحلية جعلت الجميع يطارد بعضهم بعضًا.. المنتج والمستهلك.. البائع والمشترى الدائن والمدين.. اللص والسجان.

بالتأكيد هناك إعادة هيكلة للقطاع المصرفى تمت منذ سنوات طويلة.. لكن ما زالت حتى الآن مشكلة المصانع المتوقفة أو المتعثرة بمعنى أوضح وأدق تحتاج لحلول جذرية تصب فى النهاية فى مصلحة الاقتصاد القومى وتنعشه، دائمًا ما كان الانحياز لصالح السواد الأعظم من الطبقة المتوسطة وما دونها بما تكتبه فى مواجهة «بهلوانات» التجار.. الذين لم يجدوا أمامهم سوى رفع الأسعار والاتجاز بقوت البسطاء لتسديد فواتيرهم وحساباتهم المكشوفة بالجهاز المصرفى.

آدم سميث الاقتصادى الأسكتلندى المرموق فى كتابه الشهير «ثروة الأمم» كتب: «قد يلتقى التجار بغرض التسامر والترفيه ولكن سرعان ما يتحول لقاؤهم إلى مؤامرة تحاك ضد المتعاملين معهم من عموم الناس باستخدام سلاح رفع الأسعار». وهو ما نعانى منه جميعًا، فترمومتر الأسعار فى ارتفاع مستمر دون مبرر رغم الهدوء النسبى لسعر الدولار بل وانخفاضه.. ولِمَ لا وأمامنا سوق عريضة من المستهلكين لا مكان فيها لسلعة مكتوب عليها سعرها.. وبالتأكيد لا توجد حتى تسعيرة استرشادية.. لأننا ننتهج سياسة الاقتصاد الحر.

لا أنكر أنه فى فترة ما اختلطت الأوراق.. ولم نعد نعرف من هو رجل الأعمال الحقيقى الذى يبنى وطنه ليضخ الاستثمارات الحقيقية فى شرايين الاقتصاد المصرى.. ومَن هو الثعلب الذى يتلاعب بقوت الناس ويصيد قروض البنوك التى هى فى الأصل مدخرات المودعين فى مصر- وهذا حقيقى- رجال أعمال وطنيون يعملون فى صمت.. لا تعلم عنهم وسائل الإعلام شيئًا ولا يظهرون بها.. وللأسف لا يعرف الناس إلا مجموعة من المختطفين الذين حصلوا على أموال البنوك ثم تعثروا ولم يستطيعوا السداد ورغم ذلك فهم نجوم بعضها تهاوَى وبعضها ما زال فى السماء.. مصر تحتاج لرجال أعمال فيهم رائحة العظيم طلعت حرب الذى لم يفكر مرة أن يتهرب من سداد قرض.. تحتاج لنموذج يماثل أبورجيلة الذى أضاف للدولة بعدًا تنمويًا عندما اهتم برصف الطرق على حسابه للحفاظ على أتوبيساته.. تحتاج لسيد جلال جديد المليونير العاصمى الذى كان له السبق فى المطالبة بإصدار قانون «من أين لك هذا؟» ولم يفرط فى عماله عندما احترقت إحدى شركاته.. بدلاً من نماذج فضّلت الحصول على توكيلات السيارات الفارهة واغتراف أموال البنوك للصرف على حفلات يستوردون أطعمتها من الخارج؛ بل يقوم أحدهم بإرسال بطاقات من الذهب الخالص للمودعين لحفل زفاف ابنه.. وآخر أغلق مصانعه وسرّح عماله ثم حرضهم على التظاهر.. لتصدق ما يمكن أن نقوله «أين أنتم باشوات زمان.. من صعاليك اليوم؟».

تتوالى الانفرادات.. والخبطات الصحفية.. فحرية الكتابة المنضبطة على صفحات مجلة «روزاليوسف» منذ اليوم الأول لانضمامى لكتيبة المنتمين لها.. لا سقف لها.. كنت بين أقرانى من الصحف الأخرى مثار حسد لما نتمتع به فى هذه الدار العريقة من جرأة على اقتحام كل ما هو ملغوم من موضوعات تهم الرأى العام.. كنت أقول لهم إننى أتنفس أكسجينًا مختلفًا عنكم أكسجين الحرية.

لم يقتصر اهتمامى الصحفى على الموضوعات الاقتصادية وحدها؛ بل تشابك هذا الاهتمام مع كل ما يخص الشأن العام.. فعن الرقابة الغائبة على تبرعات أهل الخير.. انفردنا بتحقيق موثق عن «المال السايب».

فى جمعية ياسمين الخيام.. نصف مليون جنيه تبرعات لحساب شخصى بين رئيسه وأمين صندوق جمعية «الحصرى».. وبلاغ لقسم العجوزة كشف لغز الحساب 6420.

ولأن «روزاليوسف» دائمًا ما تكون سباقة فى طرح القضايا المهمة التى تؤثر تأثيرًا بالغًا مع الرأى العام وتشكل وجدان الشريحة الكبرى من المواطنين كان إحدى هذه القضايا المهمة «الدعاة والأدعياء».. كان لنا سبق الكشف عن زواج عرفى لأحد مشاهير دعاة الفضائيات من إحدى سيدات المجتمع المخملى ركب خلالها صاروخ الفتوحية الجُدد ليتحول من مجرد موظف بدرجة خطيب وإمام ومدرس متنقل بوزارة الأوقاف لا يتجاوز رابته الشهرى 120 جنيهًا إلى واحد من «الأفيال» فى مجال البيزنس الدينى بكل أشكاله وألوانه.

تتعدد الموضوعات الشائكة التى تم تناولها.. لا نكتفى فقط بتسليط الضوء على أداء رجال الأعمال والقطاع المصرفى والتجار؛ بل تشمل أداءً حكوميًا مترهلاً فى جوانب مختلفة.. ومن بينها ملف فضيحة محطة مياه القاهرة الجديدة التى أهدر فيها 3٫2 مليار جنيه باستخدام مواسير سيئة السمعة على مدار ثلاثة أسابيع متتالية تم إنفاقها لتنفيذ الخطوط الناقلة للمياه العكرة ومآخذها من منطقة طرة بالمعادى مرورًا بروافع هذه المياه وحتى محطة تنقيتها.. ثم خلال هذه التقارير والتحقيقات الكشف عن الفساد الذى شاب التنفيذ.. ليوجه الرئيس السيسي بإعداد تقرير مفصل عن هذه المحطة.

أضحك كثيرًا عندما أتذكر كيف تابعت التشكيل الوزارى لحكومة المهندس إبراهيم محلب الذى قابل المرشحين لتولى الحقائب الوزارية من مكتبه داخل استاد المقاولون العرب.. ظللت جالسة بسيارتى أمام الباب الرئيسى المؤدى إلى قاعة الاجتماعات التى شهدت توافد المرشحين من الوزراء عليها حتى ساعة متأخرة من الليل.. انتهت باقتناص أول حوار صحفى لرئيس الوزراء.. كان أبرز ما قاله لى نحن فى زمن «الأكثر احتياجًا».. وعلى الأغنياء أن يتكفلوا بأنفسهم.. مشيرًا إلى خبرات اكتسبها من الوزير السابق حسب الله الكفراوى بالاهتمام بالبعد الاجتماعى.. مشدّدًا.. انسوا قانون الأهل والعشيرة.. أمّا مشروع قناة السويس الجديدة فهو مشروع كرامة وطنية وأمن قومى.. لافتًا إلى عبارة شديدة البساطة بالغة الأهمية.. «.. إن لم يقم رجال الأعمال بدورهم «الناس هاتدوسهم» فهل يتعظون.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.