رغم تنوع لغات البشر وتباعدها تبقى الموسيقى لغة جامعة تشترك فى تقديسها الشعوب، وحدها الألحان تجمع ولا تفرق، تقرب ولا تباعد، تخاطب الداخل الإنسانى فتستخرج أقوى المشاعر، تأخذك الموسيقى الحزينة إلى عالم بعيد لا يعيدك منه إلا لحن مبهج، تتماهى الروح فى لحظة مع أوتار الآلة التى تعزف وكأن أنامل العازف تداعبها فى رقة وعذوبة. تتباين ألوان الموسيقى وإيقاعها من منطقة لأخرى حول العالم باختلاف أدواتها، ولكن يجمعها جميعًا متحف أنشئ خصيصًا لهذا الغرض وهو «متحف الآلات الموسيقية»، المقام داخل أروقة معهد الموسيقى العربية وهو أحد متاحف دار الأوبرا وهو يعد الأول فى بلاد الشرق. إذا قررت قطع تذكرة دخول إلى المتحف فأنت قطعًا على موعد مع رحلة تزور خلالها كافة دول العالم من خلال سماع موسيقاها المتنوعة، ما بين «الناى والبزق والمزمار البلدى والبابزير والطبلة والفيولا والعود والبيانو والماندولا والطنبور البغدادى والإكسليفون والصاجات» وغيرها من عشرات القطع النادرة والشهيرة. تشعر بالاندهاش وكأن الآلات أشخاص تقدم أفضل ما لديها فى عرضها الموسيقى الذى لا يستغرق أكثر من بضع دقائق مما يجعلها رحلة مبهجة بكل تفاصيلها، وخاصة عندما تشاهد قطعًا نادرة عمرها يتجاوز ال400 عام. تاريخ المتحف يرصده أحد المسئولين عن جولات الزوار قائلًا: إن فكرة إنشاء المتحف نبعت من مؤتمر الموسيقى العربية الأول عام 1932 الذى أقيم فى مصر، فقد حرص عدد كبير من الفنانين على المشاركة، وحضرت أفواج متنوعة لمعظم دول العالم ما بين دول الشرق الأوسط والغرب، وكان حضور كل دولة مميزًا بحضور الآلات الموسيقية التى تعبر عن ثقافتهم، وهنا قرر المسئولون عن المؤتمر بعد نجاحه إنشاء متحف خاص لجمع تلك الآلات التى لا تعد ولا تحصى لكثرتها. تخليد تاريخ الموسيقى حول العالم كان الهدف من المتحف أن يتحول إلى مزار موثق للآلات الموسيقية القديمة والحديثة الغربية والعربية، أى أنه متحف شامل لجميع أدوات الموسيقى فى العالم، حيث يرصد تفاصيل مراحل تطور الآلات الموسيقية على مر العصور ويحكى قصة تغير أذواق الأجيال وإضافة لمسات جديدة للآلات، وكل آلة تعبر بقوة عن مزاج شعبها الفنى. قامت لجنة مختصة للاطلاع على جميع الآلات الموسيقية وفرزها لتكوين المتحف، وبالفعل خرج المتحف إلى النور فى عام 1995 وقت افتتاح معهد الموسيقى العربية فى عهد الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك بعد مرحلة الترميم الشاملة لبعض الآلات الموسيقية وتحسينها لعرضها، وتم إلحاق المتحف التابع لدار الأوبرا بمعهد الموسيقى العربية ليكون بين أروقته المميزة. المشرفون على المتحف قسموه إلى ثلاثة أجنحة ثابتة أمام الزائر، القسم الأول خاص بآلات النفخ مثل آلة «الناى» التى تعد من أقدم آلات النفخ المميزة بثقوب على جانبيها، وقد ظهرت قبل عهد الفراعنة، أما القسم الثانى فيختص بآلات الوتريات مثل آلة الماندولا الشهيرة بأنها تشبه آلة الماندولين ذات الحجم الكبير. القسم الأخير كان قسم الإيقاع، مثل الدفوف ذات الشكل الدائرى والمربع المميزة بحلقات المعدن الرنانة، وهناك أنواع أخرى بدون حلقات المعدن ولكل نوع مناسبات بعينها، وتم تقسيم الثلاثة أقسام المذكورة ما بين جزء تم عرضه فى الصالة الرئيسية للمتحف والجزئين الآخرين فى غرفتين منفصلتين. جولة داخل أروقة المتحف قبل المرور من الباب الزجاجى الخاص بالمتحف يقابلك نوعان من العود على جانبى جدران المتحف، ثم يبدأ الزائر فى مطالعة القطع المتراصة بالتسلسل من الجانب الأيمن لجدران المتحف حتى الجانب الأيسر الذى يعد نهاية المتحف. كل آلة مكتوب عليها اسمها والبلد الذى تنتمى إليه، وأكثر ما يميز المكان أمام الزائر التنوع الكثيف وعدد الآلات، وتنوعت ما بين الآلات الطيبنة المميزة التى نقشت بمعدن النحاس، كما أبرز المتحف الآلات الخاصة بالإيقاع وآلات السنطور والفيولا والبابزير والمزمار البلدى بأحجامه، وآلة البزق والأرغول والصاجات والإكسليفون، والعود بأنواعه. يُبرز المتحف أنواعًا خاصة للآلات الموسيقية التى قام بصناعتها وتصميمها بشكل فنى رائع مثل آلات العود وآلات قياس الأصوات وغيرها التى تعبر عن الاهتمام بالمتحف. وظهرت آلات الفلكلورات الشعبية التى تعبر عن الشعوب مثل دولة اليابان التى أحضرت آلة «كوند» وهى خاصة بالفلكلور اليابانى، وأنواع أخرى من الآلات التى عبرت عن ثقافتها، وفى وسط المتحف فاترينات ثابتة زجاجية تحمل ثوابت الآلات القديمة مثل التخت العربى الشهير الذى يعود استخدامه للعصر العثمانى وأقبل عليه مشاهير التاريخ مثل ابن سينا والفارابى والكندى. وما يميز رحلة الزائر أنه يستطيع سماع صوت أى آلة موسيقية معروضة من خلال خاصية وفرتها إدارة المتحف للتعرف على الآلة شكلًا وصوتًا. كما وضع نبذة تاريخية عن تاريخ الآلة نفسها ومراحل تطورها أسفل كل قطعة فى المتحف، مثل تاريخ آلة العود ذكرت أنها تطورت منذ ظهوره بوترين فقط وثلاثة فى عهد المماليك حتى تطور فى العصور الوسطى إلى أن أضيف إليه الوتر الخامس فى بداية القرن التاسع عشر الميلادى، حتى تطور الأمر لينتقل العود من حضارة العرب إلى حضارة الغرب عن طريق بلاد الأندلس والحروب الصليبية الشهيرة إلى أن أصبح له تواجد كبير فى دول أوروبا وقيمة عالية، وهنا تم تصنيف العود القديم بالعود الذى يحتوى على أربعة أوتار فقط والحديث الذى يحتوى على خمسة أوتار وكلاهما بمتحف الآلات الموسيقية إلى أن وصل إلى العود المكون من 6 أوتار. أوتار العود من أمعاء الحيوانات ووضع أمامنا المشرف على زيارة المتحف العود ليبرز أوتاره قائلًا: أوتار العود تصنع من خامات مختلفة وليست خامة واحدة، فمثلًا الوتر الأول والثانى من مادة المعدن المغلف بالحرير، والوتر الثالث والرابع والخامس تصمم من أمعاء الحيوانات. ومن الآلات التى يسلط مشرفو المتحف الضوء عليها ويشرحونها بدقة للزائر، كانت آلة «الإكسليفون»، وهى آلة تعود تفاصيلها وظهورها وتطورها إلى بلاد الهند وشرق آسيا حتى الجنوب والصين حتى إندونيسيا، وذكرت فى التاريخ أنها اقدم آلة للنقر وصنعت بالحجر وقتها حتى تطورت بدلًا من الأحجار أصبحت مادة الخشب، ولا تزال تستخدم مثلما كان يستخدمها الإنسان القديم بالضرب عليها بمضارب ثقيلة الوزن، ولها تواجد فى العصر القديم والحديث على السواء ولم تختف. يبذل القائمون على المتحف جهدًا كبيرًا فى الاهتمام بمقتنياته خاصة أنه يعد أكاديمية حية لدراسة الموسيقى بشكل حر والتعرف عن قرب على جميع أنواع الآلات، لذلك يتم فتح الباب أمام الزوار من الساعة 10 صباحًا حتى منتصف اليوم، وفى حالة وجود حفلات موسيقية فى معهد الموسيقى العربية يتم فتح المتحف فى المساء أمام الزوار للاطلاع على التحف النادرة الموجودة فى المكان، وتلقى قبولاً شديدًا وخاصة أن تذكرة المتحف بسيطة أمام الزائر مع توفير الجلوس للاطلاع على نوع الآلة واستخدامها أيضًا. ويوجد نوع مميز من الزائرين الأجانب الذين يحرصون على الحضور للمتحف للاطلاع على الآلات القديمة الخاصة ببلادهم مثل الزوار اليابانيين والفرنسيين والهنود والإيطاليين والأمريكان، كما يحرص المصريون على الحضور خاصة الفرق الموسيقة التى تطور من أدائها تحضر للحصول على المعلومات الصحيحة لاستخدام الآلة والتعرف على الحديث والقديم فيها، ومن المواقف الطريفة حرص الأجانب على التقاط صور مع الآلات القديمة الخاصة ببلادهم كنوع من الذكرى والتفاخر بتلك القطعة النادرة التى يصعب توافرها فى أى متحف آخر غير متحف الآلات الموسيقية فى مصر.