فجأة تحول اسم أحمد أبوهشيمة من رجل أعمال اشتهر بأنه زوج النجمة اللبنانية هيفاء وهبى، إلى إمبراطور جديد فى عالم البيزنس، يقبض على جزء كبير من تجارة الحديد، ثم إلى إمبراطور إعلامى يسيطر رويدا رويدا على المواقع والصحف والقنوات الفضائية المحلية، بدءا من موقع وجريدة «اليوم السابع» ومرورا بشبكة تليفزيون «أون تى في»، وانتهاء بموقع «دوت مصر»، وهناك أخبار متداولة عن اتفاقه على شراء جريدة «صوت الأمة» مقابل 8 ملايين جنيه، واقترابه من الاستحواذ على صحيفة «الشروق»، إضافة إلى مد ذراعه فى مجال الرياضة بتمويل صفقات لاعبى الفريق الأول لكرة القدم بالنادى الأهلى. وتشير تجارب كثيرة سابقة، إلى أن مثل هذا النموذج من أصحاب رءوس الأموال، الذين يبسطون أذرعهم فى عدة مجالات فى وقت واحد، لا يلبثون أن يدخلوا عالم السياسة، إن لم يكن بتولى المناصب الوزارية أو الحزبية أو البرلمانية، فبقدرة الأذرع الإعلامية على توجيه قرارات الحكومة لمخاطبة الرأى العام بما يريده هو ولا يهواه المسئول المستهدف، وهو ما يدعو إلى التساؤل عما إذا كان أبوهشيمة مؤهلا للعب هذا الدور. فبالمقارنة بين محطات صعود أبوهشيمة إلى سطح المشهد العام، وبين محطات نماذج مشابهة له، فإن الأخوين ياسين ولطفى منصور، صاحبى مجموعة «منصور» الاستثمارية، كان لهما السبق فى فكرة دعم الأندية الرياضية من أجل الصعود سياسيا، إذ استثمرا أموالهما سياسيا على المدى البعيد، بطريقة مبتكرة، فقد دعما النادى الأهلى بالتمويل اللازم للحصول على أفضل لاعبى كرة القدم فى مصر وربما فى قارة إفريقيا، وكانت النتيجة أن هذا الفريق الذى حصد الكثير من الألقاب المحلية والإفريقية والعالمية، جاب دول العالم وعلى قميصه إعلان ماركة السيارات التى يملك الأخوان منصور توكيلها فى مصر، ومن ثم وصل الشقيق الأكبر محمد منصور إلى منصب وزير النقل. وفى المقابل، لا يتحدث أحد من المهتمين بشئون النادى الأهلى، عن تمويلات أبوهشيمة لفريق كرة القدم، بأكثر من أنه يرغب فى ضمان مكان مستقبلى لنجله عمر، الذى يلعب فى فريق مواليد 2000 بالنادي، ربما بدافع تعويض انتهاء مسيرته فى اللعبة فى وقت باكر، إذ تعرض لإصابة أجبرته على الاعتزال، بعد أن كان لعب لفريقى الترسانة والمصرى البورسعيدي، بل وكان على أعتاب الأهلى نفسه. أما بالنسبة إلى السيطرة على الإعلام، فقد سبق لرجل الأعمال نجيب ساويرس أن خاض هذه التجربة، من خلال الاستحواذ على أسهم فى عدة صحف أبرزها «المصرى اليوم» و«فيتو» ووكالة «أونا»، إلى جانب تأسيس شبكة تليفزيون «أون تى في»، لكن نهج ساويرس ومواقفه السياسية، أبعده عن دوائر الترشيح للمناصب السياسية، وكانت النتيجة أنه انسحب من اللعبة مكتفيا بما حققه من شهرة وعوائد استثمارية، وباع أسهمه فى هذه الصحف، بل وباع شبكة «أون تى في» إلى أبوهشيمة نفسه، الذى أخرج مجموعة القنوات من دائرة التأثير السياسي، بتحويلها إلى قنوات منوعات تعطى الأولوية للمسلسلات والبرامج الترفيهية واستوديوهات تحليل مباريات كرة القدم. وحتى موقع «دوت مصر» بعد أن اشتراه أبوهشيمة مؤخرا، لم يبد عليه أى تغيير فى السياسة التحريرية، التى كانت تميل للمنوعات أيضا، ورغم أن هذه هى المادة التى اختارها رجل الأعمال للفضائية التى اشتراها، فإنه قرر تسريح 85 محررا من العاملين فى الموقع تعسفيا، من دون سابق إنذار أو تحقيق، ومن دون أن يعطيهم مستحقاتهم المالية المتأخرة، ما دفع الزملاء إلى تحرير محاضر ضده فى قسم شرطة الدقى ومكتب العمل، إضافة إلى دخولهم فى اعتصام مفتوح بمقر الموقع الكائن بحى جاردن سيتي، مطالبين منظمات المجتمع المدنى والحقوقيين بمساندة قضيتهم، إلى جانب طلب تصريح من وزارة الداخلية لتنظيم وقفتين احتجاجيتين، إحداهما أمام مقر شركة إعلام المصريين، المملوكة لأبو هشيمة، والأخرى أمام مقر مجلس الوزراء. أما النموذج الثالث الذى يرى الكثيرون أنه الأقرب لأبوهشية، لمجرد أنه صنع ثروته من تجارة الحديد، فهو المهندس أحمد عز، الذى اختار الدخول فى الحياة السياسية من قواعد الحزب الوطنى المنحل، وتمكن من الصعود إلى منصب أمين التنظيم بالحزب، ليلعب دورا ربما هو الأكبر لرجل أعمال فى القرارات السياسية الداخلية للبلاد، فى عهد حسنى مبارك، رئيس الحزب ورئيس الجمهورية الأسبق. لكن هذا النموذج من الصعب تكراره بالكيفية نفسها فى المرحلة الحالية، فى ظل اكتفاء الأحزاب بالتنافس على بعض المقاعد البرلمانية، وعدم قدرتها على إحداث أى تأثير فى المشهد السياسي، حتى لا يكاد أحدها يقدم رؤية ذات وجاهة فى أى من قضايا الوطن. ومع ذلك، فإن الفرصة كانت متاحة لأبوهشيمة فى وقت سابق للعب هذا الدور، عندما تلقفته جماعة الإخوان، وساعدته لتوسيع قاعدة تجارته فى الحديد، بهدف سحب البساط من تحت قدمى أحمد عز فى هذه الصناعة، لدرجة أن الجماهير أطلقت عليه حينها لقب «عز الإخوان»، ووفرت الجماعة له شريكا قطريا هو رجل الأعمال محمد بن سحيم آل ثان، دعمه لتأسيس شركة «حديد المصريين» التى بدأ تفعليها فى 22 يوليو 2010 ثم تأسيس شركتى «يونايتد ستيل» و«ناشيونال ستيل» للصلب، لكنه انشغل بالاستثمار ولم يظهر له أى دور أو طموح سياسي، إلى أن قامت ثورة 30 يونيو على حكم الإخوان عام 2013 ويظل أبوهشيمة سائرا على نفس النهج، باستثناء دعمه وتمويله لحزب «مستقبل وطن» فى الانتخابات البرلمانية الأخيرة. وربما كان غياب الطموح السياسى عن أبوهشيمة عندما تعامل مع الإخوان، هو ما أخر ظهوره فى المشهد، غير أنه استفاد من ذلك عندما ثار الشعب على الرئيس المعزول محمد مرسي، ليخرج من هذه المعمعة أكثر ثراء، وفى نفس الوقت بلا حاجة إلى تقديم الكثير من القرابين للتبرؤ من أى تهمة كما حدث مع من تورطوا مع الجماعة سياسيا. وكل ما فعله أبوهشيمة فى هذا الصدد، أنه خرج لينفى صحة ما تردد فى الشارع المصرى عن انتمائه أو دعمه لجماعة الإخوان، وقال: «أنا لم أكن اقتصاديا بارزا فى حكم الإخوان، لأن حكم الإخوان لم يستمر أكثر من عام»، مطالبا أى جهة أو شخص يمتلك أى دليل يثبت تورطه فى علاقات مالية أو استثمارية بقيادات الجماعة، بتقديم الأدلة للأجهزة المصرية المختصة، وقد تمكن من النجاة بالفعل، رغم أن الجماعة حاولت معاقبته على هذا التنصل، بأن سربت وثيقة تظهر أنه تلقى تكليفا من مكتب الإرشاد، بالسفر إلى قطر حاملا «تفويضا رسميا لتحقيق التوازن الأمثل فى العلاقات بين القاهرة والدوحة، وتذليل جميع العقبات المتعلقة بتوقيع رجال الأعمال القطريين على عقود الاستثمار فى مشروعى قناة السويس وشرق التفريعة، والصكوك الإسلامية»، بحسب نص وثيقة الإخوان. وكان على أبوهشيمة لاستكمال جميع أركان بسط النفوذ، الانخراط فى أعمال البر والإحسان، لخلق ظهير شعبى من الفقراء، وهو ما كان يفعله الكثيرون ومنهم أحمد عز نفسه، غير أن النموذج الأمثل فى هذه التجربة، قدمه رجل الأعمال محمد أبوالعينين، الذى فرض نفسه على الحزب الوطنى المنحل، من خلال امتلاكه قاعدة شعبية عريضة كونها بالعطايا والشهريات التى يمنحها لفقراء دائرته بمحافظة الجيزة، فكان سهلا عليه الفوز بمقعد البرلمان. وبالمثل، تبرع رجل الأعمال أحمد أبوهشيمة بغرفة علاج كيماوى مجهزة بأعلى مستوي، لمستشفى الأورام الجديدة بالأقصر، كما أودع 50 مليون جنيه فى صندوق «تحيا مصر»، إضافة إلى التنازل عن 75 مليون جنيه فرق ارتفاع الأسعار بالحديد، لصالح مشروعات الدولة التى تتولاها الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، إلى جانب إعادة إعمار 20 قرية فى صعيد مصر، تكلفة كل قرية مليونى جنيه. غير أن رجل الأعمال الذى أصبح الأكثر شهرة وظهورا على كل الأصعدة، لا يبدو أنه صاحب طموح سياسى مثل أحمد عز، أو صاحب وجهة نظر مثل ساويرس، تبدو تحركات أبوهشيمة أكبر من مجرد البحث عن مقعد برلمانى فظاهرها مدروس وموجه لهدف لم يتبين أنه سيقف عند هذا الحد.