يحل الشهر القادم الاجتماع السنوى للمجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية فى أجواء ملتهبة، وعلى الرغم من أن جدول الأعمال الذى أعلن عنه يحتوى على موضوعات كثيرة، إلا أن الموضوع الأخطر والأهم على جدول أعمال المجمع، والذى لم يفصح عنه ويتم التحضير له فى سرية تامة هو تجريد البابا تواضروس من صفته الرهبانية ومن ثم إسقاط كل ما ترتب على تلك الصفة من درجات كهنوتية اعتلت به إلى الكرسى المرقسى ويتزعم هذا التوجه ضد البابا أكثر من 52 أسقفًا ومطرانًا من كبار آباء المجمع. السبب الرئيسى المتداول هو خروج البابا عن صحيح العقيدة الأرثوذكسية وسعيه إلى عمل تحالفات مع طوائف مسيحية أخرى تحظى برفض تاريخى لعقائدها، وغريب الأمر أن المتفقين على خروج البابا عن الإيمان الأرثوذكسى من الغرماء أصحاب العلاقات المعقدة فيما بينهم.. تلك العلاقات التى شهدت صراعات فيما بينهم لا تخفى على أحد، ولكن عندما يتعلق الأمر بالعقيدة فها هم على قلب رجل واحد، وبالطبع من غير المتخيل أن الأساقفة والمطارنة المشار إليهم تدفعهم الغيرة على العقيدة فقط، فحقيقة الأمر أن المحرك الرئيسى لهم هو ممارسات البابا فى سحب البساط من تحت أرجلهم وتهميشهم داخل الكنيسة وإحلال رجاله محلهم، ومن غير المتوقع أن يصطدم هؤلاء الغرماء بالبابا من أول جولة ولكنهم سوف يقومون بتوجيه لوم شديد اللهجة له وتحذيره من ممارساته التى يتلاعب فيها بالأرثوذكسية ويستخدمها كيفما شاء وقتما شاء، ويعطلها ويغض الطرف عنها متى دعت الحاجة إلى ذلك.. وهو ما تم رصده وتوثيقه لمواجهة البابا به وتنظيم الغرماء لا يكتفى بالرصد فقط ولكنهم نجحوا فى توريط البابا فى الكثير من الممارسات وأمسكوها عليه وهو ما سوف نعرضه بالتفصيل. ∎ الزعر البروتستانتى الأنبا رفائيل أسقف كنائس وسط القاهرة وسكرتير عام المجمع المقدس لم يكن من الوجوه المحبوبة أو المقربة من مثلث رحمات البابا شنودة الثالث وهو ما رأه البابا تواضروس مؤهلاً لنيافته ليعهد له بسكرتارية المجمع ليكون الرجل الثانى فى الكرازة، فالأنبا رفائيل لا تحوم حوله شبهات الانتماء إلى الحرس القديم بالعباسية وهو ما قربه من البابا، وكانت مشورة رفائيل للبابا هى إعادة إحياء الأرثوذكسية وتخليصها مما علق بها من شوائب إيمانية فى عصر البابا شنودة والتقط البابا المشورة وصاغها كما يحلو لها فأصبح «الذعر البروتستانتى» هو الفزاعة التى يستخدمها قداسة البابا للتخويف من كل معارضيه وتخوينهم وإخراجهم من الملة فى حين أن قداسته ليس ضد البروتستانتية بل لعله الأشد تعاطفًا معها داخل الكنيسة القبطية، فقداسة البابا هو من يروج للوحدة بين الطوائف وتعتبر الطائفة البروتستانتية هى ثانى أكبر طائفة مسيحية.. فقداسته يستهدف تلك الطائفة بمشروع الوحدة الذى يتبناه بل لعله يغض البصر عن ممارسات بروتستانتية كثيرة فى الكنيسة القبطية طالما كان القائمون عليها من أتباعه، أما إذا كانوا من الخارجين عليه فالويل والثبور وعظائم الأمور، وكانت البداية من كنيسة سمعان الشيخ بالمقطم ففجأة هاج وماج وانتفض بسبب ما كان يحدث من اجتماعات صلاة مشتركة بين الطوائف فى كنيسة سمعان الشيخ بالمقطم بحجة أن الترانيم فى تلك الكنيسة غير أرثوذكسية ونسى أو تناسى أن الكنيسة الأرثوذكسية لا يوجد بين تعاليمها الترانيم ولكن تلك الترانيم نقلتها الكنيسة القبطية عن الإرساليات البروتستانتية التى جاءت إلى مصر وقرر قداسته أن يستل سيف الإيمان لمحاربة هؤلاء المرنمين المارقين وقام بسيامة الأنبا أبانوب أسقفًا للمقطم والذى قام نيافته بدوره بطرد المرنمين الصابئين ولتنتصر الأرثوذكسية فى المقطم وينصب الأنبا أبانوب بطلاً من أبطال الإيمان، وفى نفس السياق يتم قبول استقالة القس أندراوس إسكندر بدعوى أن له ممارسات بروتستانتية.. عظيم إذن قداسة البابا حامى الإيمان ولكننا هنا لا نستطيع أن نمنع أنفسنا من إلقاء نظرة على الكنيسة القبطية فى أفريقيا فالكنائس القبطية الأرثوذكسية هناك هى كنائس بروتستانتية الطقوس والترتيب لا يفرقها عن الكنائس البروتستانتية إلا بعض صور القديسين التى تعلق على جدرانها والترانيم هناك حدث ولا حرج يتم أداؤها بالتصفيق وتمايل الأجساد التى تصل إلى حد الرقص ويقودها كهنة ورهبان أقباط فهل لم يصل إلى مسامع أبطال الأرثوذكسية فى العباسية ما يتم فى أفريقيا؟ بالتأكيد هم يعرفون ويعلمون ويباركون فلماذا يسمح فى أفريقيا ما تمت محاربته فى المقطم؟ والإجابة ببساطة شديدة هى أن أفريقيا تخضع للأنبا أنطونيوس مرقس وهو من أصحاب النفوذ الدينى والسياسى دوليًا، كما أنه من المتوافقين مع قداسة البابا، أما فى المقطم فهناك شيخ عجوز هو القمص سمعان إبراهيم أفنى عمره فى خدمة المنطقة لمدة 40 عامًا وغير متوافق مع قداسة البابا فكان من الرءوس التى أينعت وتم قطافها ليتم عزله فى الدير، ساند رفائيل البابا فى معاركه ضد القمص سمعان الشيخ وثمن دور الأنبا أبانوب ولكنه اكتشف فجأة أنه تم استخدامه كواجهة يحقق البابا من خلالها أغراضا له لا تمت للأرثوذكسية من قريب أو بعيد.. وسرعان ما انقلب الأنبا رفائيل على البابا وهاجم محاولات البابا للتقرب من الطوائف والوحدة معهم، وأعلن رفضه لتلك الوحدة بل وجه للبابا رسالة على موقعه الإليكترونى يكاد يخرج فيها البابا من الملة كلها جاء فيها: «فى عالم يسير بخطى سريعة بعيدًا عن طريق السيد المسيح المعلن فى الإنجيل نريد أن نسير نحن ضد التيار، ونحمل نير الإنجيل بفرح وحب ومثابرة، نسير ضد تيار الإباحية والخلاعة، ضد تيار المادية والعقلانية واللامبالاة، نجدد معًا عهد الآباء القديسين القائم على الطهارة والصلاة والإنجيل وشركة الكنيسة المقدسة وخدمة الآخرين بروح البذل، قد يتشجع أحدنا بمفرده أن يحيا بحسب الإنجيل ولكن عدم وجود شركاء له فى نفس السيرة قد يحبطه أو يبرّد عزيمته.. وبالعكس سيجد كثيرين من الأصدقاء يدفعونه دفعا إلى الطريق المضاد للإنجيل وقد يتهكمون عليه بسبب روحانيته أو ميوله الدينية». ترى ما هو التيار الذى يسبح ضده الأنبا رفائيل ؟ ولماذا يرى أن الكنيسة بعيدة عن عهد الآباء والصلاة والإنجيل والشركة المقدسة؟ ومن هم الأصدقاء الذين لهم القدرة على دفعه فى الطريق المضاد للإنجيل وهو الرجل الثانى فى الكنيسة ؟ وما هو الدور المنتظر أن يلعبه نيافته فى اجتماع المجمع القادم مدعوما بأكثر من 30 كاهنا من كبار كهنة الكنيسة فى وسط القاهرة؟ ∎ معمودية الكاثوليك والوحدة مع الأنجليكان الأنبا بيشوى هو الرجل الأقوى من رجالات الحرس القديم وهو الذى تم تحجيمه وتهميشه فى عهد البابا تواضروس والأمر غير المنطقى هنا هو رضاء الأنبا بيشوى بما قسم له البابا فى عهده رغم ما عرف عن الأنبا بيشوى من سلوكيات صدامية، بل الأكثر عجبا هو أن يكون مهندس الحوارات فى التقارب مع الطوائف التى طالما هاجمها نيافته إلى حد التكفير، فها هو اليوم يعقد الاجتماعات ويتجول حول العالم لتنفيذ خطة البابا ليس حبا أو طاعة للبابا فهو يدرك أنه لم تعد له من القوة ما يمكنه من الصدام مع البابا فقرر أن ينصب له شرك الوحدة مع الكنائس وهو يعلم أن هذا سوف يثير سخط المجمع والشعب على البابا وهو لا يتصدر المشهد ولكنه يطيع أباه البابا الذى هو أعلم الكل بالعقيدة وأسرارها ومن القنابل الموقوتة التى ينتظر البابا انفجارها فى وجهه عند اجتماع المجمع المقدس فى الشهر القادم هو اتفاقه مع البابا فرنسيس بابا الكاثوليك بقبول الكنيسة القبطية الأرثوذكسية معمودية الكاثوليك وهو ما سوف ترد عليه الكنيسة الكاثوليكية بالمثل ولمن لا يعرف فإن المعمودية هى أحد أكبر الدعائم الإيمانية والطقسية السبعة التى تقوم عليها الأرثوذكسية (أسرار الكنيسة السبعة) والمعمودية لا تأتى منفردة ولكنها تتبع الإيمان وشتان الفرق بين إيمان الكاثوليك والأرثوذكس، فالكنيسة القبطية ترفض ما جاء بالمجمع الفاتيكانى عام 1965من قبول الوثنيين ضمن المؤمنين إضافة إلى الخلافات التاريخية الإيمانية بين الكنيستين وقبول البابا لمعمودية الكاثوليك هو قبول ضمنى للإيمان الكاثوليكى وهو ما أفرد له الأنبا بيشوى الكثير من الكتب والمؤلفات لانتقاده ومهاجمته. وتأتى الوحدة مع الأنجليكان لتفجر قنبلة فى وجه البابا، فالأنجليكان هم كنيسة انجلترا التى انشقت عن كنيسة روما وتعتبر فى منطقة وسط بين الأرثوذكسية والبروتستانتية وهم يسمون فى مصر بالكنيسة الأسقفية.. تلك الكنيسة التى ترفضها الكنيسة القبطية ولم تعترف بها فالخلافات بين الكنيستين كما يرى الأنبا بيشوى فى محاضراته عن (اللاهوت العقائدى - الطبعة العشرون - مجهولة المطبعة والتاريخ ص 106) كبيرة فهم ألغوا أربعة أسرار من أسرار الكنيسة السبعة ولا يعترفون بالرهبنة ولا توجد لديهم أصوام ويقومون برسامة النساء كهنة وأخيرا فقد سمحوا بتعدد الزوجات للمسيحيين فى أفريقيا، والطامة الكبرى فإنهم يتبنون زواج الشواذ ويرون أن هناك بعض الناس خلقهم الله هكذا ولا يمانعون فى رسامة الشواذ كهنة، بل إن هناك أحد الأساقفة قام بتزويج قس من شماس.. كل هذه الاعتقادات ترفضها الكنيسة الأرثوذكسية ولكن البابا يصر على الحوار والوحدة مع الأنجليكان أو الكنيسة الأسقفية وهو ما ينفذه له الأنبا بيشوى رغم أنه ضد قناعاته والأنبا بيشوى فى فخه هذا يحظى بمباركة الأنبا داود أسقف المنصورة والأنبا بيمن أسقف نقادة والأنبا أرميا الأسقف العام. ∎ ثورة رهبان دير الأنبا بيشوى تنتاب رهبان دير الأنبا بيشوى ثورة عارمة ضد البابا تصل إلى حد القطيعة فمن المعروف أن مقر البابا الديرى فى دير الأنبا بيشوى بوادى النطرون ولكن البابا تواضروس وهو فى الأصل من بين رهبان الدير لم يحافظ على علاقة البابا بالرهبان كما كانت عليها فى عهد البابا شنودة الذى كان يحرص على الذهاب إلى الدير بشكل أسبوعى منتظم والالتقاء برهبانه والصلاة معهم ويذوب فى وسطهم كراهب أب وأخ لهم وليس كبطريرك وهو ما ترفع عنه البابا تواضروس والقشة التى قصمت ظهر البعير هنا هو إعلان البابا تواضروس عن إقامة كلية إكليريكية فى الدير يعهد بإدارتها لرهبان دير أبو مقار تلاميذ القمص المتنيح متى المسكين الذى كثيرا ما انتقد إيمانه البابا شنودة الثالث، وهنا وقع البابا تواضروس فى شركين الأول هو قبول إيمان رهبان دير أبو مقار دون فحصه وإعادة مراجعته والثانى هو أنه جعل رهبان دير يتعدون على رهبان دير آخر دون سماح أسقف الدير، وأسقف الدير هو نيافة الأنبا صرابامون وهو يحظى بمكانة خاصة داخل الكنيسة فهو قديس الكنيسة والرجل نقى السيرة والسريرة وهو أيضا أب اعتراف معظم أساقفة ومطارنة الكنيسة منذ أن كانوا رهبانا والجميع يخضع له ويحبه ويجله ولم يعرف عن نيافته يوما ما الصدام داخل الكنيسة بل كان كثيرا ما ينزع فتيل قنابل كثيرة داخل الكنيسة وكلمته نافذة وغير قابلة للنقاش أو الجدل ونادرا ما يخرج من ديره، ولكن ما أتاه البابا كان سبب شكوى جماعية من رهبان الدير إلى أبيهم وأسقفهم وطالبوه باتخاذ موقف تجاه البابا فذهب نيافته إلى البابا وبمحبة شديدة لم يلمه أو يوبخه ولكن ردد على مسامعه ما وصل إليه معلقا أنه لم يصدق أن البابا ابن الدير يمكن أن يفكر فى هذا وطلب البركة من البابا وانصرف ولكن مازالت الأجواء ملتهبة خاصة أن ما حدث علم به المطارنة والأساقفة من أبناء الدير. ∎ الأنبا بفنتيوس والإصلاح الأنبا بفنتيوس أسقف سمالوط كان من أقوى المعارضين للبابا شنودة وهو يرى فى كتابه (حتمية الإصلاح الكنسى) ضرورة إعادة صياغة قوانين الكنيسة بما يتناسب مع مقتضيات العصر، وهو الكتاب الذى هاجم فيه البابا شنودة وقاطع اجتماعات المجمع المقدس لمدة عشرين عاما، وفى كتابه (رئاسة الكهنوت) رفض رئاسة البابا للكهنوت واعتبره أسقفا مثل أى أسقف وقد حاول مرارا البابا شنودة محاكمته كنسيا وعزله ولكنه لم ينجح فى ذلك، فالأنبا بفنتيوس هو الرجل الذى يحظى بحب مدينته من أقباط ومسلمين وليس شعبه فقط وعزله كان سوف يهيج شعب إيبارشية من أكبر إيبارشيات الصعيد وأهمها، والأنبا بفنتيوس لم يتوقف عن الدفع بمشروعه الإصلاحى داخل الكنيسة وقد نشط هذه الأيام ويستعد لجولة مواجهة جديدة مع البابا الجديد بسبب قانون انتخابات البطريرك والذى اقتصر فيه حق الانتخاب على الصفوة من الأقباط بينما يناضل الأنبا بفنتيوس من زمان لتمكين كل الأقباط من المشاركة فى انتخابات البابا. ∎ بولا وتفكيك المجلس الإكليريكى من الأعمال المطروحة على جدول اجتماع المجمع المقدس لائحة الأحوال الشخصية الجديدة والتى سوف تستحدث براحا كبيرا وانفراجة لتيسير الطلاق وسوف يتم تفكيك المجلس الإكليريكى العام الذى كان يبت فى كل قضايا الطلاق لينشطر إلى 6 مجالس فى محافظات مختلفة تمهيدا لإنشاء مجلس إكليريكى بكل محافظة برئاسة أسقفها ويكون المجلس الإكليريكى العام مختصا بنزاعات الأحوال الشخصية فى إيبارشيات البابا فقط (القاهرة والإسكندرية) تلك اللائحة التى لم يوافق عليها الأنبا بولا رئيس المجلس الإكليريكى العام وشعر أن هناك محاولات من البابا لتقزيمه وهو ما دعاه إلى إعلان مغادرته للمجلس بحلول نهاية هذا العام وانقض على الملف السياسى للكنيسة ليحتكره ويعد بولا لجولة من الصدام مع البابا ضد اللائحة الجديدة والتى من المتوقع ألا تشهد توافقا عليها فى المجمع القادم بدعوى أنها تتنافى مع صريح النص الإنجيلى وتهدم الإيمان المسلم للكنيسة من الآباء الرسل. وهكذا تبدو الأجواء ملبدة بالغيوم فى اجتماع المجمع المقدس القادم.. فهل ينحنى البابا لعاصفة الأساقفة الغرماء أم تطيح به تلك العاصفة؟! ننتظر.∎