لليوم الثاني.. استقبال النواب الجدد لاستلام كارنيهات العضوية    انطلاق امتحانات الفصل الدراسي الأول بالمعاهد الأزهرية بسوهاج    5 يناير 2026.. الجنيه يواصل الارتفاع أمام الدولار في البنوك المحلية خلال تعاملات اليوم    تقلبات فى اسعار الاسمده اليوم الإثنين 5يناير 2026 بالمنيا    بيان أوروبي: تقويض إسرائيل عمل الأونروا يخالف قرارات محكمة العدل الدولية    الدنمارك تعارض.. هل جرينلاند وإيران الهدف التالي لترامب؟    تواصل الجهود المصرية لإدخال المساعدات للأشقاء في قطاع غزة    الدفاع المدني يعلّق إزالة أخطار المباني المتضررة بسبب نفاد الوقود في غزة    ضبط 3 سيدات بتهمة استقطاب الرجال عبر تطبيق هاتفي لممارسة أعمال منافية للآداب بالإسكندرية    عاجل- تحذير من الطقس قبل مواجهة مصر وبنين في كأس أمم إفريقيا.. أمطار رعدية وثلوج ورياح قوية بالمغرب    انطلاق أولى ورش مهرجان المسرح العربي في قصر ثقافة الأنفوشي بالإسكندرية    سفرة عيد الميلاد المثالية.. وصفات سهلة ولذيذة لتجهيز أطباق العيد في المنزل    وزير الإسكان يتابع الموقف التنفيذي لمشروعات مبادرة حياة كريمة لتطوير قرى الريف المصري    المكسيك و5 دول آخرى.. لماذا ترفض دول كبرى سيطرة ترامب على نفط فنزويلا؟    كوريا الشمالية: التجارب الصاروخية الأخيرة شملت نظام أسلحة فرط صوتي    ترامب: لا أشعر بالقلق من أن يؤدي الوضع في فنزويلا إلى تورط طويل الأمد    موعدنا اليوم.. منتخبنا أمام بنين في ليلة الحسم بكأس أمم إفريقيا 2025    البنك الأهلي ووادي دجلة في مواجهة مصيرية بكأس عاصمة مصر    الأهلي يدرس استكمال بطولة كأس عاصمة مصر بمدرب فريق الشباب    ميكالي يدخل حسابات الزمالك لخلافة أحمد عبد الرؤوف    وزير التعليم العالي يستقبل سفير طاجكستان بالقاهرة لبحث آفاق التعاون    وزير التعليم العالي يبحث مع سفير طاجكستان تعزيز التعاون في المنح الدراسية    حملات أمنية مكبرة تضبط مخدرات وأسلحة وتنفيذ أكثر من 60 ألف حكم    إعادة فتح الطريق الإقليمى بعد غلقه بسبب الشبورة المائية فى المنوفية    إنقاذ 28 شخصا على متن مركب سياحي بعد شحوطه في منطقة حماطة    طلاب أولى ثانوى فى 11 محافظة يؤدون امتحان البرمجة والذكاء الاصطناعى    هيئة السكك الحديدية: خفض سرعة قطارات بحري بسبب الشبورة    وزارة «العمل» تعلن توفير 7293 وظيفة في 12 محافظة    المخرج حسني صالح يغير مكان وموعد تشييع جثمان والدته    لميس الحديدي: فيلم الملحد لا يدعو للإلحاد أو يروج له.. وإبراهيم عيسى يطرح دائما أسئلة صعبة    منة عرفة تُبدل دورها في مسلسل «وننسى اللي كان»    كيفية أتوب من ذنب كبير؟ أمين الفتوى يجيب    وزيرة التضامن تلتقي مديري مديريات التضامن الاجتماعي بالمحافظات    الصحة: 2026 و2027 عاما التحدي لتحقيق معدل إنجاب 2.1 طفل    مدير فرع هيئة الرعاية الصحية بجنوب سيناء يتابع التشطيبات النهائية بمستشفى نويبع تمهيدا لافتتاحه    انقاذ شاب تعرض لبتر كامل بإصبع الابهام نتيجه ساطور بمستشفى سوهاج الجامعي    ننشر أسماء المصابين في حادث «صحراوي» قنا    وزير الدفاع يهنئ البابا تواضروس بمناسبة عيد الميلاد المجيد (فيديو وصور)    البابا تواضروس الثاني ووزير الثقافة يطلقان مبادرات للحفاظ على التراث القبطي    تراجع جديد في أسعار الذهب بمصر مع بداية تعاملات الاثنين 5 يناير 2026    استخدام المروحة والجوارب.. نصائح هامة لمواجهة الشعور بالبرد داخل المنزل    مدرب جنوب إفريقيا يوضح أسباب الإقصاء من كأس الأمم    روزينيور في لندن لحسم تعاقده مع تشيلسي    تقلب أسعار النفط مع تقييم تداعيات اعتقال مادورو وفائض المعروض العالمي    جيمي كيميل يسخر من ترامب في حفل جوائز اختيار النقاد (فيديو)    أيمن منصور: أمم إفريقيا لا تعترف بالأسماء.. وبنين اختبار حقيقي للفراعنة    أسعار اللحوم الحمراء اليوم الإثنين 5 يناير    فيلم «جوازة ولا جنازة».. شريف سلامة يكشف سر انجذابه لشخصية «حسن الدباح»    عمرو مصطفى: بدأت الغناء بعد خلافاتي مع المطربين.. كنت كل ما أتخانق مع مطرب أروح مغني    نتيجة الحصر العددي لدائرة المنتزه بالإسكندرية في جولة الإعادة بانتخابات مجلس النواب 2025    مؤشرات أولية غير رسمية.. فوز وائل إسماعيل ومحمد مصطفى وأسامة عبدالشكور في انتخابات مجلس النواب بالمنيا    "لمّ الشمل" في المنوفية.. وعاظ الأزهر ينهون نزاعا أسريا طويلا بمدينة الشهداء    بين الاندماج والاختراق.. كيف أعاد تنظيم الإخوان ترتيب حضوره داخل أوروبا؟    أمم إفريقيا - باليبا: سنرى كيف يمكننا منع المغرب من اللعب    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : فابشر طالما انت مع الله !?    بدء صرف الإعانة الشهرية لمستحقي الدعم النقدي عن يناير 2026 بتوجيه من شيخ الأزهر    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 4يناير 2026 فى المنيا    أدعية مستحبة في ليلة النصف من رجب.. باب للرجاء والمغفرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نِصف رئيس
نشر في روزاليوسف الأسبوعية يوم 23 - 06 - 2012

فى مشارق الأرض ومغاربها، وفى بلاد تركب الأفيال، تكون لحظة إعلان نتيجة الانتخابات «عيدا شعبيا»، وتتويجا لممارسة ديمقراطية نزيهة تفضى إلى تعبير الشعوب من إرادتها الحرة، تنتهى بهذا المشهد الحضارى المألوف حيث يسارع «الخاسر» إلى تهنئة «الفائز» ويتم التداول السلمى للسلطة بسلاسة ويسر دون مماحكات أو ضغائن.. وهكذا يتقدم العالم.


أما عندنا فقد تحولت اللحظة ذاتها إلى كابوس مرعب، لأن كل التوقعات تشير إلى أنه ما أن يفتح المستشار «بجاتو» الأمين العام للجنة انتخابات الرئاسة فمه وينطق بالاسم الأول للحاصل على أعلى الأصوات فى هذه الانتخابات، لن يكون بحاجة إلى الاستمرار فى إعلان التفاصيل المعهودة فى مثل هذه الحالات، لأنه قبل أن يكمل اسم «الفائز» سيكون بركان الغضب والكراهية والاعتراض قد ثار وأطلق حممه لتشعل حريقا فى الوطن بأسره. وبدلا أن تكون الانتخابات - مثلما هو الحال فى كل البلدان المتحضرة - وسيلة لتقدم البلاد تصبح عود ثقاب مشتعلا على حافة برميل بارود متأهب الانفجار.

ولا أحد يستطيع التظاهر بالمفاجأة لوصول الأمور إلى هذا الوضع الجنونى المخيف لأن كل المقدمات تؤدى - بالضرورة - إلى هذه النتيجة المشئومة.

فقد تم اختزال الديمقراطية فى العملية الانتخابية. فى حين أن القاصى والدانى يعلم أن الديمقراطية «قيم» و«مؤسسات» و«آليات»، وليست الانتخابات سوى إحدى هذه الآليات. وما حدث هو أننا دسنا بالحذاء على «القيم» و«المؤسسات» الديمقراطية ووضعنا كل الرهانات على «الأداة» الانتخابية. فكان من الطبيعى أن تتحول فى كثير من الأحيان إلى تخريب للديمقراطية بإحدى أدواتها !


ولم يكن غريبا - والحال كذلك - أن يطلق بعض أعداء الديمقراطية على الانتخابات اسم «غزوة الصناديق»، بعد أن حولوها من تنافس سلمى بين خيارات مجتمعية إلى «حرب» بين «المؤمنين» و«الكفار» !!

- وتم وضع الانتخابات فى المسار المقلوب، فكان طبيعيا أن تجرنا إلى الوراء بدلا من أن تشدنا إلى الأمام.

والمسئولون عن خطيئة هذا المسار المقلوب هم أولئك الذين أصروا على وضع العربة أمام الحصان، وإجراء الانتخابات- تشريعية كانت أو رئاسية - قبل الدستور، ولم يكتف بعض هؤلاء بتزكية السير فى الاتجاه المعاكس بل كانت لديهم الجرأة فى استفتاء مارس 2011 على اتهام من يرفض مسارهم المقلوب بأنه ضد الإسلام وضد شرع الله!

- وفى السير على طريق الانتخابات «المقلوبة» لم يتم الالتزام حتى بالقواعد التى وضعها أصحاب هذا المسار المعاكس.

وعلى سبيل المثال نصت المادة الرابعة من الإعلان الدستورى الذى أصدره المجلس العسكرى - وتحمست له كل فصائل الإسلام السياسى وفى مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين - نصت على أنه «لا يجوز مباشرة أى نشاط سياسى أو قيام أحزاب سياسية على أساس دينى».

هذا النص الواضح والقاطع تم انتهاكه بفظاظة وتم السماح بقيام العديد من الأحزاب السياسية «على أساس دينى»، ثم تم السماح بمشاركتها فى الانتخابات البرلمانية «وفوزها بأغلبية مقاعد مجلس الشعب» وتمت مشاركتها فى الانتخابات الرئاسية «ووصول أحد ممثليها إلى جولة الإعادة».

وهذا معناه أنه لو جرى الالتزام بما جاء فى الإعلان الدستورى لتغيرت الخرائط الانتخابية بصورة جذرية سواء فى الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية.

- ولم يكن التجاوز مقصورا على المجلس العسكرى الذى سمح بمخالفة هذا النص القاطع من الإعلان الدستورى، بل إن كثيرا جدا من أعضاء مجلس الشعب والشورى الذين جرى انتخابهم فى ظل هذا التجاوز الأول استمرأوا انتهاك المواد الأخرى من الإعلان الدستورى ذاته، بداية من المادة 42 التى تحدد صيغة القسم الذى يجب أداؤه أمام المجلس قبل مباشرة عمله باليمين التالية «أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصا على سلامة الوطن والنظام الجمهورى وأن أرعى مصالح الشعب وأن أحترم الدستور والقانون».

على العكس منطوق هذا القسم رأينا كثيرا من النواب يلحقونه بإضافة عبارة «بما لا يخالف شرع الله». ومع أن أى حذف أو إضافة إلى النص الدستورى الأصلى يبطل العضوية فقد تم التجاوز عن ذلك وكأن شيئا لم يكن، مما فتح الباب على مصراعيه أمام تجاوزات أكثر خطورة، وعلى سبيل المثال رأينا أنه رغم ما ورد فى القسم من التعهد بالحفاظ على «النظام الجمهورى» و«سلامة الوطن»، رأينا بعض النواب الذين حلفوا اليمين يطرحون أمورا مناهضة لذلك على طول الخط مثل «دولة الخلافة»، التى تنسف أسس الدولة الوطنية من جذورها كما تتعارض بالقطع مع المبادئ الجمهورية.

ورغم ذلك.. لم يحرك أحد ساكنا!

وضع الإعلان الدستورى انتخابات الرئاسة فى يد لجنة قضائية عليا تسمى «لجنة الانتخابات الرئاسية» حددت المادة 28 تشكيلها، وقررت أن «تكون قرارات اللجنة نهائية ونافذة بذاتها، غير قابلة للطعن عليها بأى طريق وأمام أى جهة، كما لا يجوز التعرض لقراراتها بوقف التنفيذ أو الإلغاء».

- ياللهول.. هل توجد لجنة قضائية أو إدارية فى أى مكان فى العالم تتمتع بهذه الصلاحيات المطلقة والمحصنة فى ذات الوقت ضد أى طعن بأى طريق وأمام أى جهة؟!


هنا يجب أن نذكر ونتذكر أن القوى الديمقراطية قالت: «لا» فى الاستفتاء على الإعلان الدستورى الذى تضمه هذه المادة، بينما فصائل الإسلام السياسى - وفى مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين - هى التى قالت «نعم» وألف نعم وهاجمت المعارضين بضراوة!

هذه اللجنة المحصنة ضد الطعن على قراراتها بأى طريق وأمام أى جهة اتخذت قرارات «لا يمكن مقاومتها بأى طريقة» أدت إلى تغيير مسار الانتخابات الرئاسية. منها على سبيل المثال استبعاد مرشحين بارزين «منهم اللواء عمر سليمان والمهندس خيرت الشاطر والشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل» وتثبيت مرشحين آخرين ثارت شبهات حول قانونية ترشيحهم «وبالذات الفريق أحمد شفيق بعد صدور القانون المعروف إعلاميا باسم «قانون العزل السياسى»، فقامت اللجنة بتطبيق القانون المشار إليه على الفريق شفيق واستبعدته من قائمة المرشحين ثم عدلت عن قرار الاستبعاد وأعادته إلى القوائم بعد ساعات معدودات!

وفى الحالتين - حالة الاستبعاد وحالة التثبيت أثرت قرارات اللجنة على مسار الانتخابات الرئاسية ونتائجها. وأفضل مثال على ذلك أن طرفى جولة الإعادة تحوم فوق رأس كل منهما شبهة مخالفة قانونية!

محمد مرسى باعتباره مرشح حزب سياسى على أساس دينى تحظره المادة الرابعة من الإعلان الدستورى، أحمد شفيق باعتبار أن قانون العزل السياسى ينطبق عليه «وهو قانون سارى المفعول بعد صدوره عن مجلس الشعب وتصديق رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة والنشر فى الجريدة الرسمية، وبالتالى كان واجب الالتزام به، وفى نفس الوقت يثور جدل حول أحقيته فى لجنة انتخابات الرئاسة فى إحالته إلى المحكمة الدستورية العليا».

وكل هذه التفاصيل السابقة تعنى أنه لو تم الالتزام بالإعلان الدستورى والقانون لما كان لأى من محمد مرسى أو أحمد شفيق مكان فى جداول المرشحين أصلا وليس فى جولة الإعادة فقط !

ناهيك عن «المال السياسى» ودوره فى هذه الانتخابات.. فالمصريون يرون بأعينهم مليارات الجنيهات التى أنفقها المرشحان اللذان وصلا إلى جولة الإعادة بالمخالفة للقانون الذى وضع سقفا لا يتجاوز 30 مليونا للجولة الأولى و10 ملايين لجولة الإعادة.

ومع ذلك لم نسمع عن إجراء تم اتخاذه لسؤال المرشحين عن مصدر هذا المال السياسى - سواء كان هذا المصدر محليا أو خارجيا وسبل إنفاقه.

ونحن جميعا نعرف أن هذا المال السياسى له تأثير بالغ على مسار الانتخابات ونتائجها. فما بالك إذا كانت مصادر هذا المال الوفير - فوق مخالفته من حيث الحجم للمبالغ الهزيلة المنصوص عليها قانونا - قد أتت من مصادر تثار حولها تساؤلات، منها ركائز نظام حسنى مبارك ومحاسيبه الذين نهبوا ملايين المليارات ولا يضيرهم إنفاق بعض هذه المليارات على أمل إعادة إنتاج نظامهم الساقط، ومنها دول خليجية مستعدة لإنفاق مليارات الدولارات لشراء كرسى رئاسة مصر والحيلولة دون نجاح نموذج الثورة المصرية ووصول إشعاعه إلى بلدانهم.

ورغم أن رائحة هذه الأموال - المحلية والأجنبية - تزكم الأنوف، فإنه لا أحد يسأل : من أين جاء هذا التمويل البالغ السخاء لتلك الحملات الانتخابية المكلفة؟ وألا يؤثر ذلك على الأمن القومى للبلاد ؟ فضلا عن أنه ينسف أى حديث عن «تكافؤ الفرص» بين المرشحين الذين نعلم أن بعضهم قد خرج من السباق الرئاسى لضعف مواردهم المالية.

يضاف إلى ما سبق تحفظات شديدة على جداول الناخبين، والتى هى أساس العملية الانتخابية بأسرها.

الجدل دائر حول قاعدة البيانات الأساسية بهذا الصدد منذ الانتخابات البرلمانية، خاصة بعد الدعوى القضائية التى رفعها إبراهيم مصطفى كامل أمام محكمة القضاء الإدارى، ويتهم فيها الجهة المشرفة على الانتخابات بالتلاعب فى قاعدة بيانات الناخبين، مركزا على الادعاء بأن هناك ما يقرب من تسعة ملايين صوت مكررة، وإذا صح هذا الادعاء فإننا نكون أمام جريمة كبرى.

الجديد فى الانتخابات الرئاسية هو «الطفرة» فى عدد الناخبين، وتفسيرات سبب هذه الطفرة، وهى تفسيرات مازالت تثير تساؤلات أكثر مما تقدم توضيحات وتطمينات، وقد أضيفت إليها مؤخرًا دراسة مهمة للباحث المتميز الدكتور محمد نعمان نوفل تذهب إلى أن الخلل فى قاعدة بيانات الناخبين ربما يصل إلى عشرة ملايين صوت.. وهو رقم مرعب لأنه يقلب الموازين رأسًا على عقب.

وما سبق يبين أن الانتخابات البرلمانية، ثم انتخابات الرئاسة بالذات، تعانى من أوجه خلل بالغة الخطورة، وأنه ليس صحيحا- كما يقال عادة وكثيرًا- أن الخروقات والتجاوزات محدودة ولا تؤثر على النتيجة النهائية، بل هى تؤثر تأثيرًا مباشرًا وكبيرًا جدًا، بحيث لا يمكن القول بضمير مرتاح أنها تعبر عن الإرادة الشعبية بنزاهة وإنصاف.

وتزداد الصورة قتامة إذا أضفنا عناصر أخرى مرتبطة بانتخابات الرئاسة بجولتيها بصورة خاصة:

من هذه العناصر ما تردد عن ترويع للمواطنين المصريين المسيحيين فى صعيد مصر، وفى عدد من المحافظات، أدى لإحجامهم عن التوجه إلى اللجان الانتخابية وعدم الإدلاء بأصواتهم تحت التهديد.

ومنها أيضا ما تردد عن تسويد واسع النطاق للبطاقات الانتخابية حتى داخل المطابع الأميرية.

ناهيك عن «اختراعات» و«إبداعات» مبتكرة لشراء الأصوات، أحدثها «الطفل الدوار»، وهو الطفل الذى يتم إرساله لمرافقة الناخب الذى يبيع صوته تحت وطأة الفقر والحاجة، حيث يقوم الطفل «الدوار» بملازمة الناخب والتأكد من العلامة التى وضعها على الورقة وإبلاغ ذلك ل«المشترى» قبل أن يدفع «المعلوم» ثم يظل الطفل «دوراً» مع غيره من «الزبائن».. بلا نهاية!

كل هذه- وغيرها الكثير- مجرد الجزء البارز من جبل الانتهاكات والخروقات فى العملية الانتخابية، الأمر الذى ينزع عنها صفة «النزاهة» و«العدالة» و«تكافؤ الفرص».

فإذا أضفنا إلى ذلك حالة التربص والاحتقان البعيدة كل البعد عن الروح الديمقراطية نرى كيف تم ابتذال أهم آلية من آليات الديمقراطية- وهى الانتخابات- وتحويلها إلى معول لهدم الديمقراطية وتقويضها بل وتقويض الوطن ذاته.

فهل رأيتم فى أى انتخابات فى العالم مرشحًا يقول قبل أن تبدأ العملية الانتخابية: إذا فزت فإنها ستكون انتخابات نزيهة، وإذا فاز خصمى فإنها ستكون انتخابات مزورة؟!

هل رأيتم فى أى انتخابات فى العالم مرشحا يعلن فوزه حتى قبل أن تكتمل عملية فرز الأصوات وقبل النظر فى الطعون؟!

هل رأيتم فى أى انتخابات فى العالم إعلان كل من المرشحين فوزه على الآخر ورفض كل منهما انتظار إعلان الجهة الرسمية للنتيجة، وتحريض كل منهما أنصاره على عدم الاعتراف بأى نتيجة سوى الفوز؟!

فى ظل هذه الأجواء الهستيرية يصبح إعلان النتيجة- أى نتيجة- بمثابة إلقاء كرة من اللهب على برميل من البارود، وبدلاً من الاحتفال بخطوة على طريق الديمقراطية تحترق البلاد وتعود سنوات إلى الاقتتال والاستبداد.

فما بالك.. وأن النتيجة- مهما كانت أرقامها صحيحة- تفتقر إلى العدالة والنزاهة من الألف إلى الياء.

والمخرج من هذا المأزق المخيف الذى دفعنا إليه المسار المقلوب الذى وضع العربة قبل الحصان منذ مارس 2011 هو الامتناع عن إعلان نتيجة انتخابات الرئاسة التى شابها البطلان من أكثر من زاوية، والتى افتقرت إلى أهم مقومات العدالة والنزاهة، وفوق ذلك كله التى يمكن أن تزيد الطين بلة وتشعل حريقا هائلاً يلتهم الوطن كله.. وليس المرشحين المتنافسين على جثته فقط.

المخرج هو الرجوع إلى الحق.. فالرجوع إلى الحق فضيلة.. وبدء عملية انتقال سلمى للبلاد من الدولة الاستبدادية إلى إرساء قواعد دولة الحق والقانون بالترتيب المنطقى الذى يضع الأساس أولاً ثم يبنى طوابق بيتنا المشترك طوبة طوبة وطابقًا طابقًا.. بالأصول والمشاركة المتكافئة.. بعد أن ثبت أن «المغالبة» و«الإقصاء» و«الإملاء» و«التكويش» لا تصلح لبناء أوطان أو تشييد دولة مدنية حديثة.

قد يقول قائل: إن هذه دعوة مثالية سيرفضها مرسى وشفيق بالقطع بعد أن أصبح كل منهما على مرمى حجر من قصر الرئاسة.

وهو تساؤل فى محله لكن.. فليتذكر كل منهما أن الكفتين متساويتان تقريبًا، وأن الفارق بينهما- فى عدد الأصوات- ضئيل للغاية، وأن أغلبية أصوات المصريين هى تلك التى لم يحصلا عليها.

وأن «الفائز»- إذا ما تم إعلان اسمه- لن يكون رئيسًا كامل الصلاحيات، بل سيكون «نصف رئيس» فى أحسن الأحوال، وأن بقاءه فى القصر الجمهورى- إذا دخله أصلاً- لن يطول سوى بضعة شهور ربما لن تزيد على عدد أصابع اليد الواحدة، وأن التحديات المحلية والإقليمية والدولية التى ستواجهه- بصلاحياته الهزيلة والانقسام الفعلى فى صفوف البلاد والعباد- ستدفنه تحتها.

.. فما بالك وأن مجرد إعلان اسمه- أيًا كان- لن يكون بمثابة إسدال ستار النهاية السعيدة وإنما سيكون بداية تراجيديا سوداء تتلمظ قوى إقليمية ودولية على أن يعيش فصولها المخضبة بالدم والدموع.

أضف إلى ذلك أن مرسى وشفيق يعلمان قبل غيرهما حجم التجاوزات فى هذه الانتخابات بدليل الطعون التى تقدما بها والتى تجاوز عددها الأربعمائة، رغم أن هذا الرقم مجرد غيض من فيض.

لكن هؤلاء وأولئك ينسون شيئًا أساسيًا وبالغ الأهمية، هو أن هذا البلد قد اندلعت به فى 25 يناير 2011 شرارة ثورة.. لولاها لما كانت هناك انتخابات برلمانية أو رئاسية أو حتى انتخابات لعمدة أو شيخ بلد.. وأن هذه الثورة وإن كانت قد تلقت ضربات موجعة فى الأشهر الأخيرة- على النحو الذى يكثفه المشهد الكئيب لجولة الإعادة- مازالت حية، وأنها مثل طائر الفينيق ستنبعث من تحت الرماد فى الوقت المناسب لتضع حدًا لصراعات البلاط على قصر رئاسى مهجور.. لم يستطع حماية الرئيس السابق حسنى مبارك مثلما لم يستطع مبارك- وولده وحرمه ومحاسيبه- الاحتفاظ به.

فهل يتعلم مرسى وشفيق؟!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.