بعد توجيهات الرئيس.. هل تساهم انتحابات المحليات في تفعيل الدور الرقابي؟    رئيس الوزراء يتفقد أول طائرة من طراز Airbus A350-900 بأسطول الناقل الوطني    حازم الجندى: توجيه الرئيس بتبكير صرف المرتبات يؤكد حرص الدولة على تخفيف الأعباء    رفع 16 ألف طن مخلفات والقضاء على المقالب العشوائية بالبحيرة.. اعرف التفاصيل    الإسكندرية تعلن خطة شاملة لاستقبال شهر رمضان وتوفير السلع بتخفيضات تصل 30%    التشغيل التجاري التجريبي لمحطة «تحيا مصر 1».. خطوة نحو مركز إقليمي للنقل    وزير الخارجية يبحث مع مبعوث الأمم المتحدة للسودان تطورات الأزمة    روبيو: النظام العالمي لن يكون فوق مصالح شعوبنا    توروب: هدفنا الفوز على الجيش الملكي رغم ضمان التأهل    مبابي وفينيسيوس على رأس قائمة ريال مدريد لمباراة سوسيداد    رسميا.. توتنهام يعين إيجور تودور مديرا فنيا حتى نهاية الموسم    حملات بيطرية على الأسواق ومحلات الجزارة بأسوان استعدادا لرمضان    إصابة مزارع بطلق نارى لخلافات على الميراث بقنا    دراسة: معبد الكرنك نموذج لرصد الحركة الكونية وتنظيم الطقوس    كيف يؤثر نقص عنصر غذائي واحد أثناء الحمل على صحة الأم والجنين؟    الأونروا: جمع 5000 طن من النفايات الصلبة في قطاع غزة    «الداخلية» تطلق منصة وطنية للتحقق البايومتري والمصادقة اللحظية    وزير الخارجية: مصر تولي أولوية خاصة لدعم التكامل القاري وتعزيز التعاون مع التجمعات الاقتصادية الإقليمية    بتوجيهات رئاسية.. تعديلات على التعريفات الجمركية لمساندة الصناعة وتشجيع الاستثمار    انطلاق مباراة حرس الحدود وزد في ربع نهائي كأس مصر    غلق مسجد وتحويله لثلاجة بطاطس بالمنوفية يثير الجدل    مجلس أمناء جامعة بنها الأهلية يوافق على اعتماد الخطة الإستراتيجية    مصرع شاب بطعنات نافذة في مشاجرة بكفر الشيخ    البنية التحتية.. هدف استراتيجي لهجمات موسكو وكييف المتبادلة    دراما رمضان .... الرسالة حاضرة    حين يتحول الخلاف إلى معركة.. هل تؤثر السوشيال ميديا على العلاقة بين الرجل والمرأة؟‬    التفاصيل الكاملة ل سيرة النقشبندي قبل عرضه على "الوثائقية" في الذكرى ال50    روبوتات ذكية لخدمة المشاركين بمسابقة الملك سلمان المحلية لحفظ القرآن الكريم    لمواجهة أي عدوان.. توجه أوروبي لتعزيز القدرات العسكرية| تفاصيل    كيف تنجح هيئة الرعاية الصحية في إنقاذ المصابين ب "تعفن الدم"؟    البحث عن جثمان طفل 8 سنوات غرق في العلمين أمس الجمعة    «سيدات يد الأهلي» يواجه البنك الأهلي في الدوري    "الصحة الفلسطينية": ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 72 ألفا و51 شهيدا    محافظا القاهرة والقليوبية يقودان حملة موسعة بالمرج لتطوير المواقف    روشتة ذهبية للتعامل مع العاصفة الترابية.. العدوّ الخفي للجهاز التنفسي    تعرف على مباريات الجولة الثالثة بالدور قبل النهائي لدوري السوبر الممتاز للكرة الطائرة    برنامج الصحافة على إكسترا نيوز يستعرض عدد اليوم السابع عن دراما المتحدة    محافظ أسيوط يهنئ نادي منفلوط الرياضي بصعوده رسميًا لدوري القسم الثالث    تجديد حبس مالك محل سوبر ماركت بتهمة قتل سائق توك توك في المنيرة    لجنة إدارة غزة: تسلّم المؤسسات محطة مفصلية.. ونشترط صلاحيات مدنية وأمنية كاملة    موعد استطلاع هلال شهر رمضان 2026 وإعلان أول أيامه رسميا في مصر    دراسة: التغذية الصحيحة قبل الرياضة تعزز النتائج وتحمي من الإرهاق    انتظام عملية التصويت في انتخابات الإعادة للنقابات الفرعية للمحامين    وفاة إبراهيم الدميري وزير النقل الأسبق    طقس الشرقية اليوم السبت: حار نهارا مائل للبرودة ليلًا.. والمحافظ يرفع درجة الاستعداد القصوى    زيارة كنسية ألمانية لأسقف الكنيسة اللوثرية في الأردن والأراضي المقدسة    «إثبات نسب» يعيد درة للحجاب على الشاشة    «العمل»: 300 وظيفة للشباب بإحدى شركات تأمينات الحياة.. تعرف على الشروط    نجم الزمالك السابق: الأبيض قادر على تحقيق الفوز أمام كايزر تشيفز    مواقيت الصلاه اليوم السبت 14فبراير 2026 فى المنيا    4 دول تعلن موعد أول أيام رمضان 2026| الأربعاء أم الخميس؟    دارين حمزة: أدوار الشر سر نجاحي بمصر.. وانتظروا «سارة» في «الكينج»| حوار    الإدمان الرقمي.. المواجهة والعلاج    هل طلاق الحامل صحيح؟.. الإفتاء تُجيب    ميشيل يوه تتوج بالدب الذهبي: السينما فوق كل شيء    تحت شعار "الحرب أو السلام".. ترامب يدعم أوربان قبل انتخابات مصيرية فى المجر    كسر بالأنف واشتباه كسر بالفك.. تفاصيل التقرير الطبي لشاب واقعة «بدلة الرقص»    علماء الدين والاقتصاد والتغذية يدقون ناقوس الخطر: الاعتدال طريق النجاة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بعد عشر سنوات من حكم المتطرفين تحريم الاداب و الفلسفة

كوميديا سوداء تستشرف أن التشدد الدينى يمكن أن يقودنا نحو «دولة حبلى بالتطرف».. دولة تعيد لنا تصدير النموذج «الطالبانى».

فالحاكم «المرتقب» - بحسب رواية الأديب والكاتب الصحفى «مصطفى بيومى» «أمير المؤمنين» التى ننشر فصولها تباعا - يعيش داخل حقبة زمنية مغايرة، لما يجب أن تكون عليه «مصر الثورة».

تراوده أفكار «جاهلية المجتمع» عن نفسه.. يرى النساء عورة.. والفن نكسة.. والنحت عودة لعبادة الأصنام!

الرواية تحمل بين صفحاتها رؤية لما يمكن أن تكون عليه الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إذا ما وصل «المتأسلمون» لسدة الحكم، إذ ستبدو الصورة فى مجملها محملة بالاضطرابات والنكبات.

وهى بطبيعة الحال تمثل أرضا خصبة لنمو «النظرات النقدية الساخرة»، الراصدة للمفارقات والأزمات.. والتى تتناول بذكاء تفاصيل المشهد السياسى «المحتمل حدوثه» إذا ما آلت الأمور لهذا التيار «المتطرف»، الذى يرى فى المجتمع «الحديث» ردة.. وآليات التقدم ابتلاء من السماء.. فهل اقتربنا من هذه اللحظة حقا؟!

لنقرأ.. ونرى إذًا.



بعد أسابيع من صعوده إلى مقعد الرئاسة، قبل عشر سنوات، وتحديدا فى صيف العام 2102، تغيرت مصر جذريا الذى غاب عنها عاما واحدا، وقدر له أن يعود، كان يجد صعوبة لا يستهان بها حتى يكتشف أن هذا هو الوطن الذى ولد فيه وعاش.


توالت القرارات المثيرة للرئيس الجديد، الذى أطلق عليه أتباعه ومريدوه لقب أمير المؤمنين، وبقدر ما واجه الأمير ورجاله مقاومة واحتجاجا شعبيا واسعا فى الأسابيع الأولى، بقدر ما كان التراجع التدريجى عن المظاهرات والاعتصامات سريعا. بعض المذابح العفوية السريعة، هنا وهناك، والتى لم يتجاوز عدد ضحاياها خمسين ألفا، أثرت على حماس المعارضين، وسيطر الصمت والاستسلام بعد إعلان فضيلة الشيخ اللواء وزير الداخلية، أن بناء المزيد من السجون والمعتقلات ليس مشكلة، وأن أمير المؤمنين يحتفظ فى درج مكتبه بفتوى تبيح له أن يقتل ثلث الشعب، حتى يحيا الثلثان فى أمان واستقرار، وينعم الطيبون من الناس بالكرامة والعزة وخيرات حكم الشريعة.


كان القرار الأول لأمير المؤمنين هو حل المجالس النيابية القائمة، ولم تستغرق الانتخابات الجديدة إلا عشرة أيام، وأسفرت عن فوز حزب أمير المؤمنين بالأغلبية الكاملة، وتعقيبا على ما رددته وسائل الإعلام الغربية والأمريكية عن التزوير الذى وصفته بأنه «ساذج وفاضح» وتشبيههم لحزب «حماة الشريعة» بأنه «طالبان مصر»، عقد أمين الحزب مؤتمرا صحفيا سريا نشرت تفاصيله حصريا فى صحيفة الحزب، ليعلن أنه مما يدعو إلى الفخر تشبيه حزبه المؤمن بالحركة المجاهدة، وسخر من الإعلام المنحل الذى ينشر الصور العارية لإثارة الغرائز، ولا يريد الخير للإسلام والمسلمين.


أمير المؤمنين هو الحكومة والحزب ومجلس شورى العلماء الاسم الجديد البديل لما كان يسمى فى زمن الجاهلية بمجلسى الشعب والشورى وقد التزم الرئيس الصادق، الذى لم يكذب يوما، بكل ما جاء فى برنامجه الانتخابى، ولم تكن بعض التعديلات البسيطة إلا تعبيرا عن المستجدات والمتغيرات التى طرأت بعد انتخابه، ومحاولة ضرورية لمقاومة المؤامرات التى لم تتوقف لتعطيل المسيرة الظافرة، لكى يحيا الناس كراما.


شهدت البلاد علاجا سحريا لأزمة المواصلات والازدحام المرورى التقليدى، والفضل يعود إلى القرار الحكيم بمنع النساء من مغادرة بيوتهن لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد انتهى التكدس فى المدارس، وتم إلغاء نظام الفترتين، تحولت البطالة إلى ذكرى، بل إن بعض المؤسسات والمصالح بدأت فى الشكوى من نقص العمالة، وبخاصة فى المجالات التى كانت محتكرة للنساء مثل هيئات التمريض.


أزمة الإسكان أيضا لم يعد لها وجود، فبعد هجرة أكثر من خمسة ملايين مصرى، معظمهم من المسيحيين، صدر قرار أمير المؤمنين بالاستيلاء على ممتلكاتهم ومساكنهم، وعادت لافتة «للإيجار» بكثافة، كما أن شركة المقاولات العملاقة التى يملكها أكبر أبناء أمير المؤمنين، مشاركة مع عمه المقيم فى أستراليا، وزوج عمته الذى يحمل الجنسية الكندية، بدأت نشاطا محموما فى البناء والتشييد، كل المسارح ودور السينما والملاعب الرياضية، لم تعد إلا مساحات من الأرض الفضاء، وأغلبها فى مناطق مميزة لم يعد الاحتياج إليها قائما بعد شهر واحد من ولاية أمير المؤمنين، فقد صدَّق على قرار مجلس شورى العلماء بتحريم الفن واللهو.



استقر الأمن تماما، فبعد قطع أيدى عدة آلاف من صغار اللصوص والنشالين والموظفين، الذين لا تتجاوز تسعيرة رشوتهم مائة جنيه، كان المواطن قادرا على ترك حقيبته فى ميدان أسامة بن لادن، التحرير سابقا، دون خوف.


اتسع وقت الناس للعبادة والتأمل، فلم يعد فى مصر إلا صحيفة يومية واحدة، يقول السفهاء من أدعياء العلم إنها فقيرة مهنيا، تنشر توجيهات وتحركات أمير المؤمنين، ومقالات ودراسات فضيلة الشيخ رئيس مجلس شورى العلماء، وتناقش القضايا المصيرية التى أهملها الحكام العلمانيون عمدا خلال أكثر من مائتى عام، ومن ذلك - على سبيل المثال - مسألة إرضاع الكبير، والأدلة الشرعية على بطلان قيادة المرأة للسيارة، والأسانيد التاريخية التى تثبت أن استعادة الأندلس من أيدى الفرنجة واجب شرعى مقدم على تحرير فلسطين.


لا وجود للاكتئاب والقلق والتوتر فى ظل الحكم الرشيد لأمير المؤمنين، فبعد إجماع العلماء الثقاة على التأثير الكارثى غير الأخلاقى للبرامج الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعى، تم اختزال القنوات التليفزيونية المصرية فى قناة واحدة، وتبرع أهل الخير لشراء أجهزة عصرية متقدمة، أباح العلماء استيرادها من الغرب الكافر لأن الضرورات تبيح المحظورات، ونجحت فى التشويش على البث الوافد من خارج الحدود، وبذلت أجهزة الأمن الشرعى جهودا مضنية فى تعقب الزنادقة الفجار المتعاملين مع الشبكة العنكبوتية الشيطانية، وبذلك تخلص الناس من الاكتئاب والحيرة وداء التفكير الذى يقود إلى التكفير، وعاشوا كراما فى سعادة وبلهنية، كما وعد أمير المؤمنين فى برنامجه الانتخابى القناة التليفزيونية الوحيدة لا يشاهدها أحد تقريبا، وهى لا تذيع إلا برامج رصينة عاقلة يقدمها الصفوة من كبار العلماء، ويقتصر الجانب الترفيهى فيها على خمس دقائق عند منتصف الليل، مخصصة لإذاعة بعض التواشيح، وهى الفقرة التى شهد إقرارها مناقشات صاخبة فى مجلس شورى العلماء، وانتهى الأمر برفع القضية إلى أمير المؤمنين الذى أظهر تسامحا مثيرا للإعجاب، ووافق على إذاعة التواشيح، مع تخفيض الفترة المقترحة من نصف ساعة إلى خمس دقائق.




التشكيل الوزارى الأول كان مثالا رائعا لفلسفة التوفير والتقشف، ففضيلة الشيخ رئيس الوزراء يقود مجلسا لا يضم إلا خمسة أعضاء : أولهم للداخلية والأمن، وثانيهم لبيت المال، والثالث لشئون تطبيق الشريعة، والرابع للتعليم والصحة والإسكان والتموين والزراعة والصناعة والتعدين وشباب الدعوة، أما الخامس فيتولى شئون العلاقات الدولية. تقلصت السفارات المصرية فى الخارج إلى عشر سفارات، وضاقت معظم الدول بالضوابط الشرعية التى وضعتها الحكومة لعمل البعثات الدبلوماسية، فقطعت العلاقات مع مصر تجنبا لوجع الدماغ.


تغيرت خريطة التعليم الجامعى جذريا، وبعد اجتماعات موسعة مكثفة استقر أهل العلم على أنه لا ضرر فى بقاء كليات الطب والهندسة والعلوم والتجارة والطب البيطرى والزراعة، شريطة أن يتخذ كل عميد مستشارا له من علماء الشريعة لمراجعة المقررات وحذف ما تحيطه الشبهات. استمرت كلية الحقوق مع إضافة كلمة «الشرعية» ليصير الاسم الجديد : «الحقوق الشرعية»، على أن تقتصر مناهج الدراسة فيها على ما يتناسب مع الثقافة الإسلامية. ألغيت الكليات الأخرى وسط حملة عاتية من التشهير بعلوم ومعارف الكفار، وألقى أمير المؤمنين خطابا تاريخيا فى جامعة أيمن الظواهرى، القاهرة وفؤاد الأول سابقا، قال فيه إنه لا يفهم معنى للتمسك ببث القيم الجاهلية تحت مسمى كليات الآداب والفنون الجميلة والألسن والإعلام والتربية الرياضية والآثار والسياحة والفنادق.
فى الخطاب نفسه، شدد أمير المؤمنين على أن إطلاق اللحية وإعفاء الشارب ضرورة لا غنى عنها لكل من يعمل موظفا عاما فى الحكومة الإسلامية ولا يُستثنى من هذا ضباط الجيش والشرطة، وأكد أن المتاجر التى تبيع الملابس ملزمة بتجنب عرض التماثيل والأصنام، وأنه لا جدوى من وجود الفاترينة التى تثير الفتنة وتستهلك الكثير من الكهرباء.


انقطعت السياحة الخارجية بشكل كامل، لكن الحركة السياحية لم تتأثر بالمقاطعة التى استندت على أسباب واهية، مثل تدمير الآثار الوثنية ومنع الاختلاط فى الأفواج وإلزام السائحات بارتداء الثياب المحتشمة. شرع أمير المؤمنين فى تنفيذ ما وعد به فى البرنامج الانتخابى من تشجيع السياحة الداخلية، وأشرف بنفسه على تنفيذ خطة طموحة لتنظيم رحلات مدرسية، يقوم فيها طلاب الأقاليم بزيارة القاهرة، وطلاب القاهرة بزيارة الأقاليم. حقق المشروع نجاحا مدويا، وامتلأت الفنادق الخاوية بالطلاب ومدرسيهم مقابل أجر رمزى، وبلغت الإيرادات فى العام الأول أكثر من مائة ألف جنيه، بانخفاض طفيف عن الرقم الذى وعد به أمير المؤمنين، وكان عشرين مليار دولار.


تعرض الإنتاج الصناعى لتراجع كبير، والجانب الأكبر فى الأزمة يعود إلى المؤامرات الخارجية، لكن أعداء الإسلام والمسلمين ركزوا فى تحليلاتهم الثعبانية المغرضة على عوامل أخرى ثانوية، مثل إغلاق البنوك والبورصة لأنها تقوم على معاملات ربوية، والقرار الحكيم الذى أصدره مجلس شورى العلماء، وينص على ضرورة أن يجتاز المستثمر، وطنيا كان أم أجنبيا، مسلما أم غير مسلم، امتحانا فى العلوم الشرعية، لا يحصل على ترخيص للعمل إلا بعد النجاح فيه.


انسحب المستثمرون الأجانب والعرب، مدللين بذلك على ضعف ثقافتهم الدينية، وتقلص عدد المستثمرين المصريين إلى عدة عشرات، ركزوا جميعا على منافسة الغزو الصينى، فتحققت طفرة فى إنتاج الجلابيب البيضاء وسجادات الصلاة والأكواب الملونة، واعترض مجلس شورى العلماء بالإجماع على إنشاء مصانع لإنتاج فوانيس رمضان، من منطلق أنها بدعة فاطمية شيعية، أما مصانع المياه الغازية فقد ثارت شبهات حول استخدامها للكحول فى إنتاجها، ورؤى الأخذ بالأحوط وتحريم زجاجتها المشبوهة، اكتفاء بزيادة إنتاج السحلب، بعد منافسة حامية مع الحلبة، والترويج له كمشروب شرعى معتمد، ليس لأن أمير المؤمنين من عشاقه، بل لأنه المشروب الحلال المفيد الصحى.


مع تحريم إنتاج واستيراد السجائر والبن، شهدت السوق السوداء نشاطا ملموسا، تغاضت عنه وزارة الداخلية لأسباب مجهولة، وقيل فى تفسير ذلك أن شقيق زوجة الشيخ اللواء الوزير، وهى فنانة معتزلة صارخة الجمال، هو من يدير التجارة ويربح من ورائها الملايين. وصل سعر علبة السجائر إلى ما يتراوح بين مائة ومائة وخمسين جنيها، أما كيلو البن العادى فلا يقل ثمنه عن خمسمائة جنيه.




شهد مجلس شورى العلماء مبارزة علمية رفيعة المستوى قبل صدور قانون التحريم، فالاتفاق كان بالإجماع حول السجائر، والانقسام كان واضحا عند التطرق إلى مسألة البن، ولم يُحسم الأمر إلا بتقديم الشيخ الميفانى دراسة مطولة فى سبعمائة وخمسين صفحة، فند فيها آراء كل من يقول بجواز شرب القهوة، مضبوطة كانت أم سكر زيادة.


رفض أمير المؤمنين مشروع قانون يجرم تأليف ونشر وبيع واقتناء الكتب الخليعة والإباحية والمثيرة للجدل، والتى من شأنها التشيكك فى ثوابت الأمة وعلمائها، وكان البديل الذى تبناه هو فرض الرقابة الصارمة، وتكليف جماعة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لمداهمة المكتبات ومصادرة غير الشرعى مما يعرضونه، مع تفويض قائد كل فرقة بتحديد المخالف للشرع، حتى لا يتحول الأمر إلى فوضى. وهكذا اختفت مؤلفات طه حسين ومحمد حسين هيكل وسلامة موسى وتوفيق الحكيم ويحيى حقى ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وخالد محمد خالد وفؤاد زكريا وحسين أحمد أمين وصنع الله إبراهيم وبهاء طاهر وصلاح عبدالصبور وفتحى غانم وإبراهيم أصلان وخيرى شلبى، وعدة مئات من الزنادقة متهافتى العقيدة.


وتشكلت لجنة عليا لمراجعة الموجود فى دار الكتب والمكتبات العامة، وأوصت اللجنة بعد عدة اجتماعات بإغلاق المكتبات سنة قابلة للتجديد، لأن الأمر من الصعوبة بحيث لا يمكن حسمه فى مدة أقل.


وقد حوكم واحد ممن يسمون أنفسهم بالمثقفين، وهو حاصل على الدكتوراه من جامعة أفرنجية تسمى بالسوربون، بعد أن ضبطه رجال الأمر بالمعروف متلبسا بتصوير كتاب مريب يحمل عنوان «طبائع الاستبداد» لشخص اسمه عبدالرحمن الكواكبى، وأصدرت المحكمة حكمها العادل الرادع بجلد الدكتور المثقف مائتين وعشرين جلدة، بعدد صفحات الكتاب، كما قررت إغلاق المكتبة وحبس صاحبها ثلاث سنوات بتهمة نشر الزندقة، وغرمته خمسة آلاف جنيه بعد العثور على كشاكيل تحمل صورا خليعة للاعب كرة أفرنجى اسمه ميسى، يظهر فيها المستهتر اللعين وهو يرتدى «شورتا» غير شرعى.


تغيرت مصر بحيث لا يمكن لمن غادرها، قبل عام واحد من الطفرة المباركة، أن يعرفها. النيل يعيش فى وحدة قاتلة، بعد انقراض ظاهرة الحب الجاهلية، والأعياد الكثيرة التى كان ينتظرها الموظفون والطلبة، للحصول على إجازات، لم يعد لها وجود، لا شىء اسمه مولد النبى أو شم النسيم أو عيد الأم أو رأس السنة، ميلادية كانت أم هجرية، وغير ذلك من البدع التى شاعت واستقرت وفتنت الناس، وأفسدت دينهم ودنياهم.


المصريون الآن ينامون قرب العاشرة، والعالم كله يشيد بالتحسن البيئى الرائع بعد إغلاق القهاوى والملاهى، وتحريم شرب الشيشة وبيع المعسل، أما شواطئ الإسكندرية والساحل الشمالى وشرم الشيخ والبحر الأحمر، فلا وجود لها إلا فى الصور القديمة التى يتداولها بعض المقامرين سرا. وقد تعرض أصحاب ستوديوهات التصوير الفوتوغرافى لضربة قاصمة، بعد صدور القانون الذى يمنع إقامة الأفراح ذات الضجيج الموسيقى المحرم. لا يتحمس العرسان الجدد لالتقاط صور تظهر فيها العروس وهى ترتدى النقاب، فلا يستطيع الزوج نفسه أن يميزها إذا ما عُلقت صورة زفافهما فى غرفة الصالون.


المسيحيون يحظون بحرية كاملة فى ممارسة شعائرهم الدينية داخل الكنائس والبيوت، وقلة قليلة منهم، قيل فى صحيفة الحزب الحاكم أنهم عملاء أقباط المهجر، احتجوا على الضوابط البسيطة التى فرضها مجلس شورى العلماء، بموافقة ومباركة أمير المؤمنين، مثل فرض الحجاب على النساء المسيحيات عند توجههن إلى الكنائس يوم الأحد للصلاة، وإلزامهن بارتداء ملابس محتشمة، وحظر تسمية أبناء النصارى ببعض الأسماء المثيرة للفتنة، مثل مينا ودانيال وبطرس وجورج ومايكل وحنا وعبدالمسيح ووليم ولويس، ونحو مائة اسم آخر. أما عن حق العمل فهو مكفول بلا قيود تقريبا فهم يعملون فى معظم الوظائف والمهن، باستثناء المجالات الحساسة مثل الطب والصيدلة والقضاء والمحاماة والتدريس والمطاعم، فضلا عن إعفائهم من مشقة الخدمة فى الجيش والشرطة، لأن أداء الجزية ينجو بهم من الحرج الذى قد يتعرضون له عند خوض الحروب ضد دول تدين بالمسيحية، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وإسبانيا وإيطاليا وهولندا وألمانيا.


قال أمير المؤمنين فى حديث تليفزيونى قصير، استغرق أقل من خمس ساعات، إن بناء كنائس جديدة ليس واردا، فالموجود يكفى ويفيض.


أما ترميم الكنائس القديمة فقد يثير الفتن الطائفية ويجرح مشاعر المسلمين، ولذلك تقرر ألا تُرمم كنيسة، وإذا انهارت لا تُقام على أرضها كنيسة جديدة. وقال أمير المؤمنين فى خطابه التاريخى، الذى أعادته القناة التليفزيونية الوحيدة أكثر من عشرين مرة، إن توقيع عقوبة الجلد على إحدى المسيحيات لا ينهض دليلا على التعصب أو الاضطهاد، فقد كانت متجهة إلى الكنيسة بلا غطاء رأس، وكان عطرها زاعقا فاقعا يفجر الشهوة، وبخاصة أنها بيضاء جميلة زرقاء العينين صفراء الشعر.
رسوم: احمد رزق


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.