حقوق الإنسان بالنواب تناقش مشكلات العنف الأسري وعمالة الأطفال    طلاب جامعة القاهرة يشاركون الهلال الأحمر في إعداد قافلة "زاد العزة "لمساعدة أهالي غزة    مدبولي ل رئيس مجموعة البنك الدولي: مصر تجاوزت مختلف التحديات منذ 2011    أسواق المنيا، أسعار السمك اليوم الثلاثاء 3 مارس 2026    وزيرة التضامن تواصل لقاء أعضاء مجلس النواب، وتوجه بسرعة التعامل مع طلبات دوائرهم    مدبولي يشيد بالدعم المقدم من البنك الدولي لتحقيق الإصلاح الاقتصادي والهيكلي    كندا تغلق سفارتها في السعودية    ترامب: العلاقة بين واشنطن ولندن لم تعد كما كانت    مواعيد مباريات الجولة ال21 والأخيرة بالمرحلة الأولى من الدوري المصري    مدرب منتخب مصر للكرة النسائية: مكاسب عديدة من وديتي الجزائر رغم الخسارة    خالد جلال مديرًا فنيًا للنادي الإسماعيلي    حبس عامل بتهمة هتك عرض طفل أعلى سطح عقار في كرداسة    أسعار الذهب في مصر اليوم الثلاثاء 3 مارس 2026    التنمية المحلية: 112 ألف مواطن استفادوا من أنشطة "وحدة السكان" خلال شهر فبراير    وزير الخارجية يبحث مع نظيريه من بلغاريا والجبل الأسود التصعيد فى المنطقة    إير فرانس: تعليق الرحلات من وإلى إسرائيل وبيروت ودبى والرياض حتى 5 مارس    إصابة 13 شخصا إثر حادث تصادم سيارة نقل بميكروباص على طريق بلبيس العاشر    طقس اليوم الثلاثاء.. الأرصاد تعلن بدء تحسن الأحوال الجوية    أخبار فاتتك وأنت نائم| حريق في السفارة الأمريكية..خناقة حريمي.. شظايا وسط إسرائيل    محافظ الوادي الجديد: اتخاذ خطوات تنفيذية لوضع حجر الأساس لأول جامعة تكنولوجية بمركز بلاط    ألفت إمام: زواجي كزوجة ثانية لم يكن تنازلًا بالإجبار.. اخترت رجلًا ناضجًا    حد أقصى حلقة 13، رسالة خاصة من صناع العمل للفتيات بعد مشهد ابتزاز صابرين    "الست موناليزا" تكتسح تريند جوجل... حلقة 12 تقلب الموازين ومي عمر تتوهج في رمضان 2026    قصور الثقافة تشارك في معرض فيصل للكتاب بأكثر من 200 عنوان وفعاليات فنية وأنشطة للأطفال    ليلة طرب في الشيخ زايد.. محمد عدوية يحيي سهرة رمضانية ويُشعل الأجواء بأغانيه وأعمال والده الأسطورة    الكينج يشعل محركات البحث.. الحلقة 13 تقلب الموازين وتحلق بمحمد إمام إلى صدارة تريند جوجل    الأسباب الأكثر شيوعا للدوار    وفاة طفلة وإصابة 4 آخرين بتسمم غذائي في الوادي الجديد    محافظ المنوفية يجري زيارة مفاجئة لمستشفى الحميات بشبين الكوم    بروتوكول تعاون بين جامعة الأزهر ومديرية الصحة بمطروح لتطوير الخدمات الطبية    عميد طب جامعة طنطا يتفقد مستشفى سرطان الأطفال الجامعي    30 دقيقة تأخر في حركة القطارات على خط «القاهرة - الإسكندرية».. الثلاثاء 3 مارس 2026    كردون أمني حول قرية طوخ الخيل بالمنيا بعد مقتل شاب في مشاجرة عائلية    بينهم مصر| الخارجية الأمريكية تدعو رعاياها لمغادرة أكثر من 12 دولة    تفاصيل الهجوم على السفارة الأمريكية في الرياض    الحرس الثوري: عدد قتلى وجرحى العسكريين الأمريكيين بلغ 650    مجلس الزمالك يقرر منح ممدوح عباس الرئاسة الشرفية للنادي    تقدم في مفاوضات تجديد عقد فلاهوفيتش مع يوفنتوس    ننشر حركة تنقلات رؤساء الأحياء في بورسعيد    قبل أن تنفجر العبوة.. انفجرت القيادة في «رأس الأفعى»    رئيس الوفد يشكل لجنة لتحويل الصحيفة والبوابة إلى مؤسسة متكاملة    صدام الأختين.. مواجهة نارية بين سينتيا خليفة وياسمين عبد العزيز في "وننسى اللي كان"    وفاة ماجد حسنى رئيس مجلس إدارة شركة دير جيست والنجوم ينعونه    خسوف كلي للقمر تزامنًا مع بدر رمضان.. تعرف على المدة وكيفية أداء الصلاة    دعاء الليلة الثالثة عشر من شهر رمضان.. نفحات إيمانية وبداية رحمة ومغفرة    أحمد موسى: ليس لدينا أزمة في أي سلعة.. ونحمد ربنا على النعم اللي إحنا فيها الأمن والأمان لا يُقدر بمال    ترامب: الديمقراطيون سينتقدون حتى لو لم نهاجم إيران    تعرف على نتائج اليوم الثانى من دورة المتحدة الرمضانية    أودينيزي يشعل صراع البقاء في إيطاليا بالفوز على فيورنتينا    هشام نصر: تصدر الزمالك ثمرة دعم الجماهير.. وتصعيد 7 ناشئين دليل على قوة النادى    نجوم دولة التلاوة يواصلون إحياء الليلة ال13 من رمضان بتلاوات ندية    رمضان.. مرآةُ النفسِ والوجدان    الأمن العام الأردنى ينفى مقتل مصرى ب«شظايا إيرانية»: عيار نارى وراء الحادث    باحث بجامعة بني سويف يشارك في تطوير أصعب اختبارات الذكاء الاصطناعي عالميًا    بعد مشهد الابتزاز الإلكترونى بمسلسل حد أقصى.. اعرف كيفية التصرف الصحيح    بدون حرمان من الحلويات في رمضان، نظام منخفض السكر لتقليل ارتفاع الأنسولين    برلمانية: اتفاقيات مشروع السكة الحديد العاشر من رمضان تدعم الصناعة وتعزز منظومة النقل الذكي    مدبولي: توجيهات رئاسية باستمرار تطوير منظومة التعليم العالي والبحث العلمي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مين يشتري الورد مني؟!
نشر في صباح الخير يوم 06 - 04 - 2010


«يا حبيبي.. كان زمان
طلعة الورد بأوان»
... لا أدري سر الطرب والشجن الذي يبعثه في نفسي هذا المطلع من الأغنية التي يشدو بها محمد الحلو.
ربما لأنها تصل بيننا وبين تراث غنائي حافل بأغنيات تحتفي بالورد، وتشتهي الفل، وتزدهر بالياسمين.
ربما لأنها أغنية وحيدة للورد في أغنيات هذه الأيام التي لم تعد تقترب من الورد ولا تحفل به!.. وربما لأنني أتمني لو كنت مكان الشاعر صاحب الأغنية فأقول: «يا حبيبي.. لك زمان.. طلعة الورد بأوان»؟!
لأن تعبير «لك زمان» فيه من معني الغياب شجن أكثر وفيه من الصبر والتصبر علي غياب الحبيب معان حيث التعلل بأن لكل شيء أواناً، فطلة الحبيب كطلعة الورد لها موعد وانتظار. ... «كان زمان» بما تحمله من أسي، و«لك زمان» بما تحمله من عتاب ولوعة، كانتا السبب الذي دفعني للسؤال عن أوان الورد وحكاياته!
زهرة اللوتس:
وعلي الرغم من أن الأزهار لا تعمر طويلاً في الصيف لشدة حرارة الجو، وسفر معظم مستهلكي الزهور للمصايف إلا أن فصل الصيف هو أوان الورد، فمن شهر مارس إلي شهر يوليو يزدهر الورد، أما الموسم الشتوي فهو الذي يبدأ من شهر نوفمبر وفيه ترتفع أسعار الورد لأن الشتاء القارس يؤثر عادة علي نمو الأزهار وتفتحها فتقل ويزداد الطلب عليها.
والفراعنة أول من قدس الزهور خصوصاً زهرة اللوتس ويرجع ذلك إلي نهر النيل وهو يأتي كل عام بفيض جديد من الماء حاملاً معه الخير والحياة لنباتات الأرض، ونباتات اللوتس تنمو وتزهر مع فيضانه كل عام ثم تذوي وتموت في نهايته ثم تعود مرة أخري إلي حياتها الأولي مع كل فيضان جديد، تعود بأمر «أوزوريس» الذي جعله الفراعنة إله الزرع، ولذا قدس الفراعنة زهرة اللوتس وجعلوها في أسمي مكان إذ علت تيجان ملوكهم واستخدمت رمزاً للوجه البحري ونقشت علي آثارهم وزينت معابدهم.
واستخدم الفراعنة سعف النخيل وأزهار الخشخاش واللوتس والرمان والزيتون والبردي، وكانت زهرياتهم من المرمر أو الرخام أو الجرانيت، وكانوا أول من اهتم بتقديم الزهور في المناسبات الاجتماعية والعائلية والدينية وخاصة في عيد شم النسيم.
أقدم أغنية فرعونية للورد:
ومن أجمل ما ذكر عن مناجاة الأزهار في الأدب الفرعوني القديم قصيدة: «الأغاني المفرحة» وهي ترد علي لسان عذراء تنظر إلي أزهار الحديقة، وربما كانت تنسق منها تاجاً، وفي كل زهرة كانت تفكر بحبيبها فتقول:
يا أزهار مخمخ: إنك تجعلين القلب منشرحاً وإني أفعل لك ما يحبه القلب عندما أكون بين ذراعيك.
إن جل ما ألتمس هو الكحل لعيني، ومشاهدتي لك نور لعيني، إني أعشش بقربك لأني أري حبك أنت يا أيها الرجل الذي أتوق شوقاً إليه ما ألذ ساعتي! وليت ساعة واحدة تصير لي خالدة حينما أنام معك لأنك قد أنعشت قلبي.. عندما كان في الليل.
إنه يوجد فيها أزهار «سيمو»، والإنسان يشعر بأنه عظيم أمامها إني حبيبتك الأولي، وإني لك كجنينة قد غرست فيها الأزهار وكل أنواع العشب العطر.
ويري سليم حسن في كتابه «الأدب المصري القديم» أن أغنيات مناجاة الزهور تبتدئ باسم زهرة، وكل أول بيت يحتوي علي كلمة فيها تورية باسم الزهرة، وهي عادة الكتاب المصريين في مناجاة الزهر في ذلك الوقت».
ولكن يبدو أن هذه العادة في مناجاة الزهر قد توارثها شعراء مصر وكتاب الأغاني المصرية علي مر العصور، ففي عصرنا الحديث نجد أغنية «لغة الزهور»- من كلمات محمود بيرم التونسي- والتي تغنت بها أم كلثوم، كما تغني بها الشيخ زكريا أحمد تبدأ أيضاً أبياتها باسم زهرة، وكل بيت يحتوي علي كلمة فيها تورية باسم زهرة.
طقطوقة لغة «الزهور» لبيرم التونسي
الورد جميل وله أوراق عليها دليل من الأشواق
إذا أهداه حبيب لحبيب يكون معناه وصاله قريب
شوف الزهور واتعلم بين الحبايب تعرف تتكلم
شوف واتعلم
والنرجس مال يمين وشمال علي الأغصان بتيه ودلال
عيونه تقول معانا عذول تعالي بعيد عن العذال
شوف الزهور واتعلم بين الحبايب تتكلم
شوف واتعلم
يا فل يا روح يا روح الروح من شم هواك عمره ما ينساك
لكل جميل تقول بلغاك حبيب مشتاق بيستناك
شوف الزهور واتعلم بين الحبايب تتكلم
شوف واتعلم
ومن الطريف أن الشيخ زكريا أحمد- من خلال تسجيلاته الصوتية- يضفي رؤيته علي غناء هذه الأغنية فيضيف إلي كلمات بيرم وهو يغني فيقول:
«شوف يا بني آدم واتعلم»!.
كما يضيف أيضاً «تعرف تتكلم» بدلاً من «تتكلم» فقط إلي لغة الزهور بينما تكتفي أم كلثوم بكلمات بيرم خالصة، والأغنية قد لحنها لها الشيخ زكريا أحمد.
وعلي هذا النهج في أغنيات الورد سارت الأغنية المصرية من مناجاة الزهور، والتورية بها، فنري ذلك في أغنية «يا ورد مين يشتريك» لمحمد عبدالوهاب، وأغنية «الزهور» لمحمد فوزي.
الوردة البيضاء:
ويعد الشاعر أحمد رامي هو أكثر شعراء الأغنية المصرية غزارة في الكتابة للورد، فقد كتب عدة أغنيات لأم كلثوم، وعبدالوهاب، ومنها أغنية «يا وردة الحب» وغناها عبدالوهاب في فيلمه الأول «الوردة البيضاء» والذي عرض في ديسمبر 1933.
وتكونت القصيدة من بيتين أودعهما رامي حيرته وسؤاله للورد فيقول:
يا وردة الحب الصافي تسلم إيدين اللي سقاكي
يا هل تري إيه انكتب للفؤاد شوك الضني ولا عبير الوداد
وفي قصيدة «ليلة الوداع» التي كتبها رامي وغناها عبدالوهاب أيضاً يقول الشاعر:
ليلة الوداع طال السهر وقال قلبي إيه الخبر؟!
قلت الحبايب هجروني
الوردة دي ريحتك فيها أحفظها تذكار لهواكي
بايديكي كنت قطفتيها والورد يحلي في ايديكي
ساعة الوداع قدمتيها بكيت وقالوا إيه الخبر؟!
قلت: الحبايب هجروني
ولأم كلثوم عدة أغان عن الورد كتبها رامي أيضاً وهي:
«ورد ياللي الندي صَبَّح عليك في السحر»،
وطقطوقة «الفل والياسمين والورد»، وطقطوقة «الزهر في الروض»، وأغنية «الورد فتح والياسمين».
فيقول رامي في أغنيته «ورد يا للي الندي»
مناجيا الورد وهو يُسر إليه بشكايته:
«يا ورد ياللي الندي صَبحَّ عليك في السحر
إحنا سوي في الهوي حاكم علينا القدر
فينا اللي حب وعمره ما قال من كتر خوفه علي حبه
يبات ليالي يناجي خيال وكان حبيبه قاعد جنبه!
وفينا يا ورد اللي تهني بحبيب قلبه
استني ونال اللي اتمني في نعيم حبه
واللي ضناه الزمان فرق ما بينه وبين حبيبه
وطال عليه الهوان مالقاش في دنيا الهوي نصيبه
يا ورد ياللي النسيم لاعبك في ظل الشجر
إحنا سوا في الهوي راضيين بحكم القدر
واللي انكتب لك علي ايدينا يا ورد مكتوب علينا
إن كنا في الحب سعدنا يا ورد وإلا انشقينا»
هل تذكرني؟
وللزهور حكايات وأساطير ولكل زهرة أسطورة عرفنا منها قصة زهرة البانسيه، وزهرة الأدونيس، وزهرة الليلاك، وزهرة النرجس.
وقصة زهرة «البانسيه» كما تقول الأسطورة: أن آدم عليه السلام لما علمه ربه الأسماء كلها طاف بالأزهار في الجنة ونادي علي كل زهرة باسمها، إلا زهرة وديعة لا تكاد العين تبصرها- وهي «البانسيه»- فنادت عليه لتسأله «هل تذكرني؟» وكان قد نسي اسمها فقال: ليكن اسمك «تذكرني» وترجمتها الفرنسية «بانسيه» ومازال هذا الاسم يطلق عليها حتي الآن.
بين إفروديت وكيوبيد:
أما زهرة الأدونيس فقد روي عنها: أن أدونيس كان ابناً لعلاقة غرامية نشأت بين «إفروديت» إلهة الماء و«كيوبيد» إله الحب مما أثار عليهما «مارس» إله الحرب- عند اليونان- فغضب «مارس» علي «أدونيس» فهرب إلي الغابات، ولما عادت «إفروديت» وبحثت عن ابنها وجدت المكان الذي سالت فوقه الدماء، وقد نمت فيه بعض نباتات صغيرة أزهارها حمراء قانية فأطلقت عليه اسم ابنها «أدونيس».
لون البراءة:
أما قصة «الليلاك» كما رويت فهي تقول أن أحد أمراء الإنجليز أحب فتاة من عائلة تهتم بالتقاليد الدينية وأحبته الفتاة وأسلمته نفسها بعد أن اطمأنت إلي وعده بالزواج لكنه حنث بوعده، فأضربت عن الطعام حتي توفيت، وزرعت صديقاتها زهوراً حول قبرها فلما عادوا إلي زيارتها وجدن الزهور وقد تغيرت من اللون الأزرق إلي اللون الأبيض، ومنذ ذلك الحين اعتبرت أزهار الليلاك رمزاً لفسخ الخطبة والحنث بالوعد رغم أنها كان ينبغي أن تكون أزهار البراءة!
زهرة الأحلام الضائعة!:
أما قصة «النرجس» فهي قصة فتي وسيم أحب صورته في الماء فمد ذراعيه ليعانقها فرأي خياله في الماء يمد ذراعيه إليه دون حصول ودون جدوي، فشعر باليأس وأخذ يندب حبه وحرمانه حتي قضي نحبه رغم أن الكثيرات من آلهة الماء والجبال كن يتعشقنه، وقد أصابهن الحزن لموته وعندما ذهبن لرؤيته ليلقين عليه النظرة الأخيرة وجدن مكانه علي الشاطئ زهرة شاحبة ترمق بعينها خيالها المنطبع علي صفحة الماء فأطلقن علي الزهرة اسم «نرسيس» لتكون ذكري للأحلام الضائعة ورمزاً للأنانية وحب الذات وخيبة الآمال في الحب- وقد وردت هذه القصص في كتاب:
«تنسيق الأزهار- فن- فلسفة- لغة» لحلمي إبراهيم، ومحمد فريد يسري وطبع الكتاب عام 1963.
ليه يا بنفسج؟!
أما البنفسج فقد صنع أسطورته الخاصة الشاعر محمود بيرم التونسي فنان الشعب.. وما كنا لندري ما البنفسج الساهي.. المحتشم.. وما كنا ندري كيف يبهج وهو زهر حزين؟! إلا عندما كتب بيرم أسطورته وكشف سره، وأذاعه بصوته صالح عبدالحي علي ألحان رياض السنباطي.
ليه يا بنفسج
يا ليلي يا ليلي يا عيني يا ليلي يا ليلي يا عين
ليه يا بنفسج بتبهج وأنت زهر حزين؟
والعين تتابعك وطبعك محتشم ورزين
ليه يا بنفسج بتبهج وأنت زهر حزين؟
ملفوف وزاهي يا ساهي
لم تبوح للعين
بكلمة منك كأنك سر بين اثنين
ليه يا بنفسج بتبهج وأنت زهر حزين؟ حسنك في كونك
بلونك تبهج المهموم
اللي يزوره سميره في الظلام مستور
ليه يا بنفسج بتبهج وأنت زهر حزين؟
حطوك خميلة جميلة فوق صدور الغيد
تسمع وتسرق يا أزرق همسة التنهيد!
ليه يا بنفسج بتبهج وأنت زهر حزين؟
والعين تتابعك وطبعك محتشم ورزين
اسمع وقوللي مين اللي قال معايا آه
بأقولها وحدي لوحدي والأسي هو
ليه يا بنفسج بتبهج وأنت زهر حزين؟
التمر حنة!
ومن هنا أصبح لكل زهرة دلالة، ولكل زهرة معني، فالزهرة بيضاء البرعم تعني أنها «لك أنت فقط»، وزهرة عباد الشمس الكبيرة تعني عبادة الحب، والزهرة الصغيرة منها تعني الدهشة أو الحيرة.
وزهرة «البيوتنيا» تعني «لا تيأس أبداً».
وزهرة «القرنفل الأحمر» تقول «وا أسفاه علي قلبي المسكين»، أما زهرة الأدونيس فتعني «ذكريات حزينة مؤلمة»، و«البانسيه»: تذكرني.. فاختر وردتك.. أما أنا فوردتي هي الأكثر شجناً.. إنها التمر حنة! واستمع معي لصوت فايزة أحمد وهي تشدو بصوتها الشجي فتقول:
يا تمر حنة
خليتي بينا وبعدت عنا يا تمر حنة!
الورد كله كله كسا الجناين
وإشمعني إنت اللي شاردة منا
يا تمر حنة.. يا تمر حنة
سألت عنك في كل ناحية
ماحد طمن قلبي عليكي
وقالوا ماتت
وقالوا صاحية!
وياما قالوا وعادوا فيكي
كنت شمعتنا
كنت نور بيتنا
كنت سامرنا وانفض سامرنا
الورد كله كسا الجناين
وإشمعني إنت اللي شاردة منا
يا تمر حنة!
الورد والخبز
وتقول الحكمة الصينية: «إذا كان لديك رغيفان من الخبز فبع أحدهما واشتر بثمنه باقة من الزهر فالخبز غذاء للجسم أما الزهر فغذاء للروح».
وتقول الحكمة الصينية أيضاً «إن النجوم شعر السماء، والأزهار شعر الأرض فإذا لم تتمكن من القريض فازرعه».
وهكذا وجدت نفسي أسير علي درب هذه الحكمة وأذهب لشراء وردة من بائع الورد «طارق أحمد»، كان «طارق» قد ابتكر فكرة جديدة لمحل ورده فهو أي المحل عبارة عن «مدخل عمارة» أي ما يحيط بها من جوار.. مدخل عمارة، لا يغلق أبداً.. لا يحرسه بالليل ولا بالنهار إلا حب الناس للجمال، فهو قد تخرج من معهد الخدمة الاجتماعية، ولكنه عشق العمل بزراعة الورد وبيعه فلديه مشتل في صفط اللبن ورثه عن والده الذي كان يعمل موظفاً، وفي آخر النهار يبيع الورد وخاصة في حي جاردن سيتي، نما حب الورد مع «طارق» ولذلك عندما تسأله عن الورد.. يقول: «الورد إحساس، زي ما بتدي الورد يديك، مية، سماد، نظافة، قص، ترويق، تديك كل شيء حلو كفاية تبص عليه، الحياة ليس لها طعم بدون الورد، الورد راحة بال، راحة نفسية، حب الورد مالوش تفسير، مش محتاج لكلام.. الورد بيعرفني بالناس.. بكل المستويات، الورد لا يعرف غني ولا فقير، ولا غفير ولا وزير، الناس كلها تحب الورد، صحيح أولويات الحياة تجعل الطبقة المتوسطة تشتري الورد في المناسبات، وصحيح الورد بقي عند بعض الطبقات الغنية «شيء بدون شيء»!
فسألته: كيف يصبح الورد شيئاً بدون شيء!
فقال ضاحكاً: أليس هناك مقولة: «شيء لزوم الشيء» يعني الورد لزوم الفرح مثلاً.. هناك ناس تشتري الوردة الغالية للمظهرية فقط وليس حُباً فيها، يعني تشتري ورد لا يمكن أن يعيش أكثر من شهرين لأنها تشتري الغالي مش عايزة اللي يعيش!
سألته: يعني فيه ورد حرام يُباع أو نشتريه؟
قال باسماً: طبعاً زرعة بخمسة آلاف جنيه حرام بص للي حواليك يا شاري، فيه ناس مش لاقية الجنيه.. وعاوز أقول إن فيه نخل للزينة يتراوح سعر النخلة من 5 آلاف جنيه إلي 35 ألف جنيه، وهناك أيضاً من يشتريها لمجرد الزينة والتفاخر وهنا يسأل الورد ذلك الشاري «من أين لك هذا؟!».. ما هي تركيبة الشاري بالضبط؟ صحيح ربنا سبحانه وتعالي يعطي الناس كلها، أنا لا أقول شيئاً ولكن الورد زينة والعقل زينة، الورد حِنَيِّنْ وقاضي.
سألته عن زهور الصيف فقال: إنها الورد البلدي، والفل، والياسمين البلدي.
سألته عن الزهور عاشقة الشمس والزهور عاشقة الظل.
فقال: «الجاردينيا والإنتريوم والعصفور» تعشق الظل، أما الورد البلدي والفل والياسمين البلدي، والإيزون، والسجادة، والفوشيا، فهي تحب الشمس، معظم الزهور تحب الشمس وتفتح في عز الحر.
وفيه وردة لما أعطشها تفتح أكثر، ولما أسقيها تنكمش علي نفسها! وفيه وردة قلة المية تطفيها، لكل وردة طبيعة ونظام، للورود أسرار!
عرفني الورد بالناس الحلوة، اللي بتفهم في الدنيا، بياع الورد يضع اللمسات الأخيرة في البيوت الأنيقة».
النبات يتحدث عن نفسه!
«الورد إحساس» كان هذا التعبير البليغ لطارق أحمد هو ما تردد في ذهني وأنا أبحث عن فن تنسيق الزهور، «الورد إحساس» هو التعبير الأدق الذي اختزل فن تنسيق الزهور كما تُعرَفه الكتب: «هو تعبير عن النفس البشرية، ترسله في تصوير إنتاجي لتعبر به عن أحاسيس ولترمز به إلي آمال أو رغاب أو تمنيات أو علي الأقل أحلام قد يصعب تحقيقها غير أن في إبرازها راحة للنفس ومتنفساً حياً ومبعثاً علي الرضا وتحقيقاً لقناعة روحية».
ومن أقدم المدارس الفنية في تنسيق الزهور المدرسة اليابانية وهي تتبني فلسفة قائمة علي المشاهدة، والتأمل والرمز، التأمل في الخطوط الثلاث: «السماء، والإنسان، والأرض»، أي مشاهدة ما في الطبيعة ومكوناتها والرمز بإبراز المعاني وارتباطها ببعض. وبهذا أخرج اليابانيون أجمل إيقاع فني لتنسيق الزهور، وعنهم أخذ الغرب، ويعتقد اليابانيون أن لكل زهرة ما تقوله من خلال شكلها وانحناءاتها، وأنه لابد من إيجاد فرصة لكل نبت ليتحدث فيها عن نفسه خلال التكوين أو التنسيق الزهري.
ومن أشهر أنظمة تنسيق الزهور نظام «ريكوا» وترجع هذه التسمية إلي الفيلسوف «بوذا» الذي كان يجلس في معبده ومن حوله جمهور مريديه ومحبيه وأمامهم حوض ماء به نباتات «البشنين»، وزهرية من الخزف أو الحجر علي حامل من الأبنوس، وكان ينسق هذه الزهرية وفقاً لما رآه في الطبيعة فيري أن النباتات الطويلة تنمو بجوارها نباتات قصيرة وتحنو عليها كصديقين عزيزين، وهنا ينبعث الجمال من أسفل إلي أعلي وينتهي بالسيادة من أعلي، وقد سمي هذا النظام باسم «ريكوا».
وقد تأثر الأمير الياباني «شوتوكو»- في القرن الخامس- بفلسفة «بوذا» فأوفد «أونو» إلي الصين سفيراً له، وعاد «أونو» فأقام في اليابان معبداً علي غرار معبد «بوذا» ودعا الناس إلي محرابه، وزار الناس في بيوتهم بشرط أن يقوموا بعمل «التوكو نوما» أي الزهرية وما حولها فتباري الناس في ذلك، ووجدت المزهريات في كل مكان، في المنزل والمتجر والمصنع وأصبحت في منزلة مقدساتهم، وخصص «أونو» يوماً للفنانين هو اليوم السابع عشر من كل شهر لعرض أحسن زهرياتهم فكانت تلك أول نواة لمعارض الزهور، ويعد معبد «كيوتو» في اليابان والذي أسسه «أونو» للآن مزارا لأصحاب المدارس المختلفة في فن تنسيق الزهور.
وفي القرن السابع عشر اجتاحت اليابان حروب أهلية، وخشي القائد تمرد جنوده فأمر بحفلة شاي تحيطها الزهور، فلم يجد الجندي المكلف بتنسيق الزهرية سوي ثلاث زهرات من نوع «الإيرس» أحدها مزهرة متفتحة والثانية مجرد برعم، والثالثة لم تتفتح بعد فوضعها كيفما اتفق فأعجبت القائد، وراقه أن الجندي لم يجد زهرية فوضع الزهرات الثلاث في دانة مدفع فارغة فقال القائد: إنها رمية صائبة ومعناها باليابانية: «ناجير».
وعرف هذا التنسيق من يومها بهذا الاسم حيث ترمز الزهرة البرعم للطفولة والزهرة التي تكبرها بالشباب والمزدهرة للشيخوخة!
وقد تبادل نظام «الريكوا» ونظام «ناجير» في تنسيق الزهور الشهرة والمجد، ثم نشأت مدرسة جديدة في التنسيق وهي مدرسة الثلاثة خطوط السماء والأرض والإنسان، ثم تطور فن تنسيق الزهور عقب مأساة قنبلة «هيروشيما» في الحرب العالمية الثانية إلي نظام «السرياليزم» وقد أطلق عليه اسم «بيكاسو اليابان»، وكان يتم التنسيق بالمواد الجافة حيث كانت لا تسمح ميزانية البيت هناك لشراء الأزهار، ولكن هذا لا يعني الحرمان من ممارسة الهواية المحببة هواية التنسيق بالأزهار والنباتات.
اختر وردتك إذن!
وابتكر طريقتك الخاصة في تنسيق زهريتك
اختر وردتك فأنا أعرف وردتي.
«الورد كله كسا الجناين
إشمعني إنت اللي شاردة منا
يا تمر حنة.. يا تمر حنة»!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.