دكتور «هشام عيسى» الطبيب الخاص لعبدالحليم حافظ، طبيب وكاتب وناقد وواحد من أهم القامات الثقافية المصرية، تحدثنا معه عن أعمال العندليب التى ارتبطت بتاريخ مصر فى مراحل مهمة فى تاريخها، وعن لحظات ألم عاشها معه وأخيرا عن كتاب وثق فيه أهم لحظات حياة صديقه الراحل. • ماذا تقول عن عبدالحليم الفنان والصديق؟ - عندما سافر عبدالحليم إلى القاهرة عاش عصره، وبدأ ينتبه للتفاصيل حوله وشاهد المشاكل فى مصر وكيف كانت الحياة صعبة فى هذا الوقت، كان قد بدأ فى غناء الأغانى الرومانسية ولمح الناس فى صوته رنة الحزن أو الشجن فى أغانيه مثل «صافينى مرة»، أو «ظالم وكمان رايح تشكى» تلك الفترة التى كان مازال خائفا فيها من المستقبل وتحمل بعض المرارة التى عاشها فى طفولته، تلك الأغانى التى غناها قبل أن يحدث التغيير الكبير بقيام ثورة يوليو التى غيرت الكثير فى مصر، ورغم أن عبدالحليم لم يكن أيديولوجياً ولم يقرأ كتابا عن الاشتراكية أو غيرها، ولكن بالطبيعة لمس التغيير الذى مرت به البلد من الناحية العملية، وكان هذا التغيير متمثلا فى القيمة التى شعر بها الفنان، فقبل الثورة كان الفنان يستطيع أن يجنى أموالا طائلة، ولكن فى السلم الاجتماعى كان يُنظر له كمُغنى أو «آلاتى»، وكمثال إن هناك مطربة كبيرة ومشهورة جدا قبل الثورة لم تستطع أن تدخل نادى الجزيرة، ومطربا مثل عبدالحليم لم يكن يستطيع أن يتزوج ابنة وكيل وزارة، إنما بعد الثورة قد يستطيع أن يتزوج ابنة الوزير نفسه، كما لمس هذا التغيير كل مواطن مصرى، وبعد الثورة أصبح هؤلاء الفنانون علامة فارقة فى كل الدول الناطقة بالعربية وشكلوا قوة مصر الناعمة. بعد أن غنت أم كلثوم «الاشتراكيون أنت إمامهم» مستحيل أن يغنيها أحد، لكن غناها عبد الحليم وقال «ياعديم الاشتراكية يا خالى المسئولية» وغنى لكل حدث وطنى مثل تأميم القناة، حرب 73، السد العالى، قصيدة الأبنودى عن النكسة «عدى النهار»، التى عبرت عن الموقف سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ناهيك عن روائعه مع صلاح جاهين وانفعاله مع الحالة العامة وغنائه لهذه الأغانى، ومن هنا جاءت أغانى عبد الحليم الوطنية المهمة التى عبرت الواقع المصرى فى تلك المرحلة المهمة من تاريخ الدولة وعبرت عن مراحل ونقلات معينة، غنى لكل المراحل وكأن أغنياته طوابع بريد تذكارية لتسجل الحدث بشكل يستمر على طول الزمن، فالسياسة وقتها لم تعد مقصورة على الساسة والطبقات العليا، بل أصبحت صنعة كل الناس وعبدالحليم كان نموذجا لاشتباك الفنان مع واقعه. • عبدالحليم كان صوت تلك المرحلة وصوت الثورة، عبر عنها بأغانيه، لماذا لا نجد الآن صوتا يعبر عن المرحلة التى نمر بها الآن وهى حرجة أيضا؟ - تلك المراحل المهمة يحدث معها استيقاظ للفن نفسه والفترة التى تلت ثورة يوليو حدثت فيها رعاية للفنان من قبل الحكومة فأصبح المجال مفتوحا للغناء والمسرح والأفلام وتم إنشاء أكاديمية العلوم والفنون ومعهد الموسيقى والباليه، أما بعد ثورتى يناير و30يونيو فالتغييرات فعلا سريعة وقاسية جدا والتعبير فى هذه الظروف يأتى متأخرا، فليس هناك استقرار يؤدى إلى التعبير المناسب أو سيولة فى التعبير، ولكننا لدينا أصوات قوى وعظيمة مثل على الحجار، ولكنها تبقى مجهودات فردية وليست مجهودات برعاية الدولة. • قمت بكتابة واحد من أهم وأصدق الكتب التى تناولت جوانب مهمة من حياة حليم، ولكنك تأخرت فى هذه الخطوة، لماذا؟ - عرضت علىّ إحدى دور النشر أن أقوم بكتابة كتاب عن حليم، ولكنى رفضت تماما لأن وقتها كانت ستكون من خلال نظرة انفعالية والغرض منها الدعاية فقط كطبيب لعبدالحليم أكثر من كونه تأريخا لحياة عبدالحليم بنظرة هادئة موضوعية دون الدخول إلى الإثارة (حب مين وساب مين)، وجاء الكتاب بعد أن أغلقت عيادتى واقتصرت على العمل الاستشارى، لم يكن هناك مانع وقتها من تقديم الكتاب، وصادف وقتها أننى كنت أقدم بابا عن النقد الأدبي فاقترح علىَّ صديقى الكاتب عبدالله السناوى كتابة حلقات عن عبدالحليم، ووافقت وكتبت عن عبدالحليم والسياسة والعصر الناصرى رغم أنه لم يكن ناصريا وأحب السادات جدا فعبدالحليم يستحيل أن يكون سياسيا، وكتبت عن انقلاب المغرب فى المحاولتين لأنه لم يكن هناك أحد عاشهم مثلى أنا وحليم. • كلمنى عن حالته الصحية وكيف كان تأثيرها على إنتاجه الفنى؟ - انتشرت أقاويل كثيرة عن مرض حليم وتأثيره على إنتاجه وأن الألم يحفزه على الإنتاج، ولكنى أختلف معهم جميعا أنا بصفتى طبيبه وعاصرت أزمات فظيعة جدا لحليم، أعتقد أن هذا الإنتاج كان من الممكن أن يكون أكثر من ذلك لو كانت صحته جيدة، ولكن هذا الألم عطله كثيرا، فعبدالحليم لم يستطع أن يعيش الغنوة التى غناها فهو كان يعيش قصة الحب فى أغنياته، فهو بطبيعته عاشق للحب وعاشق للمرأة وعاشق للجمال، ولكنه لم يتزوج بإرادته لأنه رأى أنه سيظلم من يتزوجها معه. •