كل يوم تقريبا أكرر الفكرة التالية بعبارات مختلفة، أو بنفس العبارات تقريبا: أسوأ شىء كان يمكن أن يحدث للثورة المصرية هو أن يتولى الحكم بعدها شخص أو مجموعة أو حزب يتوافق عليه الجميع، لأن ذلك كان سيؤدى غالبا إلى أن يعود الناس إلى حياتهم القديمة، بدون تفكير أو تغيير يمس عقولهم وثقافتهم الثابتة الراسخة منذ عقود وقرون، مستسلمين لقدرهم كشعوب مستبد بها، يسود عليها الطغاة ويسودها الجهل وقلة الحيلة.. أفضل شىء يحدث الآن هو أن الجنى لم يزل خارج القمقم، يناضل ويقاتل ويتألم ويتعلم، ولو طال الوقت قليلاً فسوف يعتاد على الحرية ولن يقبل أن يعود إلى قمقم العبودية أبداً.. لا أعلم متى توقف الخيال الشعبى عن الإبداع، ولكن ما أعلمه أنه كان فقيرا للغاية مقارنة بالماضى.
فكر فى «ألف ليلة وليلة» والسير والحكايات والأمثال وحتى النكت الشعبيةلتعرف الفرق، وما أعلمه أن هذا الخيال تفتح من جديد على دقات طبول الثورة، ورغم أنه يعانى من بعض الإحباط والنكوص حاليا، إلا أن هذه الحالة لا تستغرق أكثر من أيام أو أسابيع قليلة فى أسوأ الأحوال، وسرعان ما يتبعها حالة فوران جماعية للإبداع، تتبدى على الفيسبوك وجدران الشوارع وميادين التظاهر وأماكن عرض الأعمال الفنية المختلفة.
قبل أن أنتهى من كتابة هذا المقال، طالعنى على ال«فيسبوك» مقطع جديد لكوميديان وشاعر شعبى اسمه محمد باكوس، اعتاد منذ أشهر على تصوير «أعماله» ورفعها على اليوتيوب.. باكوس هو واحد من عشرات ومئات انطلقت طاقاتهم الإبداعية عقب الثورة ومن خلال الوسيط الإليكترونى العجيب، وهو مثل كثيرين منهم لا تجد توصيفا متعارفا عليه لما يقدمه. ولعلك لاحظت أننى لم أجد توصيفا مناسبا لباكوس، فقلت فى المرة الأولى أنه كوميديان وشاعر شعبى، ثم وصفت ما يقدمه بأنه «أعمال» دون أن أحدد نوعها الفنى. هى شىء بين «المونولوج» الكوميدى لإسماعيل يس، وبين ما يعرف بال«ستاند أب كوميدى» الأمريكية، وبين الشعر «الحلمنتيشى» الذى اشتهر به الممثل الكوميدى محمد رضا، وبين «الاسكتش» الكوميدى الذى عرفته صالات الملاهى الليلية فى مصر فى بداية القرن الماضى.. باكوس، بالمناسبة ليس موضوعى اليوم، ولا حتى رفاقه من فنانى اليوتيوب، ولكنه المدخل الذى رأيت أنه الأنسب للحديث عن فنانين آخرين: الجرافيتى وصناعة الأفلام المستقلة.
مثلما اختلطت النكتة بالشعر، والغناء بالهجاء، والرواية بتعليقات الفيسبوك، اختلط الرسم على الحوائط بالرسم على الشاشات، فى تلك البوتقة العظمى التى تختلط فيها الفنون والأفكار والبشر هذه الأيام.. هذه «الخضة» بكل ما تعنيه الكلمة من معان بالفصحى والعامية المصرية، قد تكون الوصف الأمثل لما يحدث فى الساحتين السياسية والفنية، اللتين تداخلت بينهما الدوائر هما أيضا، فتحولت المشاهد السياسية إلى «عروض» ومواد للفرجة الترفيهية بينما تحولت الأعمال الفنية إلى فعل سياسى.. هذه «الخضة» طالت بالمثل الحدود التقليدية المتعارف عليها، الثابتة، والميتة، لما يعرف بالأجناس والأنواع الفنية، كما طالت التسميات المتخصصة للفنانين، فاختلطت المسافات بين الرسام والمصور الفوتوغرافى والمغنى والعازف الموسيقى والروائى بالمحلل السياسى وصانع الأفلام بحامل اليافطات الدعائية. ما يلغى فيه النقاد ومنظرو الفنون منذ عقود حول الكتابات والإبداعات «عبر النوعية» تحول على يد شباب الفنانين إلى أسلوب حياة وتفكير يومى.. «الجرافيتى» هو أحد أشكال التعبير الفنى والسياسى التى ظهرت بقوة خلال، وفى أعقاب، ثورة يناير. وحتى نفهم حجم التواجد والتأثير اللذين صنعهما «الجرافيتى» يجب أن نضع فى اعتبارنا الحقيقتين التاليتين: الأولى هى غياب ثقافة الفن التشكيلى فى مصر غيابا شبه كامل، واقتصار فكرة الحوائط المرسومة إلا على الجدران الخارجية لبعض المدارس ومقرات القوات المسلحة، التى اعتادت على كتابة بعض الجمل الإنشائية والرسومات البدائية المصاحبة القادمة من كتب التربية الوطنية والتوجيه المعنوى، أضف إلى ذلك القبح الذى تتسم به حوائط القرى والمدن عموما، الحقيقة الثانية هى أن الحوائط والشوارع قبل 52 يناير كانت ملكا خاصا للدولة، للنظام الحاكم، وليس للناس، وكان من المستحيل تقريبا أن يقوم شاب أو كهل بكتابة عبارات أو رسم أشكال تهاجم هذا النظام ورموزه بشكل مباشر أو غير مباشر.. عن فن الجرافيتى فى مصر، قبيل وبعد الثورة، يدور الفيلم الوثائقى «حيطان» الذى أخرجه حلمى عبد المجيد وكتبه وأعد مادته أخوه شريف عبد المجيد.. شريف عبدالمجيد نموذج للفنان العابر للتوصيفات، فهو أديب وصحفى ومصور فوتوغرافى، صدرت له أربع مجموعات قصصية منها «جريمة كاملة»، «مقطع جديد لأسطورة قديمة» وحاصل على جائزة ساويرس فى مجال القصة القصيرة، أثناء وبعد الثورة جمع شريف بين الكتابة والتصوير الفوتوغرافى، ثم مال مع الوقت إلى التصوير أكثر، باعتباره الوسيط الأنسب للتعبير عما يجرى، واهتم بشكل خاص بتوثيق رسومات «الجرافيتى» التى راحت تنتشر على حوائط المدينة، وشعر بمسئولية خاصة لتوثيق هذه الأعمال التى سرعان ما تمحوها السلطة وعوامل التعرية، ثم قام بإعداد ثلاثة كتب توثق لهذه الرسوم فى القاهرة وعدد من المحافظات الأخرى، قام بتصويرها وكتابة مادتها وهى تحمل عناوين «أرض أرض.. حكاية ثورة الجرافيتى»، «جرافيتى الألتراس»، «مكملين».. استكمالا لنفس المسار قرر شريف مع أخيه الأكبر حلمى، المخرج بالتليفزيون المصرى، عمل فيلم عن الجرافيتى الحديث فى مصر، قام شريف بإعداد مادته وصوره الفوتوغرافية وكتابة السيناريو وقام حلمى بإخراجه. الفيلم يحمل اسم «حيطان» وهو من الأفلام المستقلة ذاتية الإنتاج التى انتشرت وذاع صيتها خلال العقد الأخير.
الفيلم، الذى تبلغ مدة عرضه أقل من ساعة قليلا، يوثق من ناحية للكثير من الأعمال التى زينت حوائط وجدران مثل سور الجامعة الأمريكية فى شارع «محمد محمود»، والتى أصبحت الآن ذكرى لا تحتفظ بها سوى الصور الفوتوغرافية بعد أن تم محوها ورسم غيرها عدة مرات.
من ناحية ثانية يوثق الفيلم للتاريخ القريب لفن الجرافيتى فى مصر، من خلال لقاءات مع بعض فنانى الجرافيتى مثل آية طارق وعمار أبو بكر وعادل عوض وبعض النقاد والمؤرخين مثل الفنان محمد عبلة.. ومن ناحية ثالثة، بطريق غير مباشر، يوثق الفيلم للعديد من الشهداء والأبطال منذ الأيام الأولى للثورة، وحتى ما قبل الانتخابات الرئاسية التى أعقبتها، مرورا بضحايا ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء وغيرها.
أحيانا تبدو الخطوط متكاملة ومكملة لبعضها البعض، وأحيانا يبدو أن أحدها يثقل على الآخر، ولكن فى كل الأحوال يحتوى كل مشهد على معلومات وصور تاريخية مهمة سوف يعود إليها المؤرخون قريبا حين تنتابهم الحيرة مما آلت إليه الثورة المصرية، أو حين يحين الوقت لتذكر كل الأبطال الذين ساهموا بأفعالهم ورسوماتهم وأفلامهم فى صنعها واستمرارها.