لا يمر يوم، إلا ويستيقظ المصريون على نبأ وقوع مأساة إنسانية جديدة خلفها حادث مروع لقطار يروح ضحيته مجموعة من خيرة أبناء مصر أو استشهاد جنود مصريين على الحدود أو مقتل متظاهرين فى ميدان التحرير أو بجوار قصر الاتحادية، حتى أصبحت سرادقات العزاء فى كل بيت مصرى من الإسكندرية إلى أسوان. النتيجة واحدة، دماء تسيل هدرا، والأسباب لا تعد ولا تحصى، وكلما خلع المصريون الأسود يلبسون الأسود منه، لكن ثمة أسئلة محيرة لاتزال معلقة فى أذهان الكثيرين: إلى متى يسيل الدم المصرى؟، ومن المستبيحون لهذا الدم الغالى والمتاجرون به؟ .. أما السؤال الأصعب: «الدم المصرى بكام؟». ناهيك عن دماء شهداء الشرطة فى سيناء، وشهداء الأولتراس الزكية التى سالت فى مجزرة استاد بورسعيد، وشهداء ذكرى محمد محمود، والاتحادية، وضحايا العبارات النهرية ومراكب الصيد المتهالكة، والأرواح التى تزهق يوميا بسبب مخالفات البناء التى زادت منذ قيام الثورة وحتى الآن بشكل مخيف، فى ظل غياب أجهزة الدولة «المفككة» التى تحتاج إلى إعادة فك وتركيب. حدّث ولا حرج عن حوادث القطارات التى زهقت أرواح الكثير من الأبرياء وسالت دماؤهم بالمجان، منها حادث قطار البدرشين، وحادث انقلاب قطار بضائع فى محطة كفر داود بالمنوفية فى أغسطس الماضى، وحادث خروج قطار عن القضبان على خط «شبين قليوب» عند قرية رمادة فى أكتوبر الماضى، والذى أسفر عن مصرع 6 ركاب وإصابة 9 آخرين، وحادث قطار منفلوط بأسيوط الذى زهق أرواح 26 طفلا بريئا وإصابة 31 آخرين، وحادث قطار البدرشين الذى راح ضحيته 91 مجندا من جنود الأمن المركزى وإصابة 711 آخرين، وأخيرا حادث قطار مزلقان أرض اللواء الذى راح ضحيته 4 أشخاص نتيجة الإهمال وفشل الإدارة وعدم الانضباط وغياب الأولويات. ورغم أن الفاصل الزمنى بين هذه الحوادث المفجعة قصير والدماء لم تجف بعد، فلايزال نزيف السكة الحديد مستمرا، ولايزال الأهالى المكلمين يهتفون بحرقة «مرسى مرسى مرسى بيه.. دم المصرى بكام جنيه»، ولا حياة لمن تنادى . ∎ تصدير المبررات تجاه الأزمات سألنا أستاذ تخطيط النقل والمرور بهندسة عين شمس والنائب بمجلس الشورى الدكتور مصطفى صبرى: «إلى متى يستمر نزيف الدماء الزكية على قضبان السكة الحديد؟، ومن السبب وراء هذه الحوادث المتكررة؟، فكشف عن مفاجأة مدوية قائلا: «للأسف الشديد، توجد دراستان للأمن والأمان للركاب والبضائع تم وضعها من خلال أساتذة الهندسة والخبراء، ولم ينفذ منهما شىء رغم ما تحملانه من حلول عملية إلا أنها حبيسة الأدراج». وأضاف: هاتان الدراستان كشفتا عن مدى الإهمال داخل ورش الصيانة المهلهلة والتى أصابتها الشروخ منذ التسعينيات، مطالبا بضرورة أن تكون هيئة السكك الحديدية هيئة مستقلة تتبع رئيس الوزراء أو رئاسة الجمهورية. من جانبه انتقد عضو مجلس الشورى عن حزب الحرية والعدالة الدكتور محمد فضل موقف الحكومة واستمرار حوادث القطارات، مشيرا إلى أن حديث المسئولين عبارة عن كلام على الورق فقط وما يحدث للمصريين بعد ثورة 52 يناير حرام. وأعرب النائب الإخوانى عن أسفه أنه كل مرة يتم تصدير المبررات لتلك الحوادث ولا توجد حلول على أرض الواقع». من جهته اعتبر عضو مجلس الشورى عن حزب النور السلفى صلاح عبد المعبود أن تكرار حوادث القطارات فى أزمنة وجيزة هو إشارة واضحة على أن مسلسل الإهمال لايزال مستمرا فى أغلب القطاعات الحكومية، موضحا أنه على الحكومة أن تشكل على الفور فرقا لإدارة الأزمات فى كل الوزارات ذات التأثير المباشر على حياة ومصالح المواطنين. وطالب النائب السلفى بتقديم كل مسئول عن إراقة دماء المصريين إلى المحاكمة العاجلة أيا كان موقعه. ∎ ولايزال النزيف مستمرا كما أعرب رئيس حزب مصر عمرو خالد عن أسفه أن أصبحت السكة الحديد خطرا يهدد حياة المواطنين ويستنزف أموالهم ودماءهم، موجها الدعوة إلى وقف نزيف دماء المصريين المستمر على خطوط السكة الحديد من خلال وضع خطة ومشروع قومى يستهدف حسن إدارة المرفق وإعادة هيكلته وإصلاحه إصلاحا شاملا وجذريا. كما دعا عضو جبهة الإنقاذ الوطنى حمدين صباحى إلى أن تعلن الحكومة على الجميع خطة لتطوير قطارات الموت، وأجل محدد لإنجازها، مطالبا «أوقفوا عمل قطارات الموت، واجعلوا سلامة المصريين من أولويات الحكومة بدلاً من الانشغال بسياسة التمكين». وفى السياق ذاته، نوه رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان حافظ أبو سعدة بأن انهيار السكة الحديد سيكون على حساب دم المصريين لغياب الحساب للمسئولين. فيما طالبت الجمعية المصرية لرعاية ضحايا الطرق وأسرهم الرئيس مرسى ورئيس الوزراء هشام قنديل ووزير التنمية المحلية محمد على بشر والمحافظين بسرعة اتخاذ الإجراءات الكفيلة بوقف نزيف الأسفلت مع تكرار حوادث القطارات وعلى الطرق السريعة فى مختلف المحافظات، عبر تنفيذ التوصية التى أطلقتها الجمعية والخاصة بتشكيل مجلس للسلامة على الطرق فى كل محافظة لحماية المواطنين وتأمين حياتهم ضد هذه الحوادث. ∎ الدم الرخيص سألنا الدكتورة نادية رضوان- أستاذ علم الاجتماع بجامعة قناة السويس- عن المتاجرين بدم المصريين، فبدأت حديثها بقولها «فى البداية أدعو الجميع إلى قراءة الفاتحة على أرواح القتلى والشهداء فى كل بقعة من بقاع مصر، ثم قراءة الفاتحة على الحكومة والنظام الحاكم، متسائلة «كم ثمن دم المواطن المصرى اليوم؟، كم ستدفع الحكومة تعويضا للقتلى والشهداء والمصابين فى كل هذه الحوادث المفجعة التى وقعت مؤخرا فى البلاد؟، للأسف دم المصرى أصبح رخيصاً جداً، لا يجد من يقدره، رغم أنه دم حر قام بأعظم ثورة فى التاريخ هى ثورة 52 يناير». ولفتت رضوان إلى نقطة مهمة قائلة: لم يتحدث أحد عن الأصول الطبقية للضحايا، فهذا ليس مهما، فالمهم «السلعة» وقيمتها السياسية، وحين يتم «تسليع» دم المواطن المصرى، فاعلم أن المسئولين فى الدولة لا علاقة لهم لا بالإنسان ولا بالإنسانية. ووجهت رسالة إلى الرئيس مرسى أكدت فيها «الدم المصرى فى رقبتك، ولا يجب عليك أن تنحاز لأى طرف من الأطراف لأنك سوف تحاسب على كل أرواح المصريين التى أهدرت من يوم جلوسك على كرسى الحكم وحتى الآن». وأعربت أستاذ علم الاجتماع بجامعة قناة السويس فى ختام حديثها عن انتقادها لتجار الدم الذين لا يستحون وهم يستخدمون المصريين «سلعة» فى سوق المزايدات السياسية.∎ الرئيس يغرد منفردا.. والشعب يشتعل غضبا! عامان مرا على الثورة المصرية المجيدة، ولا جديد على أرض مصر، «عيش» لا يستسيغه المواطنون الذين فرقتهم الإعلانات الدستورية من ناحية والصناديق الانتخابية من ناحية أخرى، والقنوات الدينية والفضائية من ناحية ثالثة، و«حرية» لا تغنى ولا تسمن من تغيير فعلى، فقل ما شئت وللنظام الحاكم ما يشاء، و«عدالة اجتماعية» لا يمكن أن تلحظها فى وجوه أرهقها الغلاء والبطالة والأمية والمرض. فلا عيش، ولا حرية، ولا عدالة اجتماعية من وراء ثورة وقعت فريسة ما بين فصيل سياسى حاكم يصدر عجزه فى إدارة البلاد إلى الفلول، وبين معارضة هشة لا تتوارى خجلا من اتخاذ منابر وهمية عسى أن يقام لهم وزن فى الشارع السياسى الذى فقد بصلته لحين إشعار آخر. اشتعلت المحافظات المنسية غضبا فى ذكرى الثورة الثانية، فسالت دماء الشهداء الزكية، وتساقط المصابون بالعشرات من جديد، فى مجزرة جديدة فى بورسعيد والسويس، المشهد مأساوى بحق، ويعجز اللسان على وصفه أمام دولة غاب فيها القانون فظهرت دولة الالتراس والبلاك بلوك والفرقة 59 الإخوانية، و«ثوار» و«بلطجية» أصبحت الفوارق بينهم عائمة، وحكومة إطفاء الحرائق التى فشلت بجدارة فى التعامل مع جميع الملفات التى تولتها، و«جبهة إنقاذ» تريد من ينقذها من شتاتها، و«رئيس دولة» فاقد للزمن والحسابات، يتوارى أمام الأزمات، ويظهر كالأشباح ليخاطب شعبه عبر تغريدة على موقع التواصل الاجتماعى «تويتر» بعدما ملّ الجميع من خطاباته التى لا تأتى بجديد. أخيرا وبعد تأزم الأمور، خرج الرئيس ليعرب عن تعازيه للقتلى والمصابين فى الأحداث المفجعة التى وقعت فى بورسعيد والإسماعيلية والسويس، لكن هذه المرة عبر فضاء إلكترونى يجهل أغلب المصريين أسراره، ليظل السر عند الرئيس الذى يولى اهتماما للمصالحة بين فتح وحماس ولا يولى اهتماما للمصالحة بين التيارين الوطنى والإسلامى ليظل حوار الطرشان مستمرا فيما يظل الوضع القائم يفرض نفسه: الرئيس يغرد منفردا.. والشعب يشتعل غضبا.