لم يعرف تاريخ مصر الحديث زعيماً مصرياً متديناً إلي حد التصوف مثلما عرف عن الزعيم خالد الذكر مصطفي باشا النحاس فتدين النحاس كان لا يخفي علي أحد كما كان لا يمكن لأحد أن يزايد عليه في المجال الديني. فلقد عرف عنه أنه صاحب القرآن الكريم وأنه لابد أن يعيش مع المصحف يومياً بعد الساعة التاسعة داخل غرفة نومه ويمنع الدخول عليه أو قطع خلوته مع القرآن. كان يوقف اجتماعات الوفد إذا حضرت الصلاة كان الشعب كله يعرف عن النحاس تدينه الشديد وبساطته الشديدة وطهارته ونزاهته وصلابته أيضا فهو أحد أبناء مصر النابهين وهو أول دفعته في العام 1900 في مدرسة الحقوق وهو القاضي ذائع السيط وهو ما لفت نظر وزير العدل وقتها الزعيم سعد زغلول لهذا القاضي العادل فاتخذ منه خليلاً ورفيقاً ولتمسك النحاس الشديد بدينه ولنجاته من جميع محاولات الاغتيال التي دبرت له أشيع في مصر أن الرجل مبروك ومحفوظ من الله . حتي أن آخر قنبلة ألقيت علي غرفة نومه دخلت من الشباك وتعلقت علي «الناموسية» وأذكر أنني كلما نجيت من مكروه كانت جدتي تقول لي «أصل أنت مبروك ذي النحاس باشا» ثم ورثت أمي هذا القول عنها فكانت تردده كلما جار علي أحد فحدثت له مصيبة ورغم تدين النحاس باشا الشديد إلا أنه كان علمانياً خالصاً يميز تمام التمييز بين المجال الوطني والمجال الديني ولم يحدث مرة أن خلط بينهما فهذا مجال وطني لجميع المصريين وذاك مجال ديني للمسلمين فقط أو المسيحيين فقط. ولقد عاش النحاس في معارك مع الملك الأب فؤاد ثم الملك الابن فاروق بسبب محاولاتهما إقحام الشأن الديني الإسلامي في الشأن الوطني الجامع كما كانت له معاركه مع الإخوان المسلمين وزعيمهم لنفس السبب كذلك فقد تصدي لفاشية زعيم مصر الفتاة أحمد حسين عندما حاول أن يلعب بالدين أو يتوسل به لتحقيق أهداف سياسية حيث قال له قولته المأثورة «أن وضع الله في برنامج سياسي هو شعوذة». وعندما حاول الملك فاروق بمساندة الشيخ المراغي شيخ الأزهر وجماعة الإخوان المسلمين أن يتحول إلي الملك الصالح المؤيد من الله وخرج الإخوان يهتفون «الله مع الملك» في مقابل هتاف المصريين «الأمة مع النحاس» وقرر فاروق أن يقيم حفلاً دينياً بمناسبة توليه مهامه الدستورية 1937 وقف زعيم الأمة المتدين مصطفي باشا النحاس خطيبًا أمام مجلس النواب وقال (ذلك إقحام للدين فيما ليس من شئونه وإيجاد سلطة دينية بجانب السلطة المدنية). (الإسلام لا يعرف سلطة روحية وليس بعد الرسل وساطة بين الله وبين عباده... وليس أحرص مني ولا من الحكومة التي أتشرف برئاستها علي احترام الإسلام وتنزيه الإسلام)، (إن احتفال الملك بمباشرة سلطاته الدستورية مجال وطني يجب أن يتباري فيه سائر المصريين مسلمين وغير مسلمين. وفي إحدي مرات التجهيز لإرسال كسوة الكعبة إلي ميناء السويس تمهيدًا لسفرها للحجاز وكان التقليد أن يقود موكبها أقدم رتبة عسكرية في الجيش المصري فإذا هو هذه المرة ضابط قبطي وينزعج البعض ويذهبون للنحاس باشا ليخبروه ويقول النحاس وماذا فيها إن كسوة الكعبة هدية من الشعب المصري مسلمين وأقباطاً وتكلفتها من الميزانية المصرية التي يساهم فيها كل المصريين وهذا شأن وطني لا يعرف دينًا بعينه فليقد موكبها الضابط المصري القبطي وهو الذي قال للشيخ حسن البنا عندما أراد أن يجمع بين الدعوة الدينية والعمل السياسي وأن يتوسل بالدين لتحقيق أهداف سياسية انتخابية عايز تبقي (الشيخ حسن) أم (الشاطر حسن)؟، الشيخ حسن أساعدك، لكن الشيخ حسن والشاطر حسن معًا، أمنعك. واستعان د. فؤاد زكريا في كتابه «الصحوة الإسلامية في ميزان العقل» صفحة 46 بما رواه إبراهيم باشا فرج (جريدة الوفد عدد يوليو 1989) عن كيف أعرب النحاس باشا للزعيم الهندي نهرو خلال زيارة له عام 1954 عن أمله في أن تكون الجمهورية المصرية جمهورية علمانية رحم الله النحاس العلماني المتدين هذا الزعيم العظيم، الذي كانت ليبراليته وعلمانيته حبه لدينه وحبه لوطنه رؤيته وبصيرته سمعته ونزاهته تفريقه بين المجال الوطني والمجال الديني مضرب المثل والقدوة.