30 دقيقة تأخر في حركة القطارات على خط «القاهرة- الإسكندرية».. الثلاثاء 28 آبريل    هيئة دعم حقوق الشعب الفلسطيني: إسرائيل تمارس إبادة بطيئة في غزة.. والمجاعة لا تزال تضرب القطاع    أنا بتعلم منك.. ياسر علي ماهر يكشف تفاصيل مكالمة من عادل إمام بعد فيلم «كابتن مصر»    عندما يتحول الرثاء إلى طرب..!!!    اللواء وائل ربيع: إيران لديها صواريخ ساحلية مخبأة داخل المناطق الجبلية المطلة على مضيق هرمز    مانشستر يونايتد يهزم برينتفورد بثنائية في البريميرليج    ارحل يا توروب.. جماهير الأهلي تطالب برحيل المدرب فوراً    أول تعليق من توروب عقب الخسارة من بيراميدز    حقيقة فيديو شرطي سيناء المسرب وقرار عاجل من الداخلية بإنهاء خدمته    البابا تواضروس يصل النمسا فى ثاني محطات جولته الخارجية    وزارة الصحة اللبنانية: 4 شهداء و51 مصابًا في غارات إسرائيلية جنوب البلاد    الأمين العام للآثار يتابع مشروعات التطوير في الفيوم والغربية والدقهلية    فتحية و7 ملوك من الجان.. حكاية ضحية علم الأرواح    في خطوات بسيطة، طريقة عمل اليخني اللحم بالخضار    ارتفاع في درجات الحرارة ورياح وشبورة كثيفة، الأرصاد تعلن حالة الطقس اليوم الثلاثاء    زياد بهاء الدين: بلوغ التضخم قرابة 100% في 3 سنوات متتالية طفرة كبيرة تحتاج لإعادة نظر    جلال برجس يطلق منصة للتحرير الأدبي    سي إن إن: محادثات واشنطن وطهران تبحث عملية مرحلية للعودة إلى وضع ما قبل الحرب وإعادة فتح هرمز دون قيود    وول ستريت جورنال: واشنطن ستقدم ردًا ومقترحات مضادة للعرض الإيراني قريبًا    محافظ سوهاج يستقبل مستشار رئيس الوزراء لمتابعة مشروعات "حياة كريمة"    هل صارت مصر شبه دولة اقتصاديًا؟ ..الدولار يقفز والذهب يشتعل وتعطل البورصة    3 نتائج مذهلة، الكشف عن تمرين بسيط لهذه العضلة يساعد في ضبط سكر الدم لساعات    مصرع شخص وإصابة آخر إثر حادث انقلاب سيارة نقل على أخرى ملاكي بالدقهلية    الصور الأولى لزوجين بالشرقية قُتلا طعنًا داخل منزلهما    تنسيق مشترك بين أمن القليوبية ومديرية الصحة استعدادا لموسم الحج    مواقيت الصلاة اليوم الثلاثاء 28 أبريل في القاهرة والمحافظات    قداسة البابا يختتم زيارته لتركيا ضمن جولة رعوية أوروبية موسعة    البيت الأبيض: ترامب بحث مقترحا إيرانيا جديدا مع فريقه للأمن القومي    مشرف الكرة بإنبي: سعيد بالتعادل مع الزمالك    أحمد كمال: أتوقع فوز الزمالك بالدوري    تهديدات الحرس الثورى تدفع أوروبا لخيارات دفاعية استثنائية.. ضفادع بشرية للتعامل مع الألغام.. تنسيق فرنسي بريطاني لتأمين الملاحة فى هرمز.. ألمانيا تستعد لنشر وحدات بحرية في المتوسط تمهيداً لمهمة محتملة    CNN عن مسؤولين: الوسطاء يمارسون ضغوطا على واشنطن وطهران بهدف التوصل لاتفاق    مصرع 3 طلاب إثر حادث موتوسيكلات على طريق "دكرنس - شربين" بالدقهلية    إصابة 3 سيدات في تصادم "توكتوك" بدراجة نارية في الدقهلية    تحرير 42 مخالفة للمخابز في حملة تموينية بالفيوم    مدرب بيراميدز: الزمالك يلعب بروح أكبر من لاعبي الأهلي    في غياب أكرم توفيق.. الشمال يخسر لقب الدوري بعد الهزيمة من السد    زياد بهاء الدين: نحن في مصيدة ديون لمدة ليست بالقليلة    طالب من 3 دول يشاركون في مسابقة الغواصات البحرية MATE ROV Egypt 2026    Livingyards تعين عبدالله لطفي عضوًا منتدبًا لدعم التوسع بمحفظة 30 مليار جنيه    غرفة المنشآت الفندقية: لا يجوز منع المرأة من الإقامة بمفردها.. والحكم بحبس مدير فندق رادع لكل الفنادق    جمال عريف ل صاحبة السعادة: أكبر مصنع صلصة بالصعيد ونصدر ل23 دولة    زفة على أنغام "يا واد يا تقيل" احتفالا بزيارة حسين فهمي لكشري أبوطارق.. صور    الأسهم الأمريكية تسجل مستويات قياسية جديدة على الإطلاق مع ارتفاع أسعار النفط    ماذا يحتاج الزمالك وبيراميدز والأهلي للفوز بلقب الدوري المصري والتأهل القاري    خبير أمني: سيناء أصبحت عمقًا تنمويًا يزلزل أطماع الأعداء    أمين الفتوى يكشف حكم إخراج الأضحية من زكاة المال(فيديو)    المنشاوي يهنئ فريق مستشفى القلب بجامعة أسيوط بنجاح إجراء أول جراحة دقيقة لاستبدال الصمام الميترالي    هل يجب إخبار الخاطب أو المخطوبة بالعيوب قبل الزواج؟ أمينة الفتوى توضح الضوابط الشرعية (فيديو)    رمضان عبد المعز يروى أجمل قصة عن الثقة في الله في "لعلهم يفقهون"    اعتماد رسمي لقيادات "الناصري"، محمد أبو العلا رئيسًا للحزب لدورة جديدة    تسليم مساعدات مالية ل30 عروسة من الأيتام وتكريم حفظة القرآن ببني سويف    قبل ما تفسخ الخطوبة.. اعرف هتخسر إيه فى مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين    "قانون العمل الجديد والامتيازات المتاحة للمرأة" ندوة توعوية بجامعة العاصمة    وزير الصحة يشارك في افتتاح قمة الصحة العالمية بنيروبي    8 أنواع من المياه المنكهة الصحية التي لا غنى عنها في الصيف لتحسين الهضم    «العدل» تقر إنشاء فرعين للتوثيق والشهر العقاري بمحافظتي الدقهلية وسوهاج    قائد مدفعية وأحد أبطال حرب أكتوبر، محطات في حياة الراحل كمال مدبولي (بروفايل)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المزور لا يفهم التاريخ.. بالتأكيد!
نشر في روزاليوسف اليومية يوم 15 - 11 - 2009

حان الوقت الآن لمتابعة ما يفكّر به هيكل، أو ما الذي دعاه لأن يحكي لنا هذا وفي مثل هذا التوقيت بالضبط وبعد مرور قرابة خمس سنوات علي صدور كتاب "تفكيك هيكل" الذي حاسبه في البداية علي أسس في المنهج التاريخي الذي لم يدركه صاحبنا هيكل، ولما يزل حتي يومنا هذا لم يدرك أصول ذلك "المنهج" سواء علي مستوي الأمانة التاريخية أو مستوي الدقة في المعلومات أو حتي علي مستوي الكتابة والمساجلات والمقارنات وتسجيل السير وتوثيق الأخبار والابتعاد عن التدليس.. الخ، من الاولويات التي لابد أن يعتني بها المؤرخ الجاد.. دعونا نسمع ما قال: "أنا أولاً عاوز أحذر إن أنا ما باتكلمش في التاريخ، أنا باتكلم في التجربة الإنسانية هو المعني الحقيقي للتاريخ، لو جينا تكلمنا سألنا أنفسنا ما هو المعني الحقيقي للتاريخ؟ في ناس بيعقدوها أوي، المعني الحقيقي للتاريخ هو قصة التجربة الإنسانية، قصة المجتمعات في نشأتها وفي تطورها وتقدمها، قصة الصراع بين هذه المجتمعات في رغبتها في التفوق والتقدم والقوة، لكن لما بيقال عادة كلمة التاريخ الناس بتتخض أو علي الأقل تتحسب لأشياء كبيرة أوي لأنه تبقي الرواية إما مؤرخ يعقد الأمور بأكثر مما ين
بغي أو صحفي قد يتعرض للتاريخ وهو مش عمله فإذا به يسطِّح الأمور بأكثر مما ينبغي.." (انتهي النص). واضح من كلام هيكل أنه يعقد مقارنة بالرغم منه بين المؤرخ والصحفي.. وسنري كم بلغ به الاستخفاف بالشأن التاريخي.. ولكن لماذا تحذر أنت أولاً؟ من تحذّر يا تري؟ يحذر من هروب علني من "التاريخ" إلي "التجربة الإنسانية".. هكذا، يعلن للملأ هروبه من المعضلات التي كان قد أوقع نفسه فيها علي مدي سنوات طوال. إنه يعترف بأنه لم يتكلّم في التاريخ، ولكنه يفّسر التجربة الإنسانية كونها المعني الحقيقي للتاريخ.. ولكن التاريخ كله تجارب إنسانية..
ولكن ما طبيعة تلك "التجربة"؟ هل هي تجربة إيجابية أم سلبية؟ صحيح أنها قصة المجتمعات وقصة الصراع بين المجتمعات.. ولكنك يا هيكل لم تعتن بهذا الموضوع أبدًا في أي من كتبك وتصريحاتك! أبدًا.. كل ما كتبته كان عن الدول والزعماء والقادة والتواريخ الشخصية وإثارة الملفّات المريبة التي لا نعرف مصادرها.. نحن معشر المؤرخين. أين هي كتاباتك عن التجارب الإنسانية؟ إن كل كتبك مجموعة مقابلات وتسجيل خواطر وتدبيج روايات وخطابات لا نعلم من أين أتيت بها.. لقد تحدثت عن دول وانقلابات عسكرية من دون أن تعتني بالتحليل العلمي للرواية التي تسوقها.. إنك تكتب فصولاً مطولة من اتهامات رميت بها أناساً ربما تعرفهم وربما لم تعرفهم أبدا.. لقد اثرت أشياء كبيرة وخطيرة لا أساس لها من الصحة، وقد كشفنا منها الكثير في "تفكيك هيكل". لما تبعد نفسك عن التاريخ خوفًا منه لأن الناس (بتتخض) أو تتطير أو تتحسب أشياء كبيرة.. فأنت ماهر حتي في لعبة الانسحاب من الحلبة. ولقد كنت صائبًا في توصيف نفسك ولما لم تصب الهدف تمامًا وأنت تصف غريمك صاحب "تفكيك هيكل"، فلقد اعترفت بأنك الصحفي الذي "يسطح الأمور أكثر مما ينبغي"، ولكن أخطأت خطأ جسيمًا عندما وصفت غريمك المؤرخ بأنه "يعقّد الأمور بأكثر مما ينبغي.."! لا أبًدا يا صاحبي، إنها مسألة منهج وسلوك وأمانة ومعرفة ودقة في تناول الروايات التاريخية خصوصًا تلك التي تمس قادة وزعماء وملوك ورؤساء وأمراء ورجالات دول وسمعة شعوب ونخب وأناس وعلماء..
لا يمكن أبدًا أن يقبل المؤرخ الجاد ما يعرضه هيكل من روايات يستخف بمضامينها كي يقدمها مسطحة وباهتة ولا يهمه أمرها ولكن له رغبة حقيقية في إشاعتها من أجل تشويه التاريخ.. فإذا انتقدك المؤرخ الجاد، فليس معني ذلك أنه يعقّد الأمور بأكثر مما ينبغي! وسنري كيف تواصل الأفكار وأنت ترد علي المؤرخ الثابت في مكانه وأنت الهارب الذي لا تلوي علي شيء! فماذا تقول؟ دعونا نؤجل تفكيكنا لما تحدث به هيكل إلي جولة أخري، فثمة أشياء (خطيرة) تعوّدنا علي سماعها منه دومًا، وسنري إلي أين يريد الرجل أن يوصلنا.
تمنيتك شجاعًا يا هيكل!
كم تمنيت أن تكون شجاعًا يا هيكل كي ترد بطريقة أصولية لا بطريقة وصولية.. إنني في الحقيقة لم أسمعك أو أشاهدك علي التليفزيون فوقتي أثمن من أن أصرفه في سماعك، ولكن جرت اتصالات بي من قبل العديد من الأصدقاء وقد سمعوك تتكلم بطريقة مبطنة وأنت ترد علي استحياء متحدثًا في التاريخ والمنهج التاريخي وكأنك تقول: إياك اعني واسمعي يا جارة!
فماذا تسمي هذا الأسلوب؟ هل ضعفت قدرتك إلي الدرجة التي تخشي فيها المساجلة وأنت تمتلك حق الرد.. علمًا بأنني قد أهملت ما كتبته في السنوات الخمس الأخيرة، ولم أبحث لي عن أي رد منك، فإن وقتي أثمن من أضيعه في سجالك.. ولكن أن تتخفي وراء مؤرخ بريطاني لتقول قولتك وتهرب.. فلن تفلت مني أبدًا في هذه الحالة إذ تمنيتك شجاعًا في قول ما تريده مني صراحة.. وأعتقد أنك لا تستطيع أن تكون صريحًا أبدًا حتي مع نفسك. فماذا تقول:
تستطرد قائلاً: "لكن أنا هنا عاوز أتكلم علي التاريخ الستين سنة اللي عشتهم في العمل السياسي باتكلم علي تجربة حياة وليست تجربة عُمْر وبالتالي فأنا باختار منهج تجربة حياة وليست تجربة عمْر. الحقيقة إنه هذا قريب جدا من منهج اعتمده واحد من أهم مؤرخي هذا العصر وهو إليك هوبس باوم.." (نص هيكل).
لست وحدك الذي عاش ستين عامًا.. فثمة رجالات من العرب وغيرهم عاشوا أكثر مما عشت من دون أن يعلمونا بمثل هذا التقدير.. وهناك العشرات بل المئات من الساسة والمثقفين الكبار والصغار ممن عاشوا تجارب حياتهم من دون أن يفصلوها عن أعمارهم، وعادة ما نقول: قضوا أعمارهم في كيت وكيت.. ونقول نحن العرب: ودفعوا حياتهم ثمنًا، أو أحرقوا زهرة شبابهم.. من دون أي تمييز أو مفاخرة بين حياتهم علي حساب أعمارهم. إنها فلسفة لم نسمع بها من قبل. وإذا قلنا نحن العرب بمصطلح "العمر" ( = Age) فإن الانجليز - مثلاً - يقولون، أو هكذا اعتادوا القول بمصطلح "الحياة" (=Life ) فليس في ذلك كله حاجة لاستدعاء المؤرخ هوبسباوم، وهذا الأخير يكتب اسمه يا هيكل بالشكل التالي: اريك هوبسباوم، وليس أليك هوبس باوم!!
يتابع هيكل النص قائلاً: "إليك هوبس باوم عمل نظرية حتي تكاد تكون تتصل بالقرون فسمي في قرون طويلة وفي قرون قصير، القرون الطويلة هي القرون التي يمكن أن تُعد بالسنين، إفلة عمر الجسام لصحفي فالقرن مائة سنة انتهي الموضوع لكنه القرون القصيرة هي القرون التي تقاس فيها تقاس قيمتها بمدي عمق وتأثير وأهمية ما جري فيها لأنه ممكن سنين أوي تفوت لا يجري فيها شيء وممكن شهور قليلة وأيام تتغير فيها مصائر عوالم بأكملها وبالتالي" (نص هيكل).
المؤرخ البريطاني المعروف إريك هوبسباوم ( = Eric Hobsbawm ) يعد من المؤرخين الذين أرّخوا لتاريخ أوروبا وله كتبه ومقالاته التي ترجم بعضها إلي الألمانية والتركية ومن أشهر كتبه: عصر الثورة (أوروبا 1789 - 1848) الذي ترجم إلي الفارسية بعنوان: عصر انقلاب أوروبا.. ولكن هوبسباوم ليس بفيلسوف في التاريخ حتي يأتي له بنظرية تتصل بالقرون.. وأتمني علي هيكل أن يحدد لنا اسم النظرية وتفصيلات هوبسباوم عنها.. ربما هي فكرة قلبها هيكل لتصبح نظرية.. وإذا كانت هناك قرون طويلة وقرون قصيرة، فما علاقة ذلك بالموضوع؟ إن "هيكل" يريد القول بأنه عاش في قرن قصير له قيمته.. والفكرة قديمة نجدها عند هوميروس ونجدها عند كونفوشيوس ونجدها عند ابن خلدون.. ولكن هيكل يعيد ويكرر اسم (إليك هوبس باوم) وكأنه سمع اسمه خطأ من دون أن يقرأ حرفاً واحدًا في كتابه المعروف! ونسمع هيكل مستطردا: "فواحد زي إليك هوبس باوم طلع بنظرية أو طرح علي الناس قُبلت أنا فيما أعتقد وأصبحت شأنها معتمد وهي إنه إحنا بنتكلم علي الحياة ولا نتكلم عن الأعداد، بنتكلم عن القيمة ولا نتحدث عن حساب قوائم حساب" (نص هيكل).
لم يطلع إريك هوبسباوم بأي نظرية، ثم تأتي يا هيكل لتتكلم عنها، وكأنك ترافقها وتفترض من عندياتك أن هوبسباوم قد طرحها علي الناس، وأن الناس قبلوها وأنت فيما تعتقد.. ثم تختلق أحجية من عندياتك أيضا بأن أصبح شأنها معتمداً معتمد عند من؟ لا ندري! هل عند الناس؟ هل الناس أنت؟ عندما تضيف باسم (إحنا = نحن) بتتكلم عن الحياة ولا تتكلم عن الأعداد.. وعن القيمة ولا عن حساب قوائم حساب! ربما كانت هذه "اللغة" مقصودة في إيصال رسالة لمن له نظرية حقيقية وليست وهمية.. نظرية في التحقيب التاريخي فرضت نفسها وصاحبها غريمك، وهي ليست مجرد فكرة أو رأي متداول وقديم.. إن من يريد أن يخاطبني بهذه اللغة الملتوية.. فليشهد فصولاً مريرة صعبة ، ولكن من يرد أن يخاطبني بصراحة، فسأقدر عند ذاك شجاعته.
ربما لا تفقه ماذا تعني لغة الحسابات والأرقام والأعداد بالمنهج الكمي والحسابي والإحصائي في دراسة التاريخ، ولعلك لا تدري أن أفضل النتائج والحقائق لا يمكن ان نقف عليها مضبوطة إلا من خلال الأرقام والأعداد.. إن أفضل الاحصاءات والأرقام هي التي يعالجها المؤرخ الحصيف.. ولا قيمة للتاريخ إذا كان لغوًا وكلامًا واسهابًا من قبيل الهذيان وهو يتلاعب بعواطف الناس وأفكارهم .. إن من له وجهات نظر عادية وطوباوية ولا حقيقة لها لا يستوي أبدًا مع من له نظرية في فلسفة التكوين التاريخي وتطبيقات عليها وسواء جاءت التطبيقات في قوائم أم جداول وأعداد.. فذاك هو منهج معقّد وصعب ومتطور في التاريخ، ساعدني جدًا في كشف التزييفات والأكاذيب والمفبركات التي مهر في صنعها من ليس له اي باٍع في العلوم التاريخية ولا في فلسفة التاريخ ، فكلاهما أكبر جدًا من صحفي هرم عاش علي صنع الأكاذيب. إنني أتحداك يا أستاذ هيكل أن تأتيني بتفصيلات مجتزأة أو كاملة عن النظرية المزعومة للمؤرخ إريك هوبسباوم الذي نعرف كتبه ومقالاته نحن معشر المؤرخين.. وأطالبك إن كنت ماهرًا في مثل هذه اللعبة بأن تذكر من هو صاحب آخر نظرية في التحقيب التاريخي اليوم سيما أنها تعتمد علي المنهج الكمّي الذي لا تفقه منه شيئًا.
الهروب ثانية: الأوداج المنتفخة
يتابع مستطردًا وهو ينفي عنه إدانات "تفكيك هيكل" قائلاً: أنا إلي حد ما باعتقد ولو إني برضه بأحذر ثاني أنا ما باتكلمش في التاريخ أنا باتكلم في التجربة الإنسانية بتكلم في تجربة حياة، أنا هاتكلم عاوز أتكلم علي تجربة ستين سنة أنا عشتهم مقاربًا ملاصقًا متصلاً متابعاً بالحوادث وأنا باعتقد إنه هذه الستين سنة لحسن الحظ.. لحسن حظي أنا يعني كانت سنوات حافلة ممكن أوي تعتبر بمقياس هوبس باوم ضمن القرون القصيرة في عددها ولكنها طبعا ستين سنة مش قصيرة، لكن هي تبقي ممكن تبقي القصور السنين قصيرة في عددها لكنها حافلة بكمية الكثافة غير المعقولة اللي فيها، يعني أنا لما أتصور إن إحنا جيلنا علي سبيل المثال وبأتكلم عن ستين سنة هي حاجة غريبة أوي هذه الستين سنة تكاد تكون ابتدأت مع نهاية أو قرب نهاية الحرب العالمية الثانية وتكاد تكون استمرت بأتكلم يعني عن النص الثاني من الأربعينات وبعدين تكاد تكون وصلت إلي مرحلة معينة المرحلة علي الأقل اللي هأتكلم فيها وتكاد تكون وصلت إلي هذه اللحظة ما بعد الحرب الباردة أي أنها الفترة العنيفة والحافلة بالأحداث التي صاحبت طول هذه الفترة اللي ظهرت فيها القوي النووية، الحرب الباردة طلعت وانتهت، الاتحاد السوفيتي ظهر علي شأنه ثم انهار، الولايات المتحدة الأمريكية تقدمت تقود العالم، امبراطوريات قديمة وقعت وبالتالي فهذا عصر كان طبعا مش عاوز أتكلم علي اللي حصل في الطيران اللي حصل في ثورة الاتصالات (Even ) حتي في الحاجات اللي بنستعملها كل يوم زي ال(Mobile) اللي بقي مسألة غريبة يعني.." (انتهي النص).
ماذا يمكنني قوله؟ قد نفهم هذا العالم كله ببساطة متناهية، ولكن من الصعب جدًا أن نفهم سيكولوجية إنسان لا يري في الوجود إلا نفسه.. ولا يري نفسه إلا وأنها فوق كل شيء.. ولا يري التاريخ متحركًا إلا من خلاله.. شخصية تتوهم الأوهام حقيقة وتوهم الناس بها إيهامًا عجيبًا.. إن اختلاق نظرية ووضعها علي لسان أعظم المؤرخين المعاصرين - علي حد زعمه - ومن ثم تطبيقها علي نفسه، لإيهام القارئ أو المستمع أو المشاهد بأن مقياس (هوبس باوم) يطبّق عليه.. وأن ستين سنة حافلة بكمية الكثافة غير المعقولة علي حد زعمه وكأن الناس لم تعش تلك المرحلة إلا هو نفسه فقط!! مرحلة ما بعد الحرب الثانية إلي ما بعد الحرب الباردة:
الفترة العنيفة الحافلة بالأحداث التي صاحبها مع ظهور الدول الكبري وأفولها مثل الاتحاد السوفيتي ومن ثم تقدّم الولايات المتحدة الأمريكية لقيادة العالم.. طيب كلها أحداث ووقائع قد حدثت ونحن ندركها جيدًا.. فما الجديد في أنك عايشتها كما عايشها غيرك؟ ماذا تريد أن تقول؟ إلا أنك رجل مهم جدًا كما تدّعي.. كل هذا اللف والدوران ونظرية لا وجود لها تضعها باسم مؤرخ اخترت اسمه ولم تدرك مضامينه. جعلتك تخسر جملة هائلة من الأوراق، أما إذا كنت لا تتفق مع ناقدك المؤرخ ومفكك أوصال نصوصك ، فلا حق لك في أن تغمز من قناة بعيدة، فالأجدي علي المرء أن يسكت من دون أن يستدعي اسماء مؤرخين آخرين ويتطّفل علي كتبهم التي لا ناقة لها بالموضوع ولا جمل!
ماذا أقول؟
إن "هيكل" يذهب بعيدًا ليس في توضيح ما يريد الوصول إليه، بل في إشعار الناس بأنه الرجل المسئول عن هذا التاريخ، اذ يريده كما هو يفكر، لا كما هي طبيعة الأشياء. إن متابعة مبسطة لبعض أحاديثه المرئية علي شاشة الجزيرة الفضائية بعنوان (مع هيكل)، أو أي قراءة لكل ما تحدث به وقاله علي الشاشة لابد أن يدفع كل مثقف حقيقي أو مؤرخ مختص أو أي كاتب حصيف إلي وضع جملة ما قاله أو بعض منه علي مشرحة النقد، وقد جعلني أنا شخصيا أضعه علي المشرحة، لا من أجل تفكيك نصوصه حسب، بل من أجل تشريح مقول قوله، أي باختصار: التوغل داخل النص الذي قاله، وهو المسئول الأول والأخير عنه. لقد توضح لنا من خلال التجربة النقدية كتلك التي قمنا بها أو الحالية التي نقوم بها اليوم.. إن "هيكل" ليست له القدرة علي مراجعة نفسه بعد أي حلقة يذيعها علي الناس، بل وليس له أي محاولة للتواضع أو التراجع عن الأخطاء التي يرتكبها.. إننا لا نريد أن يصغي لنقاده كما هو بقية كل الكتاب والمفكرين الذين يحترمون أنفسهم بالاستئناس لما يقوله غيرهم عنهم، بل نريده أن يراجع نفسه ويتحقق بنفسه من جملة هائلة من الهنات والسقطات التي يوقع بها نفسه، خصوصا من ناحية المعلومات، فكيف به وتفسيراته التي لا تمت للحقيقة بصلة!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.