لم يقف الأستاذ «عباس محمود العقاد» وحيداً فى معركته مع حزب الوفد، ولم تتوقف مقالاته النارية فى روزاليوسف اليومية ضد النحاس باشا زعيم الوفد ومكرم عبيد سكرتيره. وفوجئ حزب الوفد وزعامته بالشباب بل طلبة المدارس يؤيدون ويدعمون العقاد فى معركته. يرصد د.راسم محمد الجمال فى كتابه المهم «العقاد زعيمًا» تفاصيل ما جرى وقتها فيقول: قامت عدة مظاهرات طافت شوارع القاهرة مؤيدة للعقاد وللصحيفة - روزاليوسف - كما تجمع عدد كبير من الشباب المثقف فى دار الصحيفة، وعلى رأسهم وفد من طلبة مدرسة الهندسة جاءوا لتأييد الصحيفة والعقاد. وقامت بعد ذلك مظاهرات فى القاهرة وفى عدد من المدن الكبرى تأييدًا للعقاد، كما قامت مظاهرات أخرى تأييدًا للوفد. والملاحظ أن معظم التأييد للوفد جاء من لجانه فى القاهرة والأقاليم، فى حين أن العناصر المؤيدة للعقاد والصحيفة كانت مركزة فى الشباب، وخصوصًا الشباب المثقف، وهى العناصر المتطرفة بحكم طبيعتها، ومن الشباب الذين أيدوا العقاد وبرزوا بعد ذلك فى الحياة الثقافية والأدبية: طاهر أبوفاشا ،ونجيب محفوظ، وعبدالرحمن الشرقاوى، ونظمى لوقا وغيرهم. ويرصد الأستاذ «عامر العقاد» ابن شقيق العقاد فى كتابه «لمحات من حياة العقاد المجهولة» مظاهر مساندة العقاد فيقول: أحدثت حملات العقاد انشقاقًا فى جبهة الوفد فسارع آلاف الشباب الوفديين إلى تقديم استقالاتهم من الحزب واستنكروا مواقف النحاس التى كشفت حملات العقاد اللثام عنها، فانهالت برقيات التأييد على صحيفة روزاليوسف تؤيد موقف الكاتب الثائر من قضية الحرية والاستقلال. فأخذت الصحيفة تنشر صفحة كاملة كل يوم تضم برقيات التأييد ورسائله تحت عنوان «صفحة الرأى العام تؤيد العقاد» الكاتب الجبار الحر فى حملاته على الفلول المكرمية». ووسط الهجوم الكاسح على العقاد من صحافة الوفد فوجئ الجميع وعلى رأسهم «العقاد» نفسه بمجلة يسارية اسمها «الطليعة» تدافع عنه بمقال رائع رغم علمها بأن العقاد دائم الهجوم على الفكرين الشيوعى واليسارى. كتبت المجلة تقول: كان العقاد فى أول عهده منصرفًا للأدب الصرف ثم استيقظت فيه العاطفة الإنسانية فأحس بكل ثقل القيود التى ترزح تحتها من جراء الاستعمار فانضم إلى الحركة الوطنية وأيقن أن أكثر القائمين بها من تجار يستثمرون سذاجة الشعب ليصلوا إلى الشهرة أو الثروة متلاعبون يصرخون فى المظاهرات فى وجه الظلم والاستبداد وهم يبنون رفاهيتهم على بؤس الفلاحين والعمال. إزاء ذلك عرف العقاد أن أمامه واقعًا أوسع وميدانًا أشرف وأنظف يجمع بين غيرته الوطنية ونزعته الإنسانية الشريفة فاتجه نحو حركة العمال ينفخ فيها من قوة بيانه وتوقد إيمانه، وكان اتجاه العقاد هذا جوابًا بليغًا على الذين يحسبون أن ثمة تعاكسا بين النزعة الوطنية والنزعة الإنسانية وأن الثانية تضعف من قوة الأولى فى حين أنهما متفقتان ومكتملتان الواحدة للأخرى. عسى أن يكون مثل العقاد مشجعًا لبعض أدبائنا ووطنينا كى يقلعوا عن أساليبهم البالية فيتمشوا مع روح العصر ومقتضياته، ويعلمون أن المناداة بالأمانى القومية والحقوق المهضومة والحرية السياسية مناداة عظيمة وتمثال بلا روح إذا لم يبثوا فى داخلها برنامجًا واقعيًا محسوسًا لإصلاح الأوضاع الاجتماعية الحاضرة والاهتمام بالعدد الأكبر من الشعب. بقى أن أقول صاحب الفضل فى اكتشاف المقال النادر هو الأستاذ رجاء النقاش الذى نشره فى كتابه عباس العقاد بين اليمين واليسار. وللذكريات بقية!