الوعى هو حياة الأمم به تستقيم طرق النهضة، وبدونه تتعثر المجتمعات وتصبح عرضة للتراجع والتلاعب والاختراق وفى الزمن الذى نعيشه اليوم زمن اللا يقين وفقدان الثقة واضطراب المعايير، وتتابع الصراعات والأزمات الإقليمية والدولية، تبرز قضية الوعى المجتمعى بوصفها واحدة من أخطر وأهم القضايا الاجتماعية التى تتطلب انتباهًا وطنيًا عاجلًا فغياب الوعى أو تراجعه لا يعنى فقط ضعف الإدراك، بل فقدان القدرة على قراءة التحديات، ومواجهة المخاطر، واتخاذ القرار الرشيد. وقد أدرك المفكر المصرى جمال حمدان أن الوعى الجمعى هو جوهر الشخصية الوطنية، وأن تماسك المجتمع المصرى عبر تاريخه الطويل لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج وعى متراكم تشكّل عبر آلاف السنين من العيش المشترك، والقيم الإنسانية والاجتماعية التى صانت هذا التعايش ورسّخت مفهوم الدولة والمصير الواحد. كما أشار الدكتور أحمد عكاشة فى تحليلاته للشخصية المصرية إلى أن ضرب الوعى هو أخطر أشكال الحروب الحديثة، لأنه يستهدف الإنسان من الداخل دون طلقة واحدة. ولم يكن الوعى فى التاريخ المصرى مجرد حالة ذهنية، بل شكّل رأس المال الاجتماعى الحقيقى الذى راكمه المصريون عبر القرون، وهو ما مكّنهم من تجاوز الانكسارات، وإعادة بناء الدولة بعد كل أزمة. وفى ظل التحديات والتهديدات التى تواجهها مصر، باتت قضية الوعى مسألة وجودية، لا تقل أهمية عن الأمن والاقتصاد، بل توازى أهمية الشمس للحياة، والروح لجسد الإنسان. ومن هذا المنطلق، شهدت الأكاديمية العسكرية المصرية نقاشًا علميًا رفيع المستوى حول هذا الملف الحيوى، وقد عكس تعليق أربعة وزراء معنيين بالشأن الثقافى والتعليمى والدينى والشبابى إدراكًا رسميًا بأن معركة الوعى هى معركة الدولة والمجتمع معًا، وأن حمايته وتنميته لم تعد مسئولية جهة واحدة، بل مشروع وطنى تتكامل فيه الأدوار، وتتلاقى فيه مؤسسات الدولة لبناء إنسان واعٍ، قادر على الفهم، والتمييز، والمشاركة فى صناعة المستقبل.
وزير التربية والتعليم: مناهج متميزة لمواجهة الشائعات.. و«الفيك نيوز» داخل العربى والإنجليزى
محمد عبد اللطيف وزير التربية والتعليم أن ملف الوعى وبناء الانتماء الوطنى يمثل محورًا رئيسيًا فى تطوير المناهج التعليمية، مشيرا إلى أن الوزارة طورت 94 منهجًا دراسيًا مشددًا على أن المتحف المصرى والحضارة والهوية الوطنية حاضرة بوضوح فى مناهج اللغة العربية والدراسات الاجتماعية، ولأول مرة فى تاريخ التعليم المصرى داخل مناهج اللغة الإنجليزية. وأوضح الوزير أن مناهج اللغة الإنجليزية الجديدة لا تكتفى بتعليم اللغة، بل تقدم محتوى يعكس الهوية المصرية، ويتناول تاريخ مصر وأماكنها ومعالمها، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن "لا أحد يحب وطنًا لم يره"، وأن بناء الانتماء يبدأ من تعريف الطالب بوطنه منذ الصغر، سواء من خلال المناهج أو الرحلات المدرسية أو الحوار المستمر داخل الفصول. وأشار إلى أن المناهج الحالية خضعت لدراسات دقيقة، بحيث يبنى كل درس "طوبة" فى أساس شخصية الطالب، سواء على المستوى الأخلاقى، أو فى الانتماء الوطنى، أو فى الوعى بقضايا العصر، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعى وخطر الأخبار المضللة. ولفت إلى أن موضوع "الفيك نيوز" أصبح جزءًا أصيلًا من مناهج اللغة العربية واللغة الإنجليزية، من خلال دروس متخصصة تهدف إلى تنمية التفكير النقدى لدى الطلاب، وحمايتهم من التضليل الإعلامى. وفيما يتعلق بالمدارس الدولية، كشف الوزير عن اتخاذ قرارات غير مسبوقة هذا العام، أبرزها إدخال مادتى اللغة العربية والتاريخ ضمن المجموع، بعد أن كانت مهملة لسنوات، مؤكدًا أن الوزارة تنفذ حملات رقابية للتأكد من الالتزام بالنصاب القانونى لهاتين المادتين. وأضاف أن نسبة النجاح فى مادة التربية الدينية رُفعت من 50% إلى %70 فى جميع المراحل التعليمية، من الابتدائى حتى الثانوى، مع إعداد المنهج بالتعاون مع الأزهر الشريف، ومراجعته من الكنيسة المصرية فيما يخص التربية المسيحية، وتطبيقه كذلك فى المدارس الدولية. وفى إطار مواجهة الوعى الزائف، أعلن الوزير تدريس البرمجة والذكاء الاصطناعى لأول مرة فى الصف الأول الثانوى، من خلال منصة تعليمية يابانية مترجمة إلى اللغة العربية، موضحًا أن عدد الطلاب الذين استخدموا المنصة تجاوز 236 ألف طالب، رغم أن التوقعات كانت تتراوح بين 100 و150 ألفا فقط.
وزير التعليم العالى: رؤية جديدة لإعداد خريج لسوق العمل.. اكتشاف المواهب وتعزيز ريادة الأعمال
أكد الدكتور محمد أيمن عاشور، وزير التعليم العالى والبحث العلمى، أن التعليم العالى يمثل إحدى أهم ركائز بناء الوعى المجتمعى، مشددًا على ضرورة التعامل مع مفهوم الوعى باعتباره عملية ممتدة ومختلفة باختلاف المراحل العمرية، وليس قالبًا واحدًا يُطبق على جميع الفئات. وأوضح الوزير أن تقسيم الشرائح العمرية، خاصة الفئة من 18 إلى 29 عامًا، يحتاج إلى إعادة نظر علمية ومنهجية، بما يتوافق مع المعايير الدولية، مشيرًا إلى أن منظمة اليونسكو تُصنّف التعليم الجامعى عالميًا فى الفئة العمرية من 18 إلى 22 عامًا، وهو ما يستدعى قياس الوعى قبل هذه المرحلة وأثناءها وبعدها، وفق احتياجات كل فئة عمرية وخصوصيتها. وأشار الوزير إلى أن رؤية وزارة التعليم العالى منذ توليه المسئولية لم تقتصر على تطوير المناهج فقط، بل استهدفت إعادة هيكلة المنظومة التعليمية بالكامل، وعلى رأسها إعادة تشكيل المجلس الأعلى للجامعات، من خلال إضافة قطاعات جديدة لم تكن موجودة من قبل، أبرزها قطاع البرامج البينية، التى تقوم على التداخل العابر للتخصصات بما يتواكب مع متطلبات سوق العمل. وأوضح أن هذه البرامج يتم تصميمها بالشراكة مع الصناعة، وتخضع للتحديث الدورى كل 5 إلى 7 سنوات، بما يضمن إعداد خريج قادر على التفاعل مع احتياجات الدولة وسوق العمل، وليس مجرد الحصول على شهادة جامعية. وأكد الوزير أن بناء شخصية الطالب المتكاملة يمثل أولوية قصوى للوزارة، موضحًا أن رعاية الطلاب لا تقتصر على الجانب الأكاديمى فقط، بل تمتد إلى الأنشطة الرياضية والثقافية والاجتماعية، واكتشاف المواهب، وتعزيز روح الابتكار وريادة الأعمال، من خلال منظومة متكاملة من المسابقات والبرامج غير التقليدية. واستعرض الوزير عددًا من النماذج الناجحة، من بينها برنامج GNZ، الذى يهدف إلى اكتشاف المواهب وتنمية التفكير الإبداعى لدى الطلاب وتأهيلهم للمستقبل، إلى جانب برنامج كاستينج المنوعات لاكتشاف وتشجيع المواهب الفنية، بما يحصّن الشباب من التأثيرات السلبية لبعض المنصات الإلكترونية.
وزير الشباب والرياضة: الدولة تواجه «اللخبطة المعرفية» ببرامج مستدامة تبدأ من الطفولة
قال الدكتور أشرف صبحى، وزير الشباب والرياضة، أن المرحلة الحالية تفرض ضرورة بناء تكامل حقيقى بين مؤسسات الدولة، وعلى رأسها القوات المسلحة، فى إطار دورها التنموى والمجتمعى، بما ينعكس مباشرة على تنمية الوعى وبناء الإنسان المصرى، مشيرًا إلى أن هذا التكامل يمثل فرصة حقيقية لتحويل الرؤى البحثية إلى برامج تنفيذية مؤثرة على أرض الواقع. وأوضح الوزير أن التحدى الأبرز الذى واجهته الدولة على مدار سنوات يتمثل فى الفجوة بين البحث العلمى وآليات التطبيق، مؤكدًا أن الجديد فى الطرح الحالى هو الانتقال من مرحلة التنظير إلى مرحلة التنفيذ، من خلال تعاون وزارى شامل ضمن المجموعة الوزارية للتنمية البشرية، بما يضمن توظيف النتائج البحثية عبر أدوات مالية واقتصادية ومؤسسية واضحة ومستهدفات قابلة للقياس. وأشار الدكتور أشرف صبحى إلى أن العالم يشهد تحولات غير مسبوقة بفعل هيمنة الإنترنت والموبايل، وهو ما أحدث حالة من الارتباك المجتمعى والمعرفى، لافتًا إلى أن القضية لم تعد تقتصر على "مشكلة وعى"، بل أصبحت قضية "كيفية بناء الوعى وتنميته" بصورة مستدامة، خاصة فى ظل التحديات المرتبطة بالأمن القومى وحروب المعلومات. وأوضح أن الفئة العمرية من 18 إلى 39 عامًا، والتى تمثل ما يقرب من 40 مليون مواطن، تضم شريحة تُقدَّر بنحو 21 مليون شاب يعانون من حالة "لخبطة معرفية" نتيجة التعرض المكثف وغير المنضبط للمحتوى الرقمى. وشدد الوزير على أن مواجهة هذه الإشكالية لا يمكن أن تقتصر على هذه الفئة فقط، بل تستوجب البدء المبكر ببرامج تنشئة اجتماعية تمتد من مرحلة ما قبل سن 6 سنوات وحتى 18 عامًا، فى ظل تعرض الأطفال المبكر للمعرفة الإلكترونية، وما يترتب عليه من تشوش فى القيم والوعى، مؤكدًا أن هذا المسار يحتاج إلى دراسة مستقلة وبرامج طويلة المدى. وفى هذا السياق، أعلن الوزير دعمه لتوصية إنشاء مجلس قومى لتنمية الوعى، قائم على الاستدامة وليس المعالجات المؤقتة، بحيث يعمل عبر مراحل النمو المختلفة، ويستند إلى مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وعلى رأسها الأسرة، والمدرسة، والجامعة، ودور العبادة، ومراكز الشباب، باعتبارها أدوات رئيسية لبناء الشخصية المتكاملة نفسيًا وعقليًا واجتماعيًا. وأشار إلى أهمية الانتقال من المبادرات الوقتية إلى البرامج المستدامة، موضحًا أن المبادرات وحدها تُحدث تأثيرًا مرحليًا، بينما تحقق البرامج المستمرة أثرًا طويل المدى، مؤكدًا ضرورة الدمج بين الاثنين فى إطار رؤية وطنية موحدة.
وزير الأوقاف: نتصدى لحروب الشك بالفكر والعلم والخطاب الدينى المستنير
أشار الدكتور أسامة الأزهرى، وزير الأوقاف، إلى أن الاستراتيجية المقترحة لتنمية الوعى المجتمعى فى ظل التحديات الراهنة تمثل نموذجًا علميًا رصينًا لحماية الأمن القومى المصرى، مشددًا على أن الدور الوطنى للقوات المسلحة لا يقتصر على حماية الأرض والحدود، بل يمتد إلى ميدان البحث العلمى وإنتاج الدراسات الاستراتيجية العميقة التى تحشد العقول والخبرات، وتسهم فى بناء الوعى وصون الدولة. وأوضح الدكتور أسامة الأزهرى أن وزارة الأوقاف أطلقت منذ توليه المسئولية استراتيجية متكاملة تقوم على أربعة محاور رئيسية، فى مقدمتها إطفاء نيران التطرف الدينى، عبر تحريك طاقات الأئمة والخطباء والواعظات والمساجد فى مختلف أنحاء الجمهورية، لتقديم خطاب دينى واعٍ يحصن العقول ويفكك أطروحات التطرف، حماية للوطن فى ميدان الفكر والوعى. وأشار إلى أن المحور الثانى يتمثل فى مواجهة التطرف اللادينى المضاد، من خلال تحصين الوعى المجتمعى ضد مظاهر التراجع القيمى والسلوكى، والتصدى لقضايا الإلحاد والتنمر والتحرش وارتفاع معدلات الطلاق، إلى جانب ترسيخ آداب الطريق والسلوك العام. وأضاف الوزير أن المحور الثالث يركز على بناء الإنسان، بينما يختص المحور الرابع بصناعة الحضارة، موضحًا أن الوزارة قامت برصد وتحليل أبرز الدراسات والمؤلفات التى تناولت تطور شخصية الإنسان المصرى خلال العقود الأخيرة، للكشف عن مواطن القوة ومظاهر التراجع، وفى مقدمتها التأثير العميق لوسائل التواصل الاجتماعى وما تحمله من موجات تشكيك ممنهجة. وأكد الوزير أن استهداف وعى الإنسان المصرى ليس وليد اللحظة، بل بدأ بشكل مكثف عقب انتصار أكتوبر 1973، عبر مسارات متدرجة استهدفت التشكيك فى مؤسسات الدولة، ثم فى التاريخ الوطنى، وصولًا إلى التشكيك فى الذات المصرية نفسها، بما يزرع اليأس والإحباط ويقوض الثقة. وشدد على أن أخطر ما يواجه المجتمع هو ضرب الثقة، موضحًا أن حماية الوعى الوطنى تعنى ترسيخ الثقة فى مؤسسات الدولة، والاعتزاز بالتاريخ المصرى المشرف، وتعزيز الثقة بالذات والقدرة على تجاوز الأزمات وبناء المستقبل.