إذا كان العرب ضيعوا الفرصة فى دحر الجيش العثمانى فى سوريا، فينبغى أن يغتنموها فى ليبيا، فالرياح لا تأتى كما تشتهى السفن التركية المرابطة قبالة السواحل الليبية. وإذا كان الجيش التركى بقى فى سوريا، فيجب أن يغرق فى بحار ليبيا، أو يدفن فى رمالها. هذه فرصة جديدة تسنح أمام العرب لدحر عدو إقليمى تاريخى يقطم كل يوم قطعة من الجسد العربى المهترئ. عدو لم يتخل يومًا عن أطماعه وطموحاته فى أن يعود زمن استعباده للعرب واستباحته لأعراضهم، والتاريخ زاخر بحكايات الحرملك والغلمان ويعج بالفظائع، وفى ليبيا على وجه التحديد، بداية من اغتصاب طفل أمام والده الذى أخذ يصرخ لإنقاذ ابنه، فما كان من العثمانيين إلا قتله، إلى اغتصاب النساء علانية وقتل الرجال وأكل لحومهم .. وإذا كنت لا تصدق، فعليك بقراءة كتاب (التذكار فيمن ملك طرابلس وما كان بها من الأخيار)، وكتاب (ولاة طرابلس، من الفتح العربى إلى نهاية العهد التركى). فعل الأتراك كل ما تتخيله، وما لا تتخيله بليبيا، ثم باعوها للإيطاليين بعد إتفاقية (أوشى-لوزان) التى وقعها العثمانيون مع الإيطاليين عام 1912. ولست هنا فى معرض تاريخ تركيا القذر فى ليبيا، ولكن وجبت الإشارة من ماضى يستحضره الأتراك أمام أعيينا .. فتركيا تضع قدمها فى أى أرض عربية رخوة، أو كلما اهتزت الدولة الوطنية «سوريا والعراق وليبيا» مثال صارخ. وفى كل مرة لا يعدم أردوغان الحجة، حتى لو كانت مضحكة. محاربة الأكراد مرة، أو الدفاع عمن أصولهم تركية مرات.. قالها من دون خجل أو مواربة : «لدينا مليون مواطن من أصول تركية فى ليبيا يجب أن ندافع عنهم«. تتغير سريعًا التحالفات الإقليمية والدولية فى المنطقة، ولعل الساحة الليبية تكون المثال الكاشف على ذلك. جاءت التحركات التركية الأخيرة، استغلالاً انتهازيا، لكل ما يجرى .. تحرك أردوغان بثقة، فى البداية، نحو تونس لتكون نقطة تمركز وانطلاق لقواته العسكرية نحو ليبيا.. زار أردوغان تونس حاملًا قواه العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية لبلد بدا وكأن الأمر آل بالكامل لجماعته هناك.. رجع أردوغان من تونس، فقط برائحة دخان استنشقه فى حضور رئيس تونس قيس سعيد، وانتظر تفسيرًا من رجله، راشد الغنوشى، الذى هرول سريعاً إلى تركيا والتقى زعيمه لساعتين خلف أبواب مغلقة، لكن يمكن أن يستشف ما خفى .. الظاهر وقتها أن تونس صدت الباب أمام العثمانى رغم الاغراء الاقتصادى عبر البوابة القطرية، لكن دخول مرتزقة كثر إلى ليبيا جعل الأنظار تتجه مجددًا نحو تونس، إذ ربما تكون الدولة الموازية لعبت دوراً أكبر من الدولة الرسمية، أو لعبت من وراء ظهرها. كل ما جرى فى تونس، وقتها، كان بمثابة صفعة غير متوقعة لأردوغان الذى اتجه إلى الجزائر، فحدودها مع ليبيا أكبر، بما يسمح بتطويق أسرع لقوات الجيش الليبى. فضلاً عن رغبة جزائرية للعب دور أكبر فى ليبيا والإقليم ..كانت الإشارات التحذيرية الآتية من الجزائر باعتبار طرابلس «خطًا أحمر» فى وجه الجيش الليبى بمثابة مواربة للباب أمام جيش أردوغان.. جاء التحرك الجزائرى وكأنه تعويض أردوغان عن خسارة تونس، فى ظل تصاعد تيارات الإسلام السياسى فى الجزائر وتغييب الموت لقائد الجيش هناك .. وبتغير التحالفات الإقليمية قليلاً، سعت تركيا لإحداث اختراق فى التحالف الإقليمى عن طريق روسيا من خلال مقايضات اقتصادية وعسكرية لكى تضمن موقفاً روسياً محايداً على الأقل، إن لم يكن ضاغطاً على الجيش الليبى. وفى المقابل عدم التصعيد التركى فى شمال سوريا، ونقل المرتزقة السوريين الموالين لتركيا إلى ليبيا مما يخفف الضغط على الجيش السورى. فحين ضغطت روسيا بوقف إطلاق النار كان ذلك بمثابة القشة التى انقذت الغريق الذى انقطعت سبل تواجده القوى والمضمون العواقب على الأرض الليبية. وقف إطلاق النار يعنى ضمان بقاء الحكومة التى وقعت لأردوغان، واستمرار الحرب يعنى زوالها وبالتالى انتهاء الاتفاق الذى تم مع السراج إذا ما دخل الجيش طرابلس وسيطر على العاصمة. خصوصاً أن هذه الاتفاقية مرفوضة من البرلمان الليبي. كل هذه الأسباب دفعت خليفة حفتر لإدراك حجم المؤامرة واتخاذ قراره بإسقاط اتفاق الصخيرات لينزع الغطاء عن كل هذه التحركات، ومن هنا جن جنون الأتراك الذين اعتقدوا أنهم ضمنوا موضع أقدامهم فى ليبيا فى ظل السراج. إذن يقاتل أردوغان الآن من أجل ضمان استمرار اتفاقه مع السراج. ذلك الاتفاق الذى جعل له مسمار جحا فى ليبيا ومنطقة المغرب العربى لتطويق مصر، العقبة الكبرى أمام مشروعه، وكذلك مزاحمة جيرانه الأوروبيين فى ثروة المتوسط من الغاز ... يتحرك أردوغان تحت غطاء المقايضة وضرورة الحاجة، لكنه يجهل أن خطوته تقابل بخطوات فى الاتجاه المقابل.. القاهرة تحركت سريعًا وقاربت بين إيطاليا وفرنسا، وسعت لدور متوازن لأوروبا التى تربطها شواطئ كبيرة مع ليبيا قد تكون مصدرة لمشاكل كثيرة للضفة الأخرى من المتوسط أقلها الهجرة غير الشرعية، ووصول الإرهابيين بأعداد ضخمة إلى أراضيهم، إذا ما تفاقم الوضع بغزو عثمانى. لهذا كانت القرارات الأوروبية بتشكيل وحدات لمراقبة تهريب السلاح إلى ليبيا بمثابة صفعة لم تكتمل على وجه أردوغان. وهنا ينبغى أن يكون هناك تنسيق جيد مع الأوروبيين المدركين لمساعى تركيا، وتهديدها الدائم للدول الأوروبية بقضايا مثل المهاجرين والسعى لسرقة غاز قبرص والتصادم مع إيطاليا واليونان. فالنفوذ التركى فى ليبيا من شأنه أن يقوض المصالح والنفوذ الأوروبى فى أفريقيا، بإلاضافة لأهمية النفط الليبى وموقعها الجغرافى.. كل هذه التناقضات تجتمع لإيجاد حل يبدو وكأنه المستحيل، فى وجه نذر حرب عربية عثمانية، أو هكذا يجب أن يعتبرها العرب، لتكون نهاية جديدة للعثمانية الجديدة.