«هو إمام المساجد ومطلع الأنوار اللوامع، طوبى لمن حافظ على الصلوات فيه وواظب على القيام بنواحيه» مسجد عمرو بن العاص منارة العلم والحكم والقضاء.. اللبنة الأولى للعمارة الإسلامية فى إفريقيا غرست فى فسطاط مصر. عندما فتح عمرو بن العاص الإسكندرية أرادها عاصمة لمصر فأمره عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن ينزل المسلمين منزلًا لا يحول بينه وبينهم نهر ولا بحر، فاختار مكان فسطاطه ونزل هناك فسميت البقعة باسم الفسطاط، واتخذ دار قيسبة بن كلثوم التجيبى الذى جاء إلى مصر مع عمرو بن العاص لوضع أساس الجامع، فقد تنازل قيسبة عن داره لبناء الجامع،الذى سمى باسمه، وكان يعرف أيضًا بمسجد الفتح، والمسجد العتيق،وتاج الجوامع، وكان أول إنشائه مركزا للحكم ونواة للدعوة للدين الإسلامى بمصر. وضع أساس الجامع أربعة من الصحابة وهم أبو ذر الغفارى وأبو صبرة ومحمئة بن جزء الذبيدى، ونبيه بن صواب الذى كان يضع الطوب اللبن بيده، وقال بن ميسر فى تاريخه وهو الذى كان يهندس معهم (وهو ابن أخ المقوقس) حيث طلب منهم أن يتخذوا الكنيسة العظمى ليحل مكانها الجامع لأنه اعتنق الدين الإسلامى الحنيف، وإن الذى أقام المحراب لهذا الجامع هو عبادة بن الصامت ورافع بن مالك، ثم أمر عمرو بن العاص بإقامة القبلة، وهو كان الوالى على مصر يومئذ، فبنى هذا الجامع فى سنة 21 من الهجرة. مساحة المسجد وتوسعاته كانت مساحة الجامع وقت إنشائه 50 ذراعًا فى 30 ذراعًا بما يعادل (675 مترًا) وظل كذلك حتى عام 53ه / 672م حيث توالت التوسعات. حتى وصلت مساحته بعد عمليات التوسيع المستمرة نحو أربعة وعشرين ألف ذراع معماري، وهو الآن120 فى 110أمتار (أى حوالى 13200 متر). والمسجد فى البداية كان له بابان يقابلان دار عمرو من الجهة الشرقية و وبابان آخران فى الناحية البحرية وبابان فى غربه. وكان الخارج من المسجد إذا خرج من من زقاق القناديل وجد ركن المسجد الشرقى محاذيا لدار عمرو. وكان سقف المسجد منخفضًا ومكون من الجريد والطين محمولًا على ساريات من جذوع النخل كما كانت الحوائط من الطوب اللبن وغير مطلية، ولم يكن به صحن، وكانت أرضه مفروشة بالحصباء، وبه بئر تعرف بالبستان استخدمه المصلون وقتها للوضوء، وظل كذلك حتى عام»53ه 672م»، حيث توالت التوسعات فزاد من مساحته مسلمة بن مخلد الأنصارى والى مصر من قبل معاوية بن أبى سفيان وأقام فيه أربع مآذن، وتوالت الإصلاحات والتوسعات بعد ذلك على يد من حكموا مصر حتى وصلت مساحته بعد عمليات التوسيع المستمرة نحو أربعة وعشرين ألف ذراع معمارى.، وكانت المسافة بين الجامع وبيت عمرو بن العاص 7 أزرع، ثم أخذ الجامع فى الاتساع بحسب احتياج أهله. يذكر كتاب «القاهرة جوامع وحكايات» للمؤلف حمدى أبو جليل «بدأ عمرو بن العاص فى بناء الفسطاط وأطلق عليه اسم «مسجد الفتح»، ثم «الجامع العتيق»، و«تاج الجوامع»، ثم استقر على اسمه عمرو بن العاص، وهو صاحب مكانة رفيعة بين مساجد القاهرة باعتباره رابع مسجد جامع بعد المسجد الحرام ومسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام والمسجد الأقصى. تصميم المسجد المعمارى يوجد بالركن الشمالى الشرقى لرواق القبلة قبة يرجع تاريخها إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، أما صحن الجامع فتتوسطه قبة مقامة على ثمانية أعمدة رخامية مستديرة الشكل، وكانت نوافذ الجامع القديمة مزخرفة بزخارف جصية ما زالت بقاياها موجودة بالجدار الجنوبي، ويتوج واجهات الجامع من الخارج من أعلى شرافات هرمية مسننة، كما أن للجامع مئذنة يرجع تاريخها إلى عصر مراد بك، وهى مئذنة بسيطة تتكون من دروة واحدة ذات قمة مخروطية. فيما يحكى لنا الرحالة ناصر خسرو الذى زار الجامع خلال (1045م – 1047م) فى عهد الخليفة المستنصر الفاطمى ووصفه بأنه كان قائما على أربعمائة عمود من الرخام، وكان يوقد فى ليالى المواسم بأكثر من أربعمائة قنديل، ويفرش بعشر طبقات من الحصير الملون، وهو مكان اجتماع سكان المدينة الكبيرة، ولا يقل من فيه فى أى وقت عن خمسة آلاف من طلاب العلم والغرباء والكتاب الذين يحررون الصكوك والعقود. القيمة التاريخية يعد مسجد عمرو بن العاص أول جامعة إسلامية قبل الأزهر والزيتونة والقيروان، حيث تلقى فيه طلاب العلم كل علوم اللغة العربية والدين الإسلامى الحنيف، وهو الأثر الإسلامى الوحيد الباقى منذ الفتح الإسلامى لمصر، ومن أشهر تلاميذه الإمام الليث بن سعد، والإمام الشافعى، والسيدة نفيسة، وابن حجر العسقلانى، وسلطان العلماء العز بن عبدالسلام. ظل الجامع على مساحته وعمارته الأولى طوال فترة الخلفاء الراشدين ولم يشهد أى إصلاحات أو إضافات سوى فى عهد الخليفة معاوية بن أبى سيفان الذى أمر والى مصر مسلمة بن مخلد الأنصارى بزيادة مساحة الجامع فضم إليه مساحة كبيرة وبنى به أربع صوامع فى أركانه وفرشة بالحصير، أما الزيادة الثانية فكانت فى عهد عبدالعزيز بن مراون الذى هدمه ووسع مساحته سنة 79 هجريًا. رغم أن الجامع الأزهر كان مسجد الدولة الرسمى فى عصر الخلافة الفاطمية، إلا أنهم أولوا اهتمامًا شديدًا بجامع عمرو بن العاص وأحاطه العزيز بالله ثانى الخلفاء الفاطميين بمساقف الخشب وجدد بياضه، وكذلك الخليفة الحكام بأمر الله الذى يقال أنه اشترى أرضه من أحفاد عمرو بن العاص، وأضاف إلى مكتبته 1298 مصحفًا كان بعضها مكتوبًا بماء الذهب، وأولى لهذا الجامع نجفة من الفضة بلغ وزنها سبعة قناطير وقيمتها مائة ألف درهم، ونظرًا لضخامتها لم تتمكن جموع الناس من إدخالها للجامع إلا بعد أن افتلقت عتبات بابه الكبير، وبنى الحاكم بأمر الله فى الجامع رواقين ومقصورة من الخشب ومحرابًا منقوشًا وعمودين من خشب الصندل. عمارة الجامع من الخارج دُمر الجامع بالكامل عندما احرق الفاطميون ووزيرهم «شاور» مدينة الفسطاط خوفًا من استيلاء الصليبين عليها وتركوا النار ترعى فيه 54 يومًا، وتهدمت الفسطاط وتم تخريب مبانيها ثم تم تجديدها فى عهد صلاح الدين الأيوبى وأعاد ترميميه وتجديده السلطانان المملوكان الظاهر بيبرس البندقدارى والمنصور قلاوون الذى ما زالت الشبابيك التى ركبها على شرفاته موجودة حتى الآن بواجهته الغربية وكذلك المحراب الجصى الخارجى فى هذه الواجهة والذى يحتوى على شريط من الكتابة بخط الثلث وزخارف نباتية. أما عن آخر الإصلاحات بالجامع كانت من نصيب الأمير مراد بك آخر الحكام المماليك واتفق عليه أموالا باهظة فأقام أركانه وشيد ببنائه ونصب أعمدته وبنى به منارتين وجدد سقفه بخشب السرور وبيض جدرانه وفرشه بالحصير الفيومي، وسجل إصلاحاته فى إشعار ما زالت محفورة بجدران الجامع. حين قدوم الحملة الفرنسية مصر جرى على الجامع ما جرى على غيره من الهدم والتخريب ونهبت أخشابة ونقوشه، فقال المؤرخ على مبارك «أشوه مما كان أيام حريق الفسطاط وانهار سقفه وصدعت جدرانه، وظل يعانى الإهمال فترة طويلة حتى أعيد بناؤه منذ سنوات قليلة ضمن مشروع معمارى كبير عرف بمشروع مجمع الأديان». كان الجامع مقرًا لحلقات الدرس لنشر الإسلام كأول مسجد بنى فى القاهرة، ولم يكن مسجدًا فقط بل كان محكمة لحل جميع المشاكل بين القبائل، كما كان يضم بيت مال المسلمين، والذى يصرف منه على أيتام الدولة. أما حاليًا فى المسجد صحن أوسط مكشوف سماوى أكبرها وأعظمها رواق القبلة، يضم 3 محاريب هو محراب رئيسى ومحرابان جانبيان كأشكال تذكارية، لأن كل خليفة ممن حكموا مصر ودشنوا توسعات يطلق على اسمهم محراب معين ومن ضمنهم مراد باك، والمسجد يحتوى على دكة المبلغ وهى من أكبر دكك المساجد.