كتب- أحمد إمبابى وأحمد سند ترجمة - أميرة يونس ووسام النحراوى وقع الرئيس عبد الفتاح السيسى صباح أمس بنود إعلان المبادئ الخاص بسد النهضة الإثيوبي، مع كل من رئيس الوزراء الاثيوبى والرئيس السودانى «عمر البشير» وعدد من الوزراء السودانيين والسفراء العرب وسفراء دول حوض النيل، بالإضافة إلى السفير المصرى بالخرطوم وأعضاء السفارة المصرية. وذلك عقب وصوله صباح أمس إلى العاصمة السودانية الخرطوم، وبعد إجراء مراسم الاستقبال الرسمى التى شملت استعراض حرس الشرف وعزف السلامين الوطنيين، توجه الرئيسان إلى القصر الجمهورى بالخرطوم، حيث تم عقد جلسة مباحثات ثلاثية مُغلقة بمشاركة رئيس الوزراء الإثيوبى «هيلاماريام ديسالين»، تلتها جلسة مباحثات موسعة بحضور وفود الدول الثلاث وتلى ذلك مراسم التوقيع على إعلان المبادئ الخاص بسد النهضة الإثيوبي، بمشاركة عدد من ممثلى بعض دول حوض النيل. وقد ألقى الرئيس كلمة بمناسبة التوقيع على إعلان المبادئ هذا نصها: أبناء النيل فى مصر والسودان وإثيوبيا وفى كل دول حوض النهر العظيم.. أحدثكم من عاصمة عزيزة على قلب كل مصرى.. من أرض السودان الذى كان ومصر وطناً واحداً.. وأضحى بلداً شقيقاً عزيزاً.. وظلت محبته فى قلب كل مصري.. وطناً ثانياً يتوق إليه.. وقيمةً كبيرة يعتز بها.. وأود فى البداية أن أتوجه إلى أخى فخامة الرئيس عمر البشير.. ومن خلاله إلى شعب وحكومة جمهورية السودان الشقيقة.. بخالص التقدير والامتنان على تنظيم هذه المناسبة المهمة واستضافتها فى مدينة الخرطوم.. غير بعيد عن نهر النيل الخالد.. هذا النهر الذى وهبه الخالق لشعوبنا لنقيم به الحياة ولنبنى على ضفافه الحضارة.. ولنجعله سوياً محوراً للتعاون والإخاء.. للتنمية والرخاء.. من أجل شعوبنا التى تتطلع إلينا وتعلق آمالاً كبيرة على بزوغ فجر جديد ومستقبل واعد.. من خلال هذه الخطوة الأولى التى نخطوها معاً.. على طريق التفاهم والتقارب وتحقيق المصالح المشتركة. إن توقيعنا على اتفاق إعلان المبادئ الخاص بالتعاون بين مصر وإثيوبيا والسودان حول مشروع سد النهضة هو تلك الخطوة الأولى.. فلقد كان هذا المشروع مصدر تطلعات وشواغل شعوب دولنا الثلاث على مدى السنوات الماضية.. فبالنسبة للملايين من مواطنى إثيوبيا.. يُمثل سد النهضة باعثاً على التنمية من خلال إنتاج الطاقة النظيفة والمُستدامة.. بينما يمثل لأشقائهم على ضفاف ذات النيل فى مصر.. والذين يساوونهم فى العدد تقريباً.. يُمثل هاجساً ومبعث قلق.. لأن النيل هو مصدرهم الوحيد للمياه.. بل للحياة.. فاستخدامات مصر من مياه نهر النيل تقدر بخمسة وخمسين مليار متر مكعب من المياه سنوياً فى إقليم يتميز بالجفاف الشديد ولا تتساقط عليه الأمطار.. وهى ذات الاستخدامات التى استمرت مصر فى الاعتماد عليها على مدار عقود طويلة.. رغم تضاعف عدد سكانها وتزايد احتياجاتها التنموية.. فى الوقت الذى يبلغ فيه متوسط هطول الأمطار على باقى دول حوض نهر النيل حوالى 1660 مليار متر مكعب سنوياً . لكننا استطعنا بعون الله.. أن نتوصل من خلال الحوار المتواصل والعمل المُثمر الدؤوب.. لنقطة البداية على طريق الأمل فى مستقبل يلبى احتياجاتنا معاً ويضاعف قدرتنا على الوصول لأهداف أبعد وعوائد أكبر.. لم يكن أى منا يطمح أبداً فى تحقيقها منفرداً أو على حساب الآخر.. لكن القيمة الحقيقية لوقوفنا هنا جنباً إلى جنب.. لا تكمن فى وصولنا إلى هذه النقطة فحسب.. وإنما فى المضى قدماً على ذلك الطريق الذى اخترنا أن نسلكه سوياً.. وفى اتخاذ الإجراءات التى تكفل استكمال العمل بنفس روح التفاهم.. حتى ننتهى بنجاح وفى أسرع وقت ممكن من مسار الدراسات الفنية المشتركة القائم.. والبناء على نتائجها للتوصل إلى اتفاق حول قواعد ملء خزان سد النهضة وتشغيله.. وفق أسلوب يضمن تحقيق المنفعة الاقتصادية لإثيوبيا.. دون الإضرار بالمصالح والاستخدامات المائية لكل من مصر والسودان. وأؤكد هنا بكل صدق.. التزام مصر بالتعاون الكامل مع الأشقاء فى إثيوبيا والسودان.. من أجل دعم ودفع عمل اللجنة الفنية الثلاثية لإتمام تلك المهمة بنجاح وفى أقرب وقت ممكن.. وثقتى كاملة فى أن أشقائى فى السودان وإثيوبيا لديهم ذات العزم والقدرة... وأن لدينا جميعاً الرغبة الصادقة لتحويل هذا الاتفاق المكتوب إلى حقائق ملموسة.. وأن الإرادة التى كانت وراء التزامنا به ستستمر وتزداد صلابة.. وإنها لن تسمح لأية عقبات بأن تؤخر تقدمنا أو أن تعيدنا للماضى الذى تجاوزناه. إن تلك الخطوة التى يمثلها التوقيع على اتفاق إعلان المبادئ حول مشروع سد النهضة.. هى أصدق برهان على قدرة دولنا الشقيقة وعلى إصرارها بشكل إيجابى.. على أن تترجم مفهوم «المكاسب المشتركة للجميع وتجنب الإضرار بأى طرف» إلى واقع ملموس.. يبُث الطمأنينة وينعش الأمل لدى شعوبنا.. من خلال مبادئ واضحة وإجراءات محددة والتزامات قاطعة.. لاشك أن حرصنا جميعاً على تنفيذها لن تقتصر فوائده على دولنا فحسب.. لكنه سيُقدم أيضاً إلى باقى الأشقاء فى حوض النيل نموذجاً واقعياً ورسالة مباشرة.. حول جدوى الحوار الهادف البَنَّاء وضرورته.. وكيفية الوصول من خلال هذا الحوار إلى التوافق الذى يُمثل الأسلوب الوحيد لتحقيق المكاسب المشتركة. فلا بديل عن تفهم كل طرف لدوافع ومنطلقات الآخر.. ولا مجال للاستئثار من قِبل طرف على حساب أحد من أشقائه.. وأتطلع أن يحدونا ذلك المثال الحى للعوائد المُحققة من الحوار المثمر إلى استثمار قوة الدفع الناجمة.. والبناء على المفهوم الذى يرسيه ذلك الاتفاق المبدئى.. الذى يتطلب استكماله إبرام اتفاقيات تفصيلية لتنفيذ كل جوانبه.. من أجل مزيد من الخطوات العملية على صعيد حل القضايا العالقة المرتبطة بحوض نهر النيل.. لاسيما فيما يتعلق بالاتفاقية الإطارية لمبادرة حوض النيل.. فلم نعد نملك ترف التباعد والفرقة.. فى ظل تسارع تطورات العصر الذى نعيشه والتحديات التى نواجهها والمخاطر التى تحيط بنا.. فلا بد من استغلال الفرص التى يتيحها لنا التعاون والتوافق.. حتى ننجح معاً جميعاً فى مواجهة التحديات ولكى نتغلب سوياً على المخاطر. أعرب مُجدداً عن تقديرى البالغ لأخى فخامة الرئيس عمر البشير لما أحاطنا به من حفاوة.. وأؤكد له ولأخى فخامة رئيس الوزراء الإثيوبى اعتزازى بهذه اللحظة التاريخية.. وأدعوهما.. كما أدعو كل أشقائنا فى دول حوض النيل.. إلى أن ينشروا رسالة الأخوة والتعاون والتفاهم التى ينطوى عليها لقاؤنا اليوم.. رسالة التصميم على أن نكون على قدر المسئولية التاريخية التى نتحملها إزاء مواطنينا.. وأن نستكمل العمل المشترك الذى بدأناه من أجلهم وتحقيقاً لآمالهم فى التنمية المستدامة... وفى الحياة الكريمة الآمنة... حتى يطمأنوا فى الحاضر والمستقبل... وليكون مصيرنا الواحد الذى طالما تحدثنا عنه أكثر إشراقاً... أدعوكم لنحلم معاً بالخير والرخاء.. لنترك لأبناء شعوبنا إرثاً من المحبة والتعاون... لنبدأ مشروعاً تنموياً شاملاً طالما طال الحديث عنه دون تنفيذ... ولنعمل سوياً لنعوض قارتنا وشعوبها عما فاتهم من أحلام مستحقة فى الاستقرار والعيش الكريم. وفى ختام كلمته، وجه الرئيس حديثه إلى شعوب الدول الثلاث باعتباره مواطناً مصرياً، مؤكداً أهمية توافر الإرادة السياسية بين الدول الثلاث لتنفيذ إعلان المبادئ الذى يُعد بمثابة خطوة مبدئية يتعين استكمالها والبناء عليها من خلال إبرام اتفاقيات تفصيلية. وأكد الرئيس حق الشعب الإثيوبى فى التنمية ولكن مع الأخذ فى الاعتبار أن نهر النيل هو مصدر الحياة الوحيد بالنسبة لمصر وشعبها، منوهاً بأن مصر اختارت المضى قُدماً على طريق التعاون والبناء والتنمية بدلاً من الاختلاف والمواجهة وأنه يتعين مواصلة تلك الحقبة الجديدة التى بدأت أولى خطواتها اليوم لبناء الثقة وجسور المحبة بدلاً من الشك والريبة. فيما اهتمت الصحف الإسرائيلية بزيارة الرئيس «السيسى» إلى الخرطوم، عقب زيارات لوزير الخارجية الإسرائيلى «أفيجدور ليبرمان» لأديس أبابا لمناقشة القضايا الخاصة ببناء السد. وقالت صحيفة معاريف تحت عنوان «مصر تحارب الجفاف» إن بناء سد النهضة الإثيوبى من شأنه أن يهدد حصة المياه الخاصة بمصر، لذا حرص الرئيس المصرى على الذهاب إلى السودان لحفظ حصة مصر التاريخية من مياه نهر النيل. وأشارت الصحيفة إلى أن زيارة السيسى للخرطوم تأتى ضمن إطار بحث سبل تعزيز التعاون فى جميع المجالات بين البلدان الثلاثة بما يحقق مصالح وتطلعات شعوبهم فى الرخاء والتنمية. من ناحية أخرى عقدت صحيفة ال«بى بى سى» مقارنة بين موقفى السيسى والمعزول تجاه أزمة سد النهضة، حيث هدد مرسى عبر شاشات الإعلام الدول الإفريقية بالحرب، بينما سلك السيسى الطريق الدبلوماسى للحفاظ على حصة مصر من المياه. وذكرت «الإيكونوميست» البريطانية أنه بعد عقود من انسحاب مصر من القارة الإفريقية نجح السيسى فى إعادة البلاد لمكانتها الإفريقية التى حظت بها فى عهد الرئيس جمال عبد الناصر.