وُلِد الشيخ عبدالباقى القلينى فى بلدة «قلين» وهو من كبار أصحاب المذهب المالكي، ونُسِب إلى بلدته قلين بمحافظة كفر الشيخ، وكعادة أهل القرية أنهم يذهبون بأبنائهم إلى الكُتَّاب لحِفظ القُرآن الكريم، والصبيُّ الذى يحفظ القُرآن الكريم صغيرًا يكون فخرًا لأهله وعشيرته، فحَفِظَ القُرآن شأنه فى ذلك شأن غيره من التلاميذ، ومع ما دوَّنَه له المترجمون من المَزايا، إلا أنَّهم غضُّوا الطرف عن نشأته، وبواكير حياته، وعادة المؤرِّخون أنهم لا يكتبون عن شخص إلا بعد أنْ يذيع صيته ويرتفع ذكره، وكان الشيخ الإمام عبدالباقى القلينى- كسابقه الشيخ النشرتى- لم يُوضَع فى كتب التراجم، ولم يُكتَب عنه إلا اليسير فى فقرات موجزة، ولم توجد له مصنَّفات. وقد أمسك الجبرتى وغيره عن الترجمة له، والخوض فى سيرته حتى وفاته، فإنَّه لم يتناولها؛ وهذا ممَّا جعل المؤرِّخين فى حيرةٍ، ولا يدرون كم كانت مدَّة ولايته لمشيخة الأزهر، ولا كم كان عمره عند موته، وإنَّ الرجل كما ذكرنا ينتسبُ إلى بلدة «قلين» إحدى قُرَى محافظة كفر الشيخ، وإليها ينتسبُ كثير من ذوى الفضل والحجا، وأولى البرِّ والتُّقى، ومنهم الشيخ محمد القلينى الأزهرى الذى كانت له كَرامات مشهورة ومَآثر مذكورة.
هذه هى بيئة «القليني» الأولى التى وُلِدَ فيها، وعاش على أرضها، وقضَى سِنِى طفولته وصباه بين ظهرانيها والعلماء يقولون: «المرء ابن بيئته».
قد عرف أنَّ الكثيرين من أهل العلم والصَّلاح كانوا ينتمون إلى قرية الشيخ القليني، فإذا ما رجعنا إلى ما كان يتميَّز به من الرُّسوخ فى مذهب الإمام مالك، والإحاطة التامَّة بأمَّهات كتبِه، إلى جانب تأثير بيئته الأولى فيه - لم تكن هناك مبالغةٌ فى القول، ولا إسرافٌ فى الاستِنتاج، ولم يكن تأثيرُ البيئة فى الإمام «القليني» أقلَّ من تأثير زملائه الذين سبَقُوه إلى تقلُّد منصب مشيخة الأزهر «مشيخة العموم»، وهم: الإمام «الخراشى والبرماوى والنشرتي».
تولية المشيخة
هو رابع شيوخ الأزهر بعد وفاة الإمام «النشرتي»، تربَّع على كرسى المشيخة الإمام «القليني» فى سنة 1120ه - 1708م، ولم توجد له ترجمةٌ كافية، وكذلك بالنسبة لمؤلَّفاته وعلومه، وأمَّا أنَّه كان يسقى تلاميذه العلمَ ويتركهم ليُدوِّنوه ويسجلوه كما فعَل جمال الدين الأفغانى وغيره ممَّن كانوا يُعلِّمون ولا يُصنِّفون، فالواقع أنَّه كذلك، وكان يُنافس الشيخَ «القليني» على مشيخة الأزهر عالِمٌ من العلماء الأفذاذ وهو الشيخ «النفراوي» الأزهرى المالكى وقد ترجم له الجبرتى فى يوميَّاته أنَّه الشيخ أحمد بن غنيم بن سالم بن مهنا النفراوي.
تفقَّه النفراوى على أيدى كثيرٍ من العلماء، ومنهم الشهاب اللقاني، والزرقاني،
والخراشي، أخَذ عنهم «الحديث» وأخذ اللغة العربيَّة عن منصور الطوخي، وكذلك الشهاب البشبيشي.
وله مؤلَّفاتٌ كثيرة؛ منها: شرح الرسالة، شرح النورية، والآجروميَّة، ومات وعمره اثنين وثمانين عامًا، واذا كان هذا هو النفراوى بجلالِة قدره وعلمه وشيوخه ومصنَّفاته، ولم يستطع أنْ يرقى إلى كرسى مشيخة الأزهر قبل القليني؛ إذ إنَّ تولِّى المشيخة كان بالانتِخاب بين العلماء والمرشَّحين، وعلى هذا تولَّى الشيخ «القليني» منصبَه عن جَدارةٍ وتقديرٍ بالانتخاب المشروع.
ومن الإنصاف للرجل القول أنَّه لم يكن حريصًا على المشيخة، على الرغم من علوِّ هذا المنصب وشدَّة الإقبال عليه، والدليل على ذلك أنَّه لم يكد يستقرُّ على أريكته حتى تركَه وذهَب إلى بلدته، وانقطَعَ ذكرُه بعد ذلك، ومن هنا لم يعرف كم سنة قضاها على كرسى المشيخة، ولم يُعرَف أين تُوفِّي، ولا كم كان عمره عندما لقى وجه ربِّه الكريم.
علمه وتأثيره فى طلابه
إنَّ الإمام الشيخ القلينى رابع شيوخ الأزهر تجلَّى فيه كرمُ الخلق وسماحة العلماء، فما جعَل طلابه يتأثَّرون به ويلتفُّون حوله، ويظهر أنَّه كان يُوجِّههم ويرشدهم إلى الاطِّلاع والاهتمام بالمراجع الكبرى القديمة وليس الحواشى والشروح المتأخِّرة، كما ألَّف غيرُه فى هذا العصر، وهذا دليلٌ على سعة اطِّلاعه، ووفرة علمه، وعدم تعصُّبه لمذهبٍ أو فكر، وكان يُوضِّح لطلبته ما كان يُشكِلُ عليهم فهمُه من هذه المراجع القديمة، وهذا ضِمن حسَناته الكبيرة فى هذا العصر الذى اقتصر على كتبٍ خاصَّة لا يتعدَّاها طلاب العلم، ويتطلَّعون إلى غيرها من أمَّهات الكتب.
ومن مَآثِره أنَّه كان يحسن اختيار طلابه وجلسائه المتردِّدين عليه، وقد ذكَر الجبرتى فى مؤلَّفه أنَّه ترجم للكثيرين من طلبة القلينى وأثنى عليهم، وذكَر أنهم كانوا بحورًا زاخرة فى العلوم النقليَّة والعقليَّة، ومن بينهم على سبيل المثال الشيخ محمد صلاح الدين البرلسى المالكى - الذى لازَمَه وانقطع إليه، وكان يُشبهه فى الفقه المالكى خاصَّة، وفى العلوم اللغويَّة والدينيَّة على سبيل العموم، وتُوفِّى البرلسى 1154ه، ويتَّضح من هذا أنَّ لتلاميذه كتبًا ومؤلفات.
وفاته
ومن العجيب أنَّه لم يعرفْ مكان وفاته، وإلا لنقل منه إلى الأزهر الشريف، وأُجرِيت له المراسيم، كما أُجرِيت لأسلافه، ولا شكَّ فى أنَّ إعراضه عن المشيخة، واختفاءه عن الأعين - كما سبق وذُكِرَ - ليس إلا دليلاً ظاهرًا وحجَّة قاطعة على أنَّه لم يكن رجلَ دنيا؛ يسعى إليها ويكدُّ فى طلبها، وإنما كان رجلَ آخرةٍ؛ يعملُ من أجلها، ويسأل الله التوفيق فيما يهدفُ إليه منها، وقد ذكر فى ألفية الأزهر أنَّه انتقَلَ إلى رحمة الله هادئًا مطمئنًّا إلى كلِّ ما فعَل سنة 1132ه - 1719م.