أطلت علينا الأيام الماضيه أزمة تعيين رئيس هيئة النيابه الاداريه ، إحدي أزرع السلطه القضائيه في مصر والمكونه من القضاء العادي ومجلس الدوله والنيابه الاداريه ، وذلك بعد وفاة المرحوم المستشار عناني عبد العزيز – رئيس الهيئه السابق ، وتجسدت الأزمه في قيام المجلس الأعلي للهيئه والمكون من أقدم سبع مستشارين بها ، باتباع أليه جديده لشغل المنصب تمثلت في إجراء التصويت فيما بين هؤلاء المستشارين السبعه ، والذي أسفر عن اختيار الثاني في الأقدميه ، واستبعاد الأقدم خلافاً لما جري عليه العمل في خصوص تعيين رؤساء هيئة النيابة الإدارية السابقين ، وكذا كل رؤساء الهيئات القضائيه الأخري. وجب علينا إيضاح عدد من الاعتبارات الحاكمه للموضوع وقبل الدلو برأينا في موضوع مدي صلاحية اختيار رئيس الهيئه القضائيه بالاختيار ، ويتمثل أول هذه الاعتبارات في مدي تحقق استقلال القضاء في حالة اتباع تلك الأليه في الاختيار ، بعدما تضمنت كل الوثائق الدستوريه في مصر والعالم التأكيد علي مبدأ الفصل بين السلطات تأسياً بأفكار الفقيه الفرنسي الأشهر مونتسكيه ، اذ يعد القضاء أهم سلطات الدوله ، ولايتصور اضطلاعه برسالته الا اذا كان مستقلاً محايداً، ومن أجل مظاهر هذا الاستقلال هو تعيين القضاه بمعرفة الجهاز القضائي نفسه في بداية السلم القضائي من ناحيه وعلي نحو مانظمه المشرع في قانون السلطه القضائيه رقم 46 لسنة 1972وعن طريق مجلس القضاء الأعلي وكذلك الحال في كل الهيئات القضائيه ، وفي اطار شروط موضوعيه تتمثل في ضرورة توافر حسن المظهر والتناسق الخلقي والسلامه من الأمراض وتوافر عناصر عقليه متميزه ، مثل الالمام بثقافه قانونيه عميقه وحدة ذكاء ودقة الملاحظه ، والقدره علي التحليل المنطقي ، والمهاره في التعبير الشفوي والكتابي ، والتعامل مع الأجهزه المعاونه في استجلاء الحقائق ومكافحة الجريمه ، ويقتصر دور رئيس الجمهوريه في هذا الأمر علي مجرد اصدار قرار التعيين ، ومن جانب أخر تعيين رؤساء الهيئات والجهات القضائيه بمعرفتها دون ثمة تدخل جهه أخري ودون وجود ألية الانتخاب التي أعملها المجلس الأعلي للنيابه الاداريه ، وقد تضمن قانون السلطه القضائيه المشار اليه في الماده 44 /1 علي ألية تعيين رئيس مجلس القضاء الأعلي من بين نواب رئيس محكمة النقض بعد أخذ رأي مجلس القضاء الأعلي ، وسار الحال علي تعيين أقدم النواب في كل المرات بغير استثناء ، وأصبح عرفاًوتقليداً قضائياً راسخ رسوخ الجبال ،كذلك الحال في مجلس الدوله وقضايا الدوله والنيابه الاداريه …أخذاً في الاعتبار أن نص الماده 35 من قانون النيابه الاداريه رقم 117لسنة 1958 نصت علي أن ( يعين رئيس النيابه الاداريه بقرار من رئيس الجمهوريه ) .. وأخذاً في الاعتبار أن الدستور الحالي عمق هذا العرف في الماده 185 حين نص علي أن تقوم كل جهه وهيئه قضائيه علي شئونها ..،وبالتالي أصبح الباب منغلقاً أمام أي جهه أخري أو اليه مغايره بقصد الحرص علي استقلال القضاء وعدم التدخل في شئونه …..وتأتي الاعتبارات الثانيه المتعلقه بحسن أداء العمل القضائي وادارة الهيئه أو الجهه القضائيه، فاذا ماصارت الأمور علي انتخاب رئيس الهيئه القضائيه من قبل مجلسها الأعلي الذي يتكون من أقدم شيوخ كل هيئه , وهي اليه جربتها بعض البلدان وأوجدت عيوباً تمثلت في شبهة خضوع المنتخب لسلطان من انتخبه ، وفقدانه استقلاله حيال من قام بانتخابه ، سواء داخل المجلس الأعلي للهيئه القضائيه أو المجلس التشريعي أو رئيس الدوله في الدول التي عرفت هذه الأليه ، وهي مساؤي انتخابيه تتعارض مع رسالة السلطه القضائيه التي تتمثل في نشر العداله وصون سلطات الحاكم وحقوق المحكومين . كما أن هناك اعتبارات أخري تتمثل في تعارض نظام انتخاب رئيس الهيئه القضائيه واحتمال استبعاد الأقدم مع مبدأ المساواه وسيادة القانون المنصوص عليها في المادتين 94 و186 من الدستور الحالي من حيث جعل المستشار الأقدم المستبعد في مركز قانوني غير متكافئ مع من سبقه في هذا المنصب من ناحيه ، ومع أقرانه ممن سيتولون رئاسة المجالس العليا للهيئات القضائيه الأخري …..لاسيما وأن الدستور قد نص في الماده 186 علي أن القضاه متساوون في الحقوق والواجبات والماده 197 التي ضمنت لسائر أعضاء النيابه الاداريه كافة الضمانات والحقوق والواجبات المقرره لأعضاء السلطه القضائيه .. وتبقي الاعتبارات المتعلقه بالسوابق القضائيه والمتمثله في قيام النيابه الاداريه عام 2000 باسناد أمر رئاستها للمغفور لها المستشارة هند طنطاوي ، ولم يقم زملاؤها في المجلس الأعلي من الرجال باستبعادها انتصاراً وترسيخاً لقاعدة تولية رئاسة الهيئه لأقدم النواب حتي ولو كانت سيده لتصبح أول امرأه تتولي رئاسة هيئه قضائيه في مصر ، وحدث ذات الأمر في مجلس الدوله حينما طبق دات القاعده وعين المستشار نبيل ميرهم رئيساً للمجلس دون الالتفات لظروفه الصحيه حيث كان كفيفاً ورغم كون رئيس مجلس الدوله حتماً يترأس المحكمه الاداريه العليا … ودائرة الأحزاب وتوحيد المبادئ . وعلي ذلك يبين وبجلاء عدم صلاحية نظام الانتخاب لتولي رئاسة الهيئات القضائيه ،ويلزم معه اعمال التقاليد والأعراف القضائيه المرعيه بتعيين الأقدم فرضاً واجباً ..وسنةً محكمه ..اعلاءاً لمصالح الهيئات القضائيه والوطن معاً…