فى ظل فترة عصيبة تمر بها العواصم الأوروبية منذ وقوع حادث الاعتداء على مقر مجلة «شارلى إبدو» بباريس، تبدو التحركات الأمنية التى تتخذها دول أوروبا بالتعاون مع الولاياتالمتحدة وكندا، أكثر جدية هذه المرة لمواجهة موجات التطرف المتزايدة فى القارة الأوروبية، وسط مخاوف من وقوع هجمات جديدة تزيد الأمور تدهورا، تدعمها إحصاءات بوجود أكثر من 5 آلاف مواطن أوروبى يقاتلون بين صفوف «داعش» عاد نحو 30% منهم إلى بلدانهم داخل الاتحاد الأوروبى. وعقب وقوع الحادث، وقعت أوروبا فى مأزق كبير ما بين اتخاذ إجراءات سريعة ومتشددة لمواجهة الإرهاب والتطرف الدينى، أو التحرك بتروٍ أكثر لمحاصرة هؤلاء المتطرفين عبر تدابير جماعية وإجراءات مدروسة لسد الثغرات فى منظومة الأمن الأوروبية.. واختارت أوروبا عدم التسرع، فى الوقت الذى شددت فيه عدة دول أوروبية منها إسبانيا وإيطاليا وبلجيكا والسويد من إجراءاتها الأمنية عقب الهجوم على المجلة الفرنسية، وعززت سلطات هذه الدول إجراءات الأمن حول المؤسسات المهمة والحساسة، وبخاصة تلك التى تتعلق بفرنساوالولاياتالمتحدة واليهود..كما عززت السلطات الأمريكية إجراءات الأمن فى محطات مترو الأنفاق والقطارات. ويبدو أن دول القارة الأوروبية ومعها الولاياتالمتحدة، وجدت ضالتها أخيرا فى حادث مجلة «شارلى إبدو» لتمرير بعض الإجراءات الأمنية الصارمة التى كانت تلقى معارضة شديدة خلال السنوات الماضية، إذ اتفق وزراء الداخلية والعدل فى الاتحاد الأوروبى والولاياتالمتحدة وكندا، فى اجتماعهم بالعاصمة الفرنسية الأسبوع الماضى، على أن تعمل الحكومات وقوات الأمن معا بدرجة أكبر لمواجهة مخاطر العنف.. ويأتى فى مقدمة التدابير المتوقع اتخاذها خلال الفترة المقبلة زيادة مراقبة الإنترنت لمواجهة المحتوى المحرض على العنف والكراهية، وتشديد الرقابة على حركة السفر بين دول الاتحاد الأوروبى. فى هذا السياق، ستعتمد أوروبا نظام «بى . أن . آر»، الذى أعدته المفوضية الأوروبية قبل ثلاث سنوات لتبادل المعلومات حول المسافرين على الطائرات الأوروبية أو المتجهين إلى المدن الأوروبية، وظل النظام المقترح فى انتظار الموافقة داخل البرلمان الأوروبى طيلة السنوات الثلاث الماضية بسبب اعتراضات مستمرة من الاشتراكيين والليبراليين والخضر واليساريين، بدعوى أنه ينتهك الخصوصية ويخالف القوانين. ويلزم هذا النظام شركات الطيران بوضع بيانات المسافرين فى نظام رقمى، بحيث تكون الأجهزة الأوروبية على معرفة بكل شخص يدخل أو يخرج أو يعبر من الفضاء الأوروبى. ولأن القارة الأوروبية تواجه الآن أكبر تهديد أمنى منذ أكثر من عشر سنوات، بحسب وصف مدير منظمة الشرطة الأوروبية «روب وينرايت»، والذى أشار إلى امتلاك المنظمة لقاعدة بيانات عن 2500 مشتبه به من بين خمسة آلاف أوروبى انضموا إلى القتال فى سوريا أو العراق، فإن خطر وقوع اعتداءات جديدة لا يزال كبيرا، وهو ما دفع دول القارة إلى التفكير فى اتخاذ إجراءات وقائية تجنب تكرار هجمات باريس، ومن المؤكد أن هذه الإجراءات ستكون فى صلب اهتمامات وزراء خارجية الاتحاد الأوروبى فى اجتماعهم المزمع يوم 19 يناير الجارى، وكذلك الحال فى اجتماع وزراء الداخلية الأوربيين يومى 28 يناير و12 فبراير المقبل. وأهم التدابير الأوروبية المنتظر الاتفاق عليها فى هذه الاجتماعات، يتمثل فى تعزيز العمل الاستخباراتى لمتابعة المشتبه بهم فى أعمال إرهابية، وهو ما طالب به رئيس الوزراء الفرنسى «مانويل فالس» فى الجلسة الخاصة التى عقدها برلمان بلاده قبل أيام داعيا إلى تعزيز القوانين المتعلقة بمكافحة الإرهاب فى فرنسا ودول الاتحاد الأوروبى، كما لفت إلى أهمية الاستمرار فى مراقبة المحكوم عليهم على خلفيات إرهابية بعد إطلاق سراحهم، ويتفق معه فى هذا الإجراء المنسق الأوروبى لمكافحة الإرهاب البلجيكى «جيل دوكيرشوف»، والذى حذر من مخاطر انتشار ما وصفه بالأفكار المتطرفة فى السجون، وحذر فى الوقت نفسه من الزج بمقاتلى داعش العائدين فى السجون لدى عودتهم لأنهم -حسب قوله - سيصبحون أكثر تشددا وسيؤثرون على آخرين، داعيا إلى تنسيق الإجراءات العقابية. وفى هذا السياق، وعد رئيس الوزراء البريطانى ديفيد كاميرون بإعطاء أجهزة الأمن والمخابرات سلطات لمراقبة اتصالات الإنترنت، استجابة لنداءات من قادة أجهزة المخابرات، وأعلن مدير منظمة الشرطة الأوروبية أن منظمة «يوروبول» نقلت 60 خيطا لمعلومات مخابراتية عاجلة إلى الشرطة الفرنسية بعد هجمات «شارلى إبدو» بباريس.