هناك رسم تصويرى ساذج عن أبينا آدم وأمنا حواء وهما يسيران فى حدائق الجنة عاريين يغطى سوءاتهما ورق التوت.. هكذا تخيل الفنان الغربى السوأة التى تحدثت عنها الكتب السماوية، ولأن الغربيين ماديون بطبيعتهم فقد قادهم خيالهم أن سوأة الجنة هى عورة الإنسان على الأرض، أما فى الإسلام فالمسألة معنوية أكثر منها مادية، والرداء الذى تم نزعه عن آدم وحواء هو لباس التقوى كما يقول رب العزة، وليس ورق التوت ومنذ نزول الإنسان إلى الأرض وإلى اليوم يفعل الشيطان فعلته فى الغافلين والجاهلين من أوليائه أى الذين يتخذونه وليًا فيضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، أو كما نرى أن كثيرين من هؤلاء الآن يتصورون أنهم أصحاب مشاريع إصلاحية وهم فى الحقيقة يخدّمون بامتياز على المشروع الشيطانى الذى تحمله رياح العولمة المسمومة إلى الشعوب الجاهلة والغبية. (1) والمصريون ليسوا أغبياء، لكن حقائق كثيرة تنقصهم كان يمكن أن تفسر ما يحدث لهم فى حال توفرها ولهذا السبب مازالوا يتجادلون حول تفاصيل ما حدث بعد ثورتهم فى 25 يناير ودور المؤامرة فيها، هذه المؤامرة التى حملتها رياح الغرب المسمومة التى جاءت إلى بلادنا محمولة عبر أشخاص ووسائل إعلام باتت معروفة للجميع، استغلت فى البداية بيئة المجتمع المهيأة للثورة لتخمرها وتخلق منها بيئة خصبة لتمرير أفكار المؤامرة، لتنتهى بنا جميعًا إلى الحاصل الآن من صراع داخلى ،وفتنة مجال عملها الأول الذى تستثمر فيه هو الشباب والوسيلة الأولى للتواصل معهم الكمبيوتر ، هذه الأحداث التى تبرهن بما لا يدع أى مجال للشك على أن أصحاب المؤامرة مازالوا يعملون على الأرض ولم يعترفوا بالهزيمة لأنهم يملكون منهجًا مؤسسًا على قواعد مادية وتنظيرية هائلة. (2) .. أن يرفع أطفال الشوارع وما تبقى من الثائرين الصغار المدفوعين لنشر الفوضى يافطاتهم فى وجه الفلول والإخوان فهذا ما يمكن أن نفهم دوافعه الآن ومن قبل أما أن تجمع يافطات الرفض الفلول والإخوان والعسكر، فهذا أمر فيه نظر، وسيناريو مكرر ومعاد فهمنا من قبل دوافعه التى لم تعد مستساغة الآن، وقد زدنا وعدنا فى تكرار الأسئلة حوله: من أطلق على الجيش المصرى تسمية العسكر؟! ومن هذا الذى يريد بإصرار شديد أن يضع الشعب فى مواجهة مع جيشه؟! وما غرضه من هذا؟!. والسلطة هى الغواية الحاضرة دائمًا فى خلق هذا الصدام الذى هو غير موجود بالفعل ،لكن تم اختراعه والدفع الدائم به بعد ثورة 25 يناير ومن خلال تصوير أن قادة الجيش طامعون فى السلطة الرئاسية تحديدًا.. وفى جزء آخر داعم فى هذا المخطط تم تداول ما يتعلق بميزانية الجيش واقتصاديته والصلاحيات الممنوحة له لحماية جبهة الداخل وتم خلط الأوراق كثيرًا فى هذه الأمور الثلاثة، لكن خصوم الإخوان السياسيين والذين يشخصون بأبصارهم نحو أمريكا والغرب توجهوا إلى الجيش واستعانوا به ليس لتعميم أخطاء مرحلة الإخوان ولكن - من وجهة نظرهم - لتوظيفه فى صراعاتهم السياسية، ثم عادوا الآن لمهاجمة وإحياء أدبيات ومفردات إسقاطه أو على الأقل إقصائه من أطراف المعادلة غير عابئين بإفساد هذه المعادلة أو نتائجها الكارثية فى حال نجاح مخططهم. وكانت الأكذوبة قد بدأت بالعمل على تمرير مصطلح الدولة المدنية ، وابتلعها كثيرون حين نجحت الدعاية فى استحضار صورة ذهنية مشوهة للدولة الدينية فى الغرب وأسقطوها على كل ما هو إسلامى، وبضربة مزدوجة تم تصوير حقبة الحكم فيما بعد ثورة 1952 وحتى اليوم على أنها حقبة حكم عسكرى، وهل هناك شك فى أن مصر لم يحكمها فى الماضى أو الحاضر القريب سلطة أو واسطة دينية أو جنرالات عسكريين؟! وهل يمكن إطلاق هذا الوصف على عبد الناصر والسادات ومبارك حتى ولو اختلفنا مع أى منهم على أى أرضية وأى خلفية؟! واليوم فى هذا الظرف الصعب العسير الذى نعيشه يخرج علينا صبية لم يبلغ بعضهم الحلم ليرفعوا أيديهم بحجر يلقونه على جندى من جنود الجيش، هاتفين يسقط حكم العسكر ، وليس لهذا تفسير إلا أن المخطط قيد التنفيذ والتفعيل. (3) بدأت الأحداث قبل أسبوع - أو يزيد قليلا – ووصف هذا الأسبوع أنه عصيب مكسى بلون الدم كان يمهد ليوم 19 نوفمبر والاحتفالية الشيطانية لذكرى محمد محمود، والبداية كانت جريمة كراهية حصدت روح ضابط الأمن الوطنى المقدم محمد مبروك وتلاها هجمات إرهابية وقعت فى العريش وعلى كمائن حراسة وتأمين الطرق أودت بحياة عدد غير قليل من الجنود والضباط هذا غير الجرحى، وأحدث ما وقع من هذه الجرائم مقتل ضابط برتبة نقيب من قوات العمليات الخاصة كان يشترك فى تطهير أحد البؤر الإرهابية فى القليوبية يوم الخميس 21 من الشهر الحالى ،وربما تزامن مع هذه الجريمة تقريبًا فى مكان آخر ملتهب بالغضب مقتل طالب أزهرى فى المدينة الجامعية على إثر اشتباكات بين الطلبة المتظاهرين والأمن. وأبت البشاعة إلا أن تصدمنا بجريمة أخرى الفاعل فيها هذه المرة الجهل والإهمال والرعونة من مسئولين سمحوا لحوادث القطارات أن تتكرر بهذا الإطراد والتواتر والتشابه وتزهق أرواح بشر يحسب البعض الآن أنها صارت أرخص من أرواح كلاب الشوارع، جاء حادث قطار دهشور ليحيى فى الذاكرة حادث قطار أسيوط الذى لم يمض عليه العام ، قطار أسيوط الذى مزقت عجلاته أجساد 50 زهرة من تلاميذ المدارس الأولية وخلفتهم أشلاء تناثرت على القضبان والسكك.. نفس المشهد تكرر فى دهشور وخلف نفس وجع القلب على ضحايا بلغ عددهم 27 قتيلًا ومثلهم تقريبًا من المصابين. أما الاحتفالات الدموية لإحياء الذكرى الثانية لأحداث محمد محمود والتى تحسرنا لها جميعا فقد انجلى غبارها عن سقوط قتيلين (!!) (4) هذه الاحتفالات الشيطانية التى لم ينته مشهدها عند القتلى والجرحى فقد كان هناك ضحايا أخرى فى جريمة تنذر بما هو أخطر فى قادم الأيام.. الجريمة هى إسقاط العلم المصرى رمز الوطن والدولة وإحراقه والمجرمون الذين فعلوا ذلك وصفهم البعض بأنهم مغيبون أو مخترقون أو منتفعون وسارع البعض الآخر فى البحث عن العقوبات المستحقة عليهم فى القانون الجنائى.. ولم يعذر أحد هؤلاء الصبية بصبيانيتهم وجهلهم أو يحسبهم ضحايا لدولة البلطجة التى كسبت أرضًا لا بأس بها فى مناخ الفوضى التى نعيشها وأحسب أن أمدها طال. فى كل الأحوال الفعل يردنا مباشرة إلى جذوره المتمثلة فى الصراع على السلطة، لكن له صلة أيضًا بمخطط تغييب الهوية المصرية فى أذهان هؤلاء الصبية وحرث عقولهم لاستحضار هويات أخرى بديلة للدولة الوطنية وهذا الأمر لا يقتصر فقط على مشروع الإسلاميين الذين يدعون للأمة الإسلامية ودولة الخلافة، ولكن هناك بالتوازى مشاريع أممية أخرى، الثوريون الاشتراكيون لديهم مشروعهم الأممى الذى دعت له الثورات الشيوعية قبل مائة عام أو يزيد وأحفادهم من الثوريين الاشتراكيين يحاولون الآن إحياء هذا المشروع بإسقاط الدولة المصرية وإقامة دولة الخلافة الشيوعية، وهناك أيضا مشروع الحكومة العالمية الذى خطط له الرأسماليون وبدأوه بتفكيك العالم على أسس قومية وعرقية وإثنية إلى دول ودويلات وكنتونات صغيرة متناثرة لإخضاعها فى النهاية تحت سلطة وحكم هيئة دولية تكون بمثابة حكومة عالمية. وانظر إلى ما تفعله الأممالمتحدة وذراعها العسكرى حلف الناتو فى الشعوب والدول التى تقاوم هذا المشروع العولمى أو تناوئه واقرأ التاريخ غير المزيف للثورات التى قامت فى التاريخ الحديث بداية من الثورة الإنجليزية والفرنسية وحتى الثورات الملونة والربيع العربى وفكر ما سر تشابهها العجيب ومن يقف وراءها وما الهدف منها، هل هى بالفعل الأهداف الإنسانية التى تريد لكوكب الأرض أن يكون مكانًا أكثر سلامًا وتجعل شعوبه أكثر سعادة؟! التاريخ الدموى القذر لدعاة السلام والإنسانية ينفى تمامًا عن أفعالهم هذه الأغراض. وهناك أخيرا المشروع اليهودى الذى يؤسس لأن تكون القدس اليهودية بعد بناء المعبد الثالث وإعلان مملكة اليهود عاصمة تحكم العالم، وهذه المشاريع الثلاثة الشيوعية والرأسمالية العالمية واليهودية تختلف عن المشروع الإسلامى فى أنها ليست فقط حلمًا يراود أذهان الأصوليين الدينيين،ولكنها مشاريع استعمارية بالأساس فالمحافظون الجدد الذين يتبنون مشروع الحكومة العالمية ليسوا دينيين بالمرة، والشيوعيون لايعترفون بالأديان بل يعتبرونها أفيون لتخدير الشعوب، واليهود العلمانيون الذين أنشأوا دولة إسرائيل هم الذين يفرغون فلسطينالمحتلة من العرب ليعلنوها مملكة لليهود. هذه الأفكار البديلة التى يتم توجيهها إلى الداخل العربى، والعقل العربى للتشويش عليه، وحشوه بأفكار يسكنها آخر شيطانى آخر ليس من نسيج هذا الوطن وهذه الأرض آخر قادم من إسرائيل أو من الغرب وليس الجار الذى يساكن جاره المصرى ويتقاسم معه اللقمة والهم والحلم والعلم والنشيد ويقاسم معه الهوية المصرية التى ليست بالتأكيد سوأة تم نزع ورقة التوت عنها فاستحق رمزها الحرق!