ليس بجديد ولا غريب على حال السينما المصرية أن يحقق فيلم ردىء أعلى ايرادات فى زمن قياسى، لكن الأغرب هو تلك الشريحة من المجتمع التى باتت تنساق وراء هذه النوعية من الأفلام بعد أن كانت صمام الأمان للحفاظ على مستوى الفن الراقى. أقصد من كل هذا فيلم «عبده موتة» الذى يعرض حاليا بدور العرض! فلقد دفعنى الفضول لأشاهد هذا الفيلم، أولا لأنه حقق ايرادات عالية تجاوزت الملايين العشرة فى أيام قليلة، وثانيا لما أثير حول تلك الأغنية التى رقصت عليها دينا فى أحد مشاهد الفيلم وقيل إنها عن آل البيت. واتضح أن الأمر مفتعل! ثالثا لأنى سألت بعض شباب الأسرة الذين حرصوا على مشاهدة الفيلم فى إجازة العيد، ولقد عبرّوا فى إجاباتهم عن إعجاب شديد بالفيلم.. وأخيرا للثقة الشديدة التى ظهر عليها مخرج الفيلم قائلا لو لم أكن ناجحا ما كان المنتج استعان بى أربع مرات متتالية، فأردت أن أرى ما هى نوعية هذا النجاح الذى يتحدث عنه بكل هذا الفخر! كل هذه الأسباب دفعتنى لمشاهدته، وأنا أضع احتمال أن إعجابى به لن يقل عن 50?، وهو أضعف الإيمان، ولم أكن قد شاهدت إعلاناته فى التليفزيون، لكنى فوجئت بعمل لم يعجبنى فيه شىء سوى أداء الممثلين وهو أمر طبيعى، أما غير ذلك فهو لا يختلف كثيرا عن تلك النوعية التى اشتهر بها المخرج خالد يوسف من توليفة مكونة من العنف والفقر والعشوائيات والجنس والمخدرات والعبارات المنحطة والألفاظ القبيحة، ولا بأس من بعض الرقصات المحشورة والأغانى التى لم أستطع أن أميز محتواها، ولا أعرف إن كانت هذه النوعية من الأغانى أو المفترض أنها أغان، بينما هى مجرد خليط من الأزيز مع الضجيج- هل هى بالفعل المنتشرة الآن فى الأحياء الفقيرة أم هى اختراع لصناع هذه الأفلام تحديدا؟! لم يستطع عقلى أن يستوعب كيف يساهم المشاهد المصرى فى إنجاح عمل منفر كهذا، ولم أستطع أن أفسر الضحكات التى كانت تتعالى فى صالة العرض مع كل لفظ قبيح أو تصرف خارج، على الرغم من أننى قد شاهدته فى سينما تعد ذات مستوى مرتفع.. الحقيقة أن هذا الفيلم سبب لى حالة من الاستغراب أكثر مما سبب لى حالة من الاشمئزاز، وسبب لى حالة من القلق أكثر وأكثر! القلق هنا على ذوق الشعب المصرى الذى عشت طوال عمرى أثق فيه، وعلى ثقافة المصريين التى لم يتمكن مستعمر من الحط من شأنها، وعلى القيم والأخلاق والفن الراقى الذى أصبح من يذكره كأنه يتحدث عن منيرة المهدية وسلامة حجازى! ربما يكون هذا هو رد فعل الإلحاح علينا بسير البلطجية والمجرمين، حتى أصبحوا نجوم التليفزيون والآن نجوم السينما، فمن لنا بعد هذا الانهيار الفنى حتى ينقذنا من موتة وأمثاله؟ [email protected]