أوقاف القليوبية تفتتح مسجد محمد أمين بقرية طحوريا يشبين القناطر    علوم البحار: تنفيذ منظومة ذكية للإنذار المبكر ومراقبة مخاطر الموجات البحرية بدمياط    المركزي البولندي يتوقع تراجع معدل التضخم إلى 2.6% في 2026    "منتجي ومصدري الحاصلات البستانية" يعلن خطة طموح لدعم صغار المزارعين    عاجل| المتحدث باسم قوات التحالف: البحرية السعودية أكملت انتشارها ببحر العرب للقيام بعمليات التفتيش    زيلينسكي يعرض منصب مدير مكتبه على رئيس المخابرات العسكرية    عودة إلى إنجلترا.. سام مرسي ينضم ل بريستول سيتي    تضاؤل فرص مهند لاشين في اللحاق بمباراة منتخب مصر أمام بنين    الأمواج 3 أمتار.. الأرصاد تحذر من اضطراب ملاحة البحر المتوسط    طالب يستعين بصديق للانتقام من فتاة رفضت الارتباط به    تموين القليوبية يحرر 65 مخالفة بالخانكة وبنها وقليوب    تأجيل تصوير فيلم "شمشون ودليلة" بعد انتهاء موسم دراما رمضان    "القومية" تستلهم أعمال عمار الشريعي على المسرح الكبير    مصطفى شوقي ل الشروق: «ابن الأصول» أولى تجاربي المسرحية.. واسم مراد منير جعلني أوافق قبل قراءة النص    الصحة: تقديم 8.2 مليون خدمة طبية من خلال المنشآت الصحية بالإسكندرية خلال 2025    رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي يصدر توجيهات مباشرة بإغلاق حركة الطيران في مطار عدن    أمم أفريقيا 2025.. مكافآت خيالية في بنين لتحقيق الفوز على الفراعنة    ضبط سائق أجرة متهم برفع التعريفة بسوهاج بعد تداول الواقعة على مواقع التواصل    عاجل | "الاتصالات" و"التموين" تطلقان 9 خدمات حصريًا عبر منصة "مصر الرقمية"    مقرها سنورس، 676 ألف ناخب يختارون 3 نواب غدا بالدائرة الثالثة بالفيوم    مؤتمر أرتيتا: دعونا نكسر الرقم القياسي هذا الموسم.. وغياب مدافعي الفريق أمام بورنموث    95% نسبة الإنجاز.. الحكومة تكشف موعد افتتاح «حدائق الفسطاط»    وقاية من الفتن: فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    نائب وزير الإسكان يتفقد مصنعًا للمنتجات المرتبطة بأنظمة تحلية مياه البحر بمحافظة دمياط    ارتفاع فى اسعار الفراخ اليوم الجمعه 2يناير 2026 فى المنيا    حامد حمدان ينتظم في تدريبات بيراميدز غدًا والإعلان بعد وصول الاستغناء    رئيس هيئة البترول يجرى زيارة غير مخططة لمنطقة أنابيب البترول بالتبين    الرعاية الصحية: إجراء 2600 جراحة قلب مفتوح بمحافظات المرحلة الأولى للتأمين الشامل    طب القاهرة: لا صحة لما يتردد بشأن إلغاء الدبلومات المهنية    موعد فتح باب الترشح على رئاسة حزب الوفد    قرار جمهوري مهم ورسائل قوية من السيسي لحاملي الدكتوراه من دعاة الأوقاف    مراسل القاهرة الإخبارية: الاحتلال يستهدف مناطق جديدة جنوب لبنان    سلسلة غارات إسرائيلية على جنوب لبنان    "النجار" يوجه رؤساء الأحياء والمراكز بتوفير أماكن لإقامة شلاتر لتحصين وتعقيم الكلاب الضالة    بسيوني: استمرار صلاح ومرموش داخل الملعب ضرورة فنية للمنتخب    إطلاق شراكة إستراتيجية لدعم التعليم التطبيقي وتأهيل الطلاب لسوق العمل    «الصحة» تبحث مع قطاع المعاهد الأزهرية تعزيز صحة الطلاب    اتفاقية تعاون بين بنك المعرفة والمجلس العربي للاختصاصات لدعم بناء القدرات الصحية    مواعيد مباريات اليوم الجمعة 2- 1- 2026 والقنوات الناقلة    فيلم الملحد يحقق 2 مليون جنيه في يومين عرض    رئيس وزراء بولندا: مستعدون لتقديم العلاج الطبى لضحايا انفجار سويسرا    استعدادات مكثفة في مساجد المنيا لاستقبال المصلين صلاة الجمعة اليوم 2يناير 2026 فى المنيا    مواقيت الصلاه اليوم الجمعه 2يناير 2026 فى المنيا    أنجلينا جولى.. صور تبرز الجانب الإنسانى لنجمة هوليود فى مخيمات اللاجئين    كاف يخطر الأهلى بمواعيد مباريات الفريق فى دور المجموعات بدورى الأبطال    الرئيس الصيني يستعد لاستقبال نظيره الكوري الجنوبية في زيارة رسمية الأحد    طقس بارد على جميع مراكز وقرى محافظة الشرقية    الجيش الإسرائيلي ينشر لواء من الحريديم جنوب سوريا    السيطرة على حريق فى أحد مطاعم المحلة بالغربية    45 دقيقة متوسط تأخيرات القطارات على خط «طنطا - دمياط».. الجمعة 2 يناير    معتز التوني يشعل السوشيال: حاتم صلاح يرفع أي مشهد ويخطف الأنظار    التعيين في «النواب».. صلاحية دستورية لاستكمال التمثيل النيابي    القبض على مسجل خطر سرق أموال النفقة من محكمة الأسرة في الشرقية    المنظمة العالمية لخريجي الأزهر تعلن حصادها داخلياً وخارجياً في 2025    اكتساح في الصالات ومجلس جديد في حصاد الأهلي خلال 2025    التحفظ على صاحب مطعم و3 عمال بعد إصابة 25 شخصا بتسمم في الشرقية    وكيل الأزهر يعتمد نتيجة المرحلة الأولية من مسابقة حفظ القرآن الكريم    ما آداب التصوير فى الحرم؟..وزارة الحج السعودية تجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الاحتياج للنوبة .. والبحث عنها
نشر في أكتوبر يوم 17 - 10 - 2010

فى هذه الأيام الغريبة الصعبة وأكثر من أى وقت مضى نحتاج إلى ابتسامة صافية تعكس قلبا سعيدا يرقص فرحا مشاعره، طازجة مرهفة لها صلة مباشرة بأسارير الوجه تماما مثل ابتسامة شاب نوبى أسمر تكشف عن أسنان بيضاء تصطف كعقد لؤلؤى حر أحس فى الابتسامة النوبية بالصدق.. نعم الصدق كما أطرب بونسة أهل النوبة على إيقاع الدفوف والأحباب يغنون للنيل والصحبة والغربة بلغة الكنوز أو الفاديجا... لافرق عندى أحب اللقاء حول كوب الشاى بالحليب ومشاكسات الأصحاب والرطان الذى لا أفهمه ولكن أحس موسيقاه وانطباعاته على وجوه الجالسين.. أعشق الرقص الذى يستمد إيحاءاته وإيماءاته من أمواج النيل وحركة الأسماك وتمايل شواشى النخيل، الرقص الجماعى الذى يشترك فيه الرجال والنساء دون ابتذال أو خلاعة... رقص يتحد بالطبيعة فى انسجام تام سواء كان كف أو أراجيد أو رقصة الفرى. أحب بساطة البيت النوبى.... الحوش السماوى المفتوح الذى يردد معابد أخناتون والتى كانت بلا سقف يحجب أشعة الشمس فتدخل أيادى رع البيضاء لتوزع الخير على البشر أجمعين... أحب المزيرة فى يوم قائظ الحر وأحب الأبراش والأكراج المعلقة فى حجرة العروس. أحب أن أجلس فى الظل وأتابع بعينى الحركة الدائبة لإعداد طعام الغداء، أتلذذ بالأبرية بعصير الليمون أو أورمة بصل، ويا حبذا لو كان هناك جاكوت بكل انواع الخضرة.. ياسلام.. وبجواره تلمع أكواب الكركديه المثلج... أتناول خيرات الأرض وتمر النخيل على أنواعه وأستمتع بصحبة رائعة لناس لا تحب النكد، وتحتفل بالأفراح لأسابيع طويلة.
أشتاق لرؤية بنات النوبة وجرجارهن يشف عن جلابيب ملونة، وتزين جيدهن حلى ذهبية كبيرة.. تردد صداها أقراط مستديرة تلمع تحت سهام الشمس الملتهبة وتعكس بريقها على حلى الأنف والشعر فتبدو الفتاة النوبية كعروس دائمة الشباب، ناضرة لا تشيخ أبدا.
تمنحنى النوبة كل مفردات اليوتوبيا لأحلق بعيدا فى أحلامى أستلهم منها البلد القديمة والنيل وحكايات الأجداد.. تتمثل أمامى مثل درر منفرطة تسكن بين فراغاتها شحنات الخيال لتهبنى فى النهاية فيضا لا ينقطع من الإبداع.... احتاج للنوبة.
يوميات رحالة
سألت نفسى هل أستطيع أن أسافر الآن عبر بلاد النوبة القديمة؟ وكانت الإجابة المنطقية إذا ما غرقت البلاد تحت الماء فلنجر فوقها ونستشعر أنفاسها تحت سفينتنا..
حجزت غرفتى فى أحد مراكب بحيرة ناصر وبدأت رحلتنا بزيارة لمعبدى أبو سمبل.. لم أكن زرته من قبل وبالطبع تركت ضخامة التماثيل الأربعة بواجهة المعبد الكبير أثرا كبيرا فى نفسى، وكانت الشمس تداعب وجوه رمسيس الثلاثة وتودعها وهى تمضى إلى خدرها فى الغرب خلف القبة الصناعية الضخمة التى تقنعك بأنها صخرة من صنع الطبيعة دخلت إلى بهو المعبد وألقيت التحية على عم عوض الحارس والثمانية تماثيل الأوزيرية للملك ثم تقدمت داخلا لقدس الأقداس والذى تدخله أشعة الشمس المشرقة مرتين وقت التعامد فى 21 فبراير و21 أكتوبر ويختلف الأثريون حول المناسبات الملكية التى توافق هذين التاريخين ولكن يجتمع آلاف السياح كل ستة أشهر لمشاهدة هذه الظاهرة الفريدة ولكننى أكره الزحام وبعقلية الفنان أستطيع أن أتخيل المشهد!
جلست أمام المعبد لأرسم الواجهة كاملة فى ظلال ما بعد الظهيرة ثم تقدمت إلى معبد نفرتارى الذى بناه الملك ليخلد حبه لزوجته المحبوبة وهو لعبادة الآلهة حتحور وأحببت الواجهة المائلة قليلاً للخلف والتى تعطى إحساسا بالصرحية والمهابة كما أعجبتنى الأعمدة الحتحورية والتى تختلف عن مثيلاتها فى معبد دندرة وفيلة والدير البحرى لأن النحت فى أحجار النوبة ليس سهلا فجاءت وجوه حتحور مسطحة ولها ضفيرتان طويلتان نسبيا مما يعطيها شكلا حداثيا لا نراه فى المعابد الأخرى.
وعندما غابت الشمس خرجنا جميعا من المعبد.. ثم دخلنا ثانية لنشاهد عرض الصوت والضوء والذى جاء رائعاً فى جو هادئ لا يعكر صفوه ضوضاء أو رياح.. فعشنا فى زمن رمسيس نتخيل موكبه واحتفالاته فى هذه البقعة الفريدة.. وتذكرت لوحات صديقى العزيز الفنان حسين بيكار والذى سجل ملحمة بناء معبدى «أبو سمبل» فى لوحات ملونة تخلب الألباب، وكأنه شاهد عيان على عصر ولى ورحل ونستطيع أن نرى المجموعة كاملة فى متحف الجونة بعد أن نجح المهندس سميح ساويرس فى استرجاعها مرة أخرى لأرض الكنانة.
فى الفجر تتحرك بنا السفينة لنلقى نظرة الوداع على أبو سمبل وشمس الصباح تصحو لتداعب الوجوه فى لطف وتفاؤل.. ثم نبحر شمالا مع اتجاه التيار وتتسع البحيرة بينما تطل عليها جبال النوبة من الناحيتين.. وبعد حوالى ساعتين اقتربنا من إبريم..
اعترتنى الدهشة حين علمت أن قصر إبريم هو الأثر الوحيد الذى لم يحتج لإنقاذ اليونسكو حتى بعد ارتفاع المياه خلف السد لأن القلعة فوق أعلى منسوب للمياه.. وصارت التلة جزيرة بعد أن حوطتها المياه من كل جانب.. لم يسمح لنا بالنزول للجزيرة ولكننى تأملت طائرين جارحين جاثمين فوق الأقواس الهلالية لبقايا الكاتدرائية والتى يرجع تاريخها إلى القرن الثامن الميلادى وعلمت أن إبريم كانت مركزا تجاريا وصناعيا نشطاً وبها آثار من أيام تحتمس الثالث والملك طهرقا وبعدها كانت مسرحا للقتال بين الرومان وكنداكة ملكة الحبشة وظلت لقرون مركزا آخر لعبادة إيزيس ثم تحولت النوبة للإسلام وأثناء الحكم العثمانى كانت إبريم وقلعتها مركزاً للكشاف وأقامت بها حامية من البوسنة يقال إن محمد على نسيها هناك فاستقر العسكر وتزوجوا من نوبيات.. وقبل بناء السد كانت قرية إبريم تنتج أجود البلح النوبى والذى يطلق عليه البلح الإبريمى وقد استفادت القرية من مشاريع الرى بعد التعلية الثانية وأيضا من قربها لقرية عنيبة التى صارت عاصمة جنوب النوبة.. وخرج من إبريم كثير من القادة والنبغاء منهم الفنان القدير النحات أحمد عثمان رئيس قسم النحت بكلية الفنون الجميلة وصاحب واجهات حديقة حيوان الجيزة وأيضا صاحب فكرة تقطيع معبد أبو سمبل باستخدام المنشار ونقله إلى منسوب أعلى.
ودّعنا إبريم الوحيدة وسط المياه وأبحرنا فى اتجاه المحطة التالية وهو موقع عمدا الجديد حيث يمكن للزائر أن يشاهد معبدى عمدا والدر ومقبرة بينوت.. تقف السفينة قريبا من الشاطىء ثم تنقلنا اللنشات على دفعات إلى حيث المعابد..
معبد عمدا يقف وحيدا حيث يبدو كمبنى مهجور له بوابة واحدة وهو أقدم المعابد على بحيرة ناصر وقد تم إنقاذه بمعجزة هندسية حيث تم فك الجزء الأمامى منه ونقلها كأحجار أما الحجرات الداخلية فقد تم رفعها هيدروليكيا ككتلة واحدة ثم سحبها على قضبان سكة حديدية لمسافة 2.6 كم أعلى الهضبة حيث تكون فى أمان من مياه السد العالى وكان المعبد يتحرك بمعدل 25 مترا يوميا وأشرف على نقله البعثة الأثرية الفرنسية.. وقد كرس لعبادة الإله آمون رع ورع حور اختى لأنه الحارس الجنوبى وبدأ بناءه الملك تحتمس الثالث وأكمل فى عهد الملك تحتمس الرابع حفيده.. وداخل البوابة إلى اليسار يوجد نص مهم كتب فى عصر مرنبتاح ابن رمسيس الثانى وهو نص إعادة افتتاح المعبد بعد أن أغلقه إخناتون ويذكر أن المعبد تحول لكنيسة فى العصر المسيحى وكانت تعلوه قبة.
نتحرك قليلاً ثم نقف أمام معبد «الدر» بكسر الدال وهو مثال مصغر لمعبد أبو سمبل حيث كان أيضا منحوتا فى الصخر وكان يقع خلف قرية الدر وكانت مركزا مهماً وبها مدرسة الكمال الابتدائية وقصر الكاشف بالإضافة إلى مركز الشرطة ولكن مياه السد أتت على كل ذلك وقبلها التعلية الثانية للخزان والتى أجبرت الأهالى على بناء مساكنهم ومتاجرهم على ثلاثة هضاب.. ويأتى ذكر قرية الدر كثيرا فى رواية الشمندورة لأهميتها السياسية قبل التعلية الثانية ولكنها فقدت ذلك لصالح قرية عنيبة فيما بعد.. نرجع ثانية للمعبد الذى هو الأثر الوحيد الذى يحفظ ذكرى «الدر» لقد أبهرتنى ألوان رسوم جدرانه التى احتفظت بنضارتها وزهوها وأروعها فى نظرى وتصوير الملك رمسيس الثانى واقفا تحت شجرة الخلود بأغصانها وأوراقها الكثيفة وأمامه بتاح وسخمت وخلفه الإله تحوت إله الحكمة..
وعندما نترك معبد الدر نتجه إلى مقبرة بينوت وهى ترجع إلى عصر رمسيس السادس وقد أسهمت فى إنقاذها البعثة الأمريكية وهى تقع حالياً أسفل هضبة تشبه أهرام دهشور داكنة اللون وقد سرقت معظم رسومها عدا منظرين على جانبى الحجرة الصغيرة المحفورة فى الصخر.. ويعتقد أن بينوت هذا كان حاكم واوات ومشرفا على أعمال المحاجر ولا نعلم إن كان مصريا أو نوبياً.
بعد هذه الزيارة الأخيرة يقابلك بائعو التحف والهدايا التذكارية وهم يحملون التماسيح الصغيرة التى تم تفريخها من بيض التمساح.. وقد لاحظت غلق فم التمساح بقطعة صغيرة من السلك حتى لا يقضم أصبع السائح فإنه إذا ما أغلق فكيه لا تستطيع قوة أن تفتحهما ثانية.
رجعنا للسفينة مرة أخرى وأبحرنا شمالاً والشمس تتدحرج خلف جبال النوبة والمنظر يبدو ساحراً محملاً بالقصص والأساطير عن مدن تقبع تحت الماء، تسبح بين بيوتها الأسماك وملائكة النهر.
استيقظت فى اليوم التالى على صياح الديك فقد وصلنا إلى موقع السبوعة الجديد.. كانت الشمس تتثاءب فى كسل لذيذ بينما الصيادون يصلحون الشباك والمجاديف ترتطم بصفحة المياه البلورية لتنظيم إيقاع سيمفونية الصباح الجديد.. إلى جوار جزيرة فى البحيرة تناولنا طعام الإفطار بسرعة ثم حملتنا اللنشات مرة أخرى إلى موقع وادى السبوعة حيث تقبع تماثيل أبو الهول على الجانبين بينما نتوجه إلى الصرح الكبير وعلى يساره يقف تمثال رمسيس الثانى شامخاً وعندما أدخل، فإننى التفت إلى الخلف لأبصر أجمل منظر أحبه حالياً فى بلاد النوبة.. تماثيل «أبو الهول» صم الصحراء والجمال ثم البحيرة الصافية والجبال فى خلفية المنظر.. وأتخيل نفس المنظر بعد التعلية الثانية للخزان حيث كانت تماثيل أبو الهول تغمرها المياه معظم شهور السنة وتظهر فقط كاملة زمن التحاريق.. ولقد تولت البعثة المصرية إنقاذ وترميم هذا المعبد بمساعدة مالية من أمريكا وتماثيل السفنكس فى المقدمة لها رأس آدمى أما الأربعة فى الخلف لها رأس صقر «حورس».. أما الفناء الرئيسى المفتوح فتزينه على الجانبين تماثيل أوزيرية للملك رمسيس ثم ندخل إلى صالة الأعمدة والتى استخدمت ككنيسة فى العصر المسيحى وحتى عهد قريب كانت لها بوابتان هلاليتان كمدخل تم إزالتهما فى الترميم ليرجع المعبد لشكله الأصلى.. وهناك بقايا لرسم فريسكو قديم للقديس بطرس فى قدس الأقداس وهو يحمل مفتاح ملكوت السماوات وقد كان منظره كاملاً قبل النقل. بعد الزيارة امتطى جملاً هائجاً ليصعد بنا إلى موقع معبد الدكة وهو يقع الآن على ربوة عالية.. وأهم ما يميزه هو الصرح الهائل الذى يتقدم واجهة المعبد ويذكرنا بصرح الكرنك وقد قام ببنائه الملك المروى أرجامون وكان معاصراً لحكم بطليموس الثانى والثالث فى مصر.. وبعد ذلك أضاف البطالمة أجزاء كثيرة للمعبد.. أما الرومان فقد أضافوا صالة صغيرة مقطوعة من الجدار الشرقى بها أجمل نقوش للمعبد وهى تصور تحوت مثل قرد أمام تفنوت كأنثى الأسد يعلوهما منظر طائر أبو منجل المقدس وأسفلهما منظر لأسدين هما أولاد رع شو وتفنوت.
ثم ننزل مرة أخرى لنرى المعابد فى تلك البقعة الجميلة.. معبد المحرقة.. ولقد أثار اهتمامى تهدم جدران المعبد فى صورة التقطت قبل نقله لمكانه الحالى، أما الآن فيظهر كاملاً ولا نستطيع أن نرى ما بداخله من الخارج.. قام ببناء المعبد بعض كهنة الرومان أثناء العصر الرومانى وكرسوه لعبادة الإله سيرابيس وكان يقع على الحدود الجنوبية الجديدة لمصر كما رسمها الرومان.. ويتميز المعبد بأعمدته الجميلة ووجود سلم حلزونى يقود للسطح.. وقد تحول المعبد إلى كنيسة فى العصر المسيحى.. والجدير بالذكر أن بلدة المحرقة القديمة كانت تقع فى بلاد الكنوز حوالى 125 كيلو متراً جنوب مدينة أسوان.. أى أن المعبد قد نقل 50 كيلو متراً جنوب موقعه الأصلى.
قضينا بقية اليوم فى السفينة حيث أبحرت شمالاً حتى ميناء أسوان وكان هناك حفل به رقص نوبى ورحل بنا بعيداً إلى زمن النوبة وفى الصباح قمنا بزيارة آخر موقع والذى يضم معابد كلابشة وبيت الوالى ومقصورة قرطاسى وما تبقى من معبد جرف حسين.
ولقد كنت مشتاقاً لزيارة مقصورة قرطاسى بصفة خاصة وهى من العصر البطلمى وكانت تقع 40 كيلو متراً جنوب موقعها الحالى فى مكان مرتفع على هضبة صخرية وكانت بمثابة بوابة لمنطقة محاجر الحجر الرملى بالنوبة وقد خصص المعبد لعبادة الإله حتحور المعبودة الرئيسية لعمال المحاجر.. وأجمل ما فى هذه المقصورة التى تتكون من صالة واحدة هى الأعمدة الحتحورية الرشيقة وأيضاً النسب الرائعة للكتل الحجرية والتى يكسبها موقعها على البحيرة جمالاً فائقاً..
يقف معبد كلابشة الآن بجوار المقصورة حيث نصعد لصرحه الكبير عبر سلالم تكسبه مهابة واضحة.. وكان أصلا يقع 50 كم جنوب موقعه الحالى ويعود تاريخه للأسرة 18 ولكن هذا المعبد قد تهدم وبنى مكانه المعبد الحالى الذى أعيد بناؤه فى العصر البطلمى ولكنه أكمل بهيئته الحالية فى عصر الإمبراطور الرومانى أغسطس وقد كرس لعبادة الإله «ماندوليس» وهو إله الشمس النوبى وكان اسمه المصرى «ميلول» وعادة يظهر بشكل رجل يرتدى تاجاً به 4 ريشات متوجة بأقراص الشمس.. والمعبد له صرح كبير يفضى إلى فناء مفتوح به 14 عموداً ثم يؤدى إلى بهو الأعمدة ثم حجرتين تقودنا إلى قدس الأقداس ومن الممكن الصعود إلى سقف المعبد ومشاهدة مناظر رائعة بانورامية للسد العالى ومقصورة قرطاسى من أعلى.. وقد قامت البعثة الألمانية بإنقاذ معبد كلابشة ونقله إلى مكانه الحالى بجوار السد العالى.
يتبقى لنا أن نزور الجزء المتبقى من جرف حسين الذى له حكاية سنذكرها فى حينها ثم نسير عبر طريق منحنى إلى أحد معابد رمسيس الثانى محتفظه بألوانه الزاهية ألا وهو معبد بيت الوالى وربما كان يسكنه أحد الأولياء الصالحين لذلك أطلق عليه اسم بيت «الولى» والتى حرفت إلى الوالى.. وكان أساساً منحوتاً فى الصخر ويعد باكورة أعمال رمسيس الثانى فى بلاد النوبة. أمر ببنائه وهو أمير فى الثانية والعشرين من عمره بعد حملة ناجحة لإخماد الثورة فى بلاد النوبة.. وتظهر الرسوم الملونة انتصارات رمسيس على السوريين والليبيين بمصاحبة طفليه، أما قدس الأقداس فقد دمرت تماثيله عندما تحول المعبد إلى كنيسة فى العصر المسيحى.
بهذا نكون قد انتهينا من زيارة المعابد التى تم إنقاذها من الغرق بواسطة اليونسكو استجابة للنداء الذى أطلقه وزير الثقافة آنذاك الفاضل الدكتور ثروت عكاشة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.