منذ اللحظة الأولي في فيلم "ولد وبنت" إخراج الشاب كريم العدل في أول تجاربه في عالم الأفلام الروائية الطويلة يختار زمنه وجيله مع اختيار أغنية "يا عمرنا" لعمرو دياب، والإشارة السريعة إلي البطل "سامح" الوجه الجديد أحمد داود الذي يتحرر من رابطة عنقه، و"يعاكس" البنات، ويستمع إلي "نجوم F.M"، والحاصل لتوه علي "توكيل" أحد المطاعم الشهيرة، لكنك لا تهنأ بالتعرف إلي شخصيته بالكامل لأن السيناريو يقودك إلي القصة الأخري للبطلة "شهد" الوجه الجديد مريم حسن التي يتم القطع (مونتاج سُلافة نور الدين) عليها، في إشارة إلي كونها "امرأة عملية" لا تعرف العواطف، وهي تدير أزمة تؤكد ثقتها المفرطة في نفسها، فهناك عرض من محامي زوجها يغريها بالعودة إليه، خصوصاً أن بينهما طفلة، لكنها ترفض بإباء وتصف الزوج بأنه "مجرد صنايعي شاطر"، ومرة أخري يحرمك السيناريو من الإلمام بالصورة والمعني كاملين، وكأنه يقنن المعلومة التي يمنحك إياها، ويأخذك إلي محل لبيع ألعاب الأطفال، ويذخر المشهد بالكثير من الدلالات الموحية التي تلعب الصورة دوراً كبيراً فيها، فالبطلة "شهد" تتخلي عن مظهرها الصارم، وتستعيد أنوثتها بمجرد أن تلتقي عيناها البطل "سامح"، ولحظتها نكتشف أنهما كانا علي علاقة عاطفية من قبل، وهنا لا يمكننا التغافل عن المغزي وراء اختيار محل ألعاب الأطفال تحديداً لاستعادة العلاقة القديمة بكل البراءة التي يوحي بها المكان! هنا قد يصاب المشاهد البسيط بشيء من "اللخبطة" وربما "التشويش" لتداخل الشخصيتين، واعتماد الفيلم ليس فقط علي "راوي" واحد، كما جرت العادة، بل اثنين هما البطل والبطلة ؛حيث يروي كل واحد منهما حكايته في الفترة ما قبل اللقاء القدري الذي أشهد بأنه لم يكن مفتعلاً أو مُقحماً بل جاء سلساً ومنطقياً ولا علاقة له بالمصادفة أو "الميلودراما الهندية الفاقعة". لكن السيناريو الذي كتبته علا عز الدين حمودة يعتمد "التكنيك" الأصعب، الذي يخشاه الجميع، والمتمثل في الشكل الدائري الذي تبدأ فيه الأحداث من نقطة بعينها ثم تعود إليها في النهاية بعد توظيف "الفلاش باك" الطويل لتفسير الغموض، وطرح الإجابة علي الأسئلة، ووضع حل للحيرة المثارة، وهي مغامرة بالفعل لأن أحداً من المشتغلين بالصناعة، كتابة وإنتاجاً وإخراجاً، لم يستطع أن يحسم بعد رد فعل جمهورنا تجاه هذه "الدراما الدائرية" إن جاز التعبير في حين أكد البعض أن النهاية المعروفة منذ البداية، بالإضافة إلي "الفلاش باك" الطويل والمرهق، تُفسد متعة المشاهدة، وهو "الفخ" الذي لم يقع فيه فيلم "ولد وبنت" لأن مخرجه كريم العدل وظف أدواته ببراعة، وعلي رأسها الموسيقي هاني عادل التي اعتمدت علي "العود" و"الكمان" و"البيانو"، وكذلك أغنية فيروز، في التعبير عن الأجواء والمواقف وردود الأفعال المختلفة، ونجحت بالفعل في هذا الدور، وتكرر الحال مع التصوير والإضاءة عبدالسلام موسي فاللعب بالإضاءة كان محسوباً والرؤية الجمالية متوافرة بغير صنعة أو ادعاء، وفي الكثير من الأحيان كان التصوير يكمل المعني الدرامي، كما حدث في مشهد اللقاء في رأس سدر بين "شهد" و"سامح" مع شروق الشمس، بما يعني بداية فجر جديد من العلاقة بينهما، وهو المشهد الذي قدمه المخرج برقي شديد اعتمد خلاله علي الإيحاء واحترام ذكاء المشاهد، بعيداً عن الابتذال والرخص، وبنفس الوعي وظف المخرج المسحة اللونية التي ظللت "الكادر"وكانت كفيلة لإعادة المشاهد إلي الماضي من دون اللجوء إلي "المانشتات" أو "التواريخ"، وهو الدور الذي نجحت فيه ملابس ريم العدل أيضاً، وكذلك ديكور عاصم علي الذي جاء متسقاً مع الأحداث، ومنسجماً مع الانتماء الطبقي للشخصيات ؛فالفارق كبير بين ديكور شقة عائلة "سامح" التي تنتمي إلي الطبقة المتوسطة، وتتحايل علي الحياة، فكانت هناك ضرورة في أن تنقسم الشقة إلي جزء لعيادة الأم طبيبة أمراض النساء والتوليد سلوي محمد علي وجزء لإقامة العائلة المكونة من الأب بطرس غالي والابن "سامح" وشقيقته والخادمة التي تعمل في الشقة والعيادة، وبين الفيلا الفارهة التي تعيش فيها "شهد" مع عائلتها المكونة من والدها الأديب الشهير حامد رضوان سامي العدل ووالدتها سوسن بدر وتوحي بالمستوي الاقتصادي الذي تتبوأه العائلة، وفي هذا السياق تتميز ريم العدل أيضاً في اختيار ملابس والد "سامح" بطرس غالي الذي ذكرنا بزمن "البيجامة الكستور"، خصوصاً أن التلقائية التي ميزت أداء "غالي"، والحميمية التي بدت عليها العلاقة بينه وبين ابنه، أزالت كل الحواجز بين الجمهور والشخصية الدرامية التي اكتست بالكثير من اللحم والدم، وهي سمة فيلم "ولد وبنت"، الذي لا تشعر حيال شخوصه بالغربة، وإن كان لا يفارقك الشعور بأن شيئاً ما ينقصه، ربما غياب تحديد الزمن الذي تجري فيه الأحداث، أو تجاهله لمتغيرات كثيرة عصفت بالمجتمع من دون أن تشغل بال صناعه، ومن بينها "الحجاب" مثلاً الذي لا أكاد أتذكر أنه ظهر، ولو في خلفية أي مشهد بالفيلم، أو الاختيار غير الموفق لهاني عادل مطرب فريق "وسط البلد" في دور القاص الشاب "بهاء ناصر"؛ فالشيء المؤكد أن بنيانه القوي والدم الذي يكاد ينفجر من وجهه، لا تتناسب أبداً والصورة الواقعية التي نعرفها، ولابد يعرفها المنتج د. محمد العدل تحديداً، للمبدعين الشبان الذي نلتقيهم في "زهرة البستان" وغيرها من مقاهي وشوارع وسط البلد ببنيانهم الهزيل، وملامحهم البائسة التي توحي بالمعاناة، وإن كنت لم أستطع تجاهل وجود مغزي ما وراء اسم الشخصية، الذي يؤكد "ناصريته" ويحيلنا أيضا إلي اسم الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين، لكن الانقلاب عليه، ووصفه بأنه "مجرد صنايعي ماهر" يعيدنا إلي نقطة البداية، وينفي تفسيراتنا ويجعلها مجرد "هواجس" (!) ومادمنا نتحدث عن "الانقلاب" فالأمر المؤكد أن ما جري للبطلة في الثلث الأخير من الأحداث، عندما انقلبت علي والدها الكاتب الكبير الراحل، واتهمته بأنه كان يسيء معاملة أمها، التي لم تعفها من المسئولية عن تحملها لمعاملته الفظة وخيانته لها، مثل انقلاباً صادماً علي كل ما قدمه لنا الفيلم في البداية، حيث بدا وكأن كاتبة السيناريو تفتعل سبباً لتبرر تردد بطلتها في الزواج من فتاها "سامح"، فالكاتبة نفسها هي التي بررت سفر البطلة إلي لندن، ورفضها العودة إلا بعد حصولها علي شهادة جامعة "أكسفورد"، بأنها كرهت الحياة بعد الرحيل المفاجيء لوالدها، الذي كانت تكن له احتراماً وحباً وتقديراً، وكنتيجة طبيعية لهذه المشاعر الجارفة قاطعت أمها بعد زواجها، بعدما رأت في تصرفها خيانة لوالدها الراحل. فما الذي تغير لتتذكر فجأة أنه كان وحشاً و"هلاساً" أصابها بعقدة من الرجال، وكان سبباً في المواجهة العنيفة بينها وبين فتاها في المشهد الذي ذهب فيه إلي لقاء أمها ليطلب يدها؟ لقد سعي المخرج جاهداً للتخفيف من غلواء هذا الخطأ الدرامي، ونجح في تحويل المواجهة إلي مشهد مثير اتسم بالتوتر والتصعيد الايجابي، لكنه عجز، في المقابل، عن إنقاذ مشهد الندوة التي جرت لتأبين ذكري الأديب الراحل من الهزل الذي اعتراه عندما هرولت البطلة وراء فتاها الغاضب ولحق بهما القاص الذي يفترض أنه يدير الندوة، ولم يكن هناك أي مبرر أو منطق فيما حدث تماماً، وهو الأمر الذي تكرر مع الانفعالات غير المبررة، ولا المقنعة، التي كانت تصيب البطل بين الحين والآخر، نتيجة ما أطلقوا عليه الغيرة، وما هي بغيرة علي الإطلاق، لكنها الأنانية التي لم ينجح الممثل أحمد داود في التعبير عنها، نتيجة قلة خبرته، وعجزه عن الإقناع، كما حدث في مشهد الاصطدام بسيارة القاص، وهي الثغرة التي كادت تتكرر مع "ليلي" آية حميدة التي خرج بها السيناريو من السياق المعتاد للدور التقليدي ل "صديقة البطلة"، عندما أوحي بأنها تحب البطل في صمت، ومن جانب واحد، ولما توترت العلاقة بينه وحبيبته، وجدت أن من حقها إبداء مشاعرها، وامتلاكه بمنطق "الجار أولي بالشفعة"، لكن أداء الوجه الجديد آية حميدة افتقد الدفء والحميمية في أكثر من مشهد، باستثناء مشهد المواجهة بينها وصديقتها "شهد"، وهنا أيضاً لعبت قلة الخبرة دوراً كبيراً في ظهورها بهذه الصورة، لكن يحسب للفيلم، وللمخرج بالطبع، إصراره علي الدفع بهذه الوجوه الشابة الواعدة أملاً في تحقيق المصداقية وتقديم الرؤية التي ينشدها من دون الخضوع لسطوة النجم أو اللجوء إلي الزيف الذي يضطر إليه بعض المخرجين أحياناً نزولاً عند شروط السوق! في أكثر من مشهد استعاض المخرج بالصورة عن الكلمة، وحقق المعني والهدف من خلال التكثيف، كما فعل في المشهد الذي ظهرت فيه "ليلي" وهي تداعب قطتها، في إيحاء بمدي ما تعانيه كأنثي من لوعة وشوق، ومن دون ثرثرة بدت وكأنها "قطة علي نار"، وعندما قص البطل شعره كانت ثمة إشارة إلي التغيير الذي اعتراه، والمرحلة الجيدة التي بدأها في حياته، وتحرش "عمرو" الدائم بالبطلة، وإهانتها، فيه إسقاط علي أبناء الطبقة الجديدة من الطفيليين والانفتاحيين الذين تصوروا أنهم امتلكوا البلد، وناسه، وتغيير مكان "المرتبة" في منزل "شهد" ثم إعادتها إلي مكانها يعكس الانفعالات المتضاربة، والحالة النفسية والمزاجية المتقلبة التي تعانيها البطلة بين الحين والآخر، ولا ينبغي أن ننسي الرمز الرقيق في "الأرجوحة"، وإن تميز المخرج الشاب أكثر في تصوير المشاهد التي تجري علي قارعة الطريق، وساعده في هذا مدير التصوير الموهوب عبدالسلام موسي، ولم يكن مبالغاً عندما ترك النهاية مفتوحة، واكتفي بالإشارة إلي احتمال عودة الحبيبين انطلاقاً من الدعوة التي تبناها الفيلم "علينا أن ننسي الماضي بكل أخطائه، ونبدأ من جديد". في فيلم "ولد وبنت" تعلن مريم حسن عن نفسها، من خلال تجسيدها لشخصية "شهد"، كموهبة واعدة وممثلة واعية تملك الصدق والثقة، بما جعلها قادرة علي الإقناع بدرجة كبيرة تتناقض وكونها التجربة الأولي لها أمام الكاميرا، وتتفاوت درجات الإجادة بعدها فيحسب للوجه الجديد أحمد داود اجتهاده، وإن بدا في حاجة للتدريب علي مخارج الألفاظ، وتأتي بعده آية حميدة التي بدت واثقة من نفسها بأكثر من اللازم، وكأنها تقول "أنا ابنة محمود حميدة"، ويضيف الكبار: سامي العدل وسوسن بدر وبطرس غالي وسلوي محمد علي بخبراتهم بريقاً وإشعاعا كان الفيلم في حاجة إليهما بالفعل. وفي كل الأحوال تُحسب التجربة في رصيد المخرج الشاب كريم العدل، وتؤكد أنه لن يكون مجرد رقم يضاف إلي قائمة المخرجين، بل يمكن أن يعول عليه الكثير في المستقبل إذا وجد العناية والاهتمام بمثلما حظي في تجربته الأولي.