ولكن أغرب ما في هذه القضية انه إذا كان الدستور المصري يساوي بين جميع المواطنين فكيف اذن لجهة ما ان تصادر علي هذا الحق الدستوري لفئة من المجتمع، والسؤال الأهم كيف سيتم الاعتراض القانوني علي هذا القرار- هل سيطعن عليه أمام قضاء مجلس الدولة أيضا وبذلك يكون خصماً وحكماً في ذات الوقت، انه مجرد تساؤل مهم حول هذه القضية؟ يرتبط بهذا تساؤل آخر وهو القول بأن تجربة عمل المرأة ببعض الجهات القضائية والتي التحقت بها مؤخراً تجربة لم يكتب لها النجاح، بل ان البعض من المعارضين لعمل المرأة بالقضاء وصل به الأمر إلي الطعن في كفاءة المرأة الوحيدة بالمحكمة الدستورية العليا ونقصد به د. تهاني الجبالي، فالمطلوب ان نعد دراسة علمية جادة عن وزارة العدل مثلاً حول تقييم تجربة عمل المرأة في بعض المؤسسات القضائية مثل محاكم الأسرة والاقتصاد وغيرها لنعرف بشكل علمي ورسمي التقييم الفعلي لهذه التجربة، رغم انه لم تمر إلا سنوات قليلة جدا علي بدء عمل المرأة بها، حتي نستطيع ان نرد علي من يقول ان المرأة لم تنجح في ذلك، فهل هي نجحت فعلاً واذا لم تنجح فما هي الأسباب وراء ذلك؟ في آوائل الخمسينيات من القرن الماضي تقدمت امرأة وكانت لتوها قد تخرجت في كلية الحقوق بطلب إلي مجلس الدولة تطالب بالتعيين فيه، وحينما لم يبت في الأمر سريعا خاصة ان القانون لا يمنع تعينها - رفعت قضية وهنا كتب عن سبب الرفض لتعيينها هو انه ليس القانون هو الذي يمنع ولكنه المواءمة والعرف بقي ان نعرف ان اسم هذه السيدة هي د. عائشة راتب التي عملت أستاذة بالجامعة وبكلية الحقوق تحديداً لتعلم وتخرج الآلاف من الطلاب وليس الطالبات وجزءاً كبيراً منهم بالتأكيد عملوا بعد ذلك بالسلك القضائي الذي تعلموا مبادئه علي يد هذه الأستاذة والوزيرة فيما بعد فهل ياتري فشلت الأستاذة في تعليمهم الذي تلقوا منه علي يدها وبقي ان نعرف ان من كتب قرار رفض التعيين هو العالم القانوني الكبير السنهوري باشا؟ تذكرت هذه الواقعة وأنا أقرأ رفض الجمعية العمومية لمجلس الدولة باغلبية 87% من الأصوات لفكرة وقرار عمل وتعيين المرأة بمجلس الدولة رغم ان بين الحدثين تاريخ وفاصل زمني اقترب من 60 عاماً، تطور فيه الوضع ويصل عدد طالبات الجامعة المصرية الآن أكثرمن 52% مقابل 48% للذكور وكذلك النسبة في عدد الطالبات المقيدات بمراحل التعليم المختلفة قبل الجامعة ورغم ان عدد عضوات هيئات التدريس بالجامعات المصرية من السيدات زاد عن ثلث عدد الأساتذة وان كانت الكفة ترجح تفوق نسبة السيدات في الأجيال الجديدة من أعضاء هيئة التدريس وهكذا الأمر أيضا ستجده في عدد المعلمات بوزارة التربية والتعليم والأطباء بوزارة الصحة.. اذن حينما يكون الأمر متساوياً سنجد ان المرأة تثبت كفاءة وتفوقاً لاشك فيه وحينما تتوفر عوامل الموضوعية والتقييم والامتحان الموحد للجميع الذي لا يفرق بين الناس سنجد ان المرأة اثبتت كفاءة عالية للغاية وتفوقاً ملحوظاً وأكبر دليل علي ذلك ان مهرجان الاوائل السنوي في امتحانات الثانوية العامة سنجد ان الطالبات فيه تحتل نسبة الأغلبية. وهذا لا يمثل انحيازاً للمرأة أو ان عقلها أفضل من الرجل ولكن لأن الأمر توفرت فيه مظاهر الحيدة والمساواة للجميع بصرف النظر عن الجنس أو الدين أو لون البشرة وبالتالي أصبح النجاح أو التفوق هو وفق أرادة الفرد وعمله واجتهاده وليس لأي أسباب أخري تنتقص من قيمة وعقل المرأة أو الرجل. وبالتالي فإن كفاءة المرأة في التعليم أو العمل ليست محل شك الآن فماذا يحدث الآن حتي نكرر نفس العبارات والاحكام المطلقة التي قيلت وتقال منذ قرن من الزمان.. رغم تغيير الظروف والعجيب ان نفس المبررات التي نسمعها الآن عن عدم مواءمة عمل المرأة بالقضاء هي نفسها التي قيلت من أكثر من قرن مضي حينما دارت المعركة عند التحاقها بالجامعة المصرية وأذكر ان قرار قبول الطالبات سراً استمر عدة سنوات حتي تم الكشف عنه والاجهار به والطالبات علي وشك التخرج، وبالتالي فإن ما يحدث الآن ليس بجديد في مسار التاريخ ولكن الجديد هو تغيير المقولات وبراهين الدفاع ضد جهود المرأة في القضاء. وما يزيد في النفس من الاحساس بالاحباط علي وضع المرأة هو القول بأن عمل المرأة خاصة بالقضاء، خاصة قضاء مجلس الدولة شاق عليها، فهل هي اعطيت الفرصة اصلاً للعمل به حتي نصفه بأنه شاق عليها أم لا؟.. فقد أعطوا لها الفرصة لتدرس الأوراق وتجلس تتفحص اطراف النزاع، كما قال أحد الأساتذة الأفاضل من مستشاري مجلس الدولة في خضم رفضه لعمل المرأة به، ثم نسألها بعد ذلك هل هناك مشقة في ذلك العمل أم لا؟ لأنه لا يستطيع أحد ان يحدث أحداً عن المرض مثلا وعذابات الآلام إلا من مر بالتجربة؟ ولكن القضية المحورية التي دائما ما يستند إليها لعرقلة عمل المرأة هو رعاية الأسرة والأبناء، وهنا أقول نعم رعاية الأسرة والأبناء مهمة أولي ورئيسية في حياة المرأة وإلا لما استطاعت المرأة ان تخرج لنا الآلاف والملايين من الرجال الاكفاء والذين أصبحوا اليوم يحكمون العالم بل ويتقلدون أرفع المناصب ومنها المناصب القضائية بالتأكيد وبالتالي فإن توفير وفهم طبيعة "الخالق للمرأة" لا ينفي عنها امكانية عملها ونجاحها فيه وان هذه النقطة تحديداً هي ا لمرتبطة بظروف المجتمع وتطوره وتوفير سبل الرعاية الاجتماعية للمجتمع وليس للنساء فقط، وما يقلقني في ظاهرة غلق الأبواب أمام المرأة بصرف النظر عن رأيي في ذلك، انها تمثل قضية اقتصادية في المقام الأول لأن فتح الباب لعمل المرأة في القضاء قد يساهم في تخفيض أزمة تكدس القضايا واطالة أمد التقاضي في أي نوع من القضايا كما انه سيساهم أيضا في تطور العمل والمنافسة في القضاء لان دخول الأفضل تعليماً تقديراً وكفاءة من الحاصلين علي درجات أعلي في تعليمهم سيرفع حدة المنافسة والجودة في العمل وسيكون هذا هو الشوط الرئيسي بصرف النظر عن اسم وحسب ونسب المتقدمين لشغل هذه الوظائف. ان القضية لم تصبح أننا نقلد الغرب تقليداً أعمي في هذه القضية تحديداً لأننا اذا كنا نرفض التقليد، فلنرفضه في جميع الاشياء بدءاً من القوانين ونفتح باب الاجتهاد ونغلق استيراد الكمبيوتر والطائرة والسيارة والموبايل، فالتقدم ليس كلمة سيئة أبدا. فقط علينا ان نختار بين ان تنتقب نساؤنا تحت اسم الحرية الشخصية مهما كان في ذلك من خطورة وبين ان يكون الجميع متساوين في الحق وتكافؤ الفرص امام الله والقانون الذي هو في النهاية من وضع البشر؟